رأي

مختصر التأريخ العربي المعاصر!!

د. صادق السامرائي

ــــــــــ


التأريخ العربي المعاصر يمكن إختصاره بمقالة قصيرة واحدة تغنيك عن قراءة الكتب والنظر في الأحداث المتوالدة والويلات المتصاعدة، فالتقييم السلوكي للواقع العربي منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر وحتى اليوم، محكوم بآليات وقوانين ثابتة ومعادلات راسخة متفاعلة بوتيرة متصاعدة.
فالموضوع بإختصار هو القبض على مصير الأمة وإستعبادها ومنع الصيرورة العربية الحضارية المعاصرة التي تواصلت على مدى قرون، وفي ذلك الزمان كانت الدولة العثمانية هي القوة المهيمنة في العالم ولها التأثير الطاغي، لكنها بدأت تصاب بالهزال والضعف، فتحركت نحوها القوى التي تتربص لإفتراسها، ولهذا بدأت الدعوات القومية العربية والترويج للحركات والجمعيات والأحزاب، التي تواصلت في صناعة البيئة المناوئة لها، وقد تتوّجت بالثورة العربية الكبرى ذات الوعود الكاذبة من قبل القوى التي تحاربها، وعندما هُزمت الدولة العثمانية وجد العرب أنفسهم أمام سراب الوعود، فتم القضاء على قائد الثورة (علي بن الحسين) ونفيه إلى جزيرة مالطة، وتوزيع أبناءه على الدول المرسومة الحدود وفقا لمعاهدة سايكس بيكو.
فكان فيصل في سوريا، لكنه أخرج منها وألقي به في العراق، وفي ذات الوقت كان عبداللة في الأردن، وفي بداية النصف الثاني من القرن العشرين، تبين أن هناك خطأ ستراتيجي قد حصل، ذلك أن العلاقة ما بين العراق وسوريا يجب أن تبقى على أسوأ ما هي عليه، وكذلك علاقة العراق بالأردن، وبوجود ملكين من ذات العائلة سيتسبب بولادة عمق خطير وغير مسموح به، ولهذا تم القضاء التام على العائلة المالكة في العراق، ومنع العلاقة ما بين العراق وسوريا حتى ولو كان فيهما حزب واحد، فتحقق شقه وتحويله إلى حزب يقاتل ذاته وموضوعه، وما تأكدت علاقة طيبة بين العراق وسوريا على مدى النصف الثاني من القرن العشرين.
وفي بداية القرن العشرين مضت حركة النهضة العربية بقيادة مفكرين ونهضويين منورين داعين لإحياء سلطة العقل ودوره في صناعة الحياة، ولقمعهم تأسست الأحزاب الإسلاموية الداعية لتسييس الإسلام، وكان الهدف منها في الربع الأول من القرن العشرين، إجهاض المشروع النهضوي العربي، ومحاربة الشيوعية التي إنطلقت في روسيا بعد الثورة الروسية بقيادة الحزب الشيوعي، فصار للأحزاب الإسلاموية دوران مهمان وأساسيان، وعندما تطورت هذه الأحزاب وتمكنت، أصبحت مواجهتها بإنشاء الأحزاب القومية لكي تتحقق المعادلة، وصار التصارع أو التقاتل بينهما على أشده، وبينهما والحزب الشيوعي في أوجه.
ويبدو أن الأحزاب الدينية قد أثبتت بأن دورها مهم في منع إنتشار الشيوعية في البلاد العربية والإسلامية وذلك بدعاوى تكفير المنتمين للحزب الشيوعي، وكذلك بتحجيم دور العقل بل وتكفير الذين يدعون إلى الثورة العقلية والمعرفية والتنوير، ولهذا نجحت في طمر الأمة في أجداث الغابرات وأقبية العافيات.
ووفقا لذلك عندما قام النظام الشيوعي في أفغانستان تم إستخدام الأحزاب الإسلاموية ضده، ولهذا تأسست حركات مثل طلبان وغيرها، وحالما تم معرفة إستعداد الإتحاد السوفياتي لغزو أفغانستان تغيرت أنظمة علمانية وجيئ بأنظمة إسلاموية، وحال إحتلال أفغانستان، أعلن الجهاد الممول من قوى معروفة لتجنيد الشباب وتضليله ودفعه إلى سوح الوغى، وفي هذا الظرف كان لابد للأحزاب القومية أن تقاتل الدينية فنشبت الحرب العراقية الإيرانية، ولكن وفقا للحفاظ على التوازن وعدم تحقيق الهزيمة لأي طرف، وذلك للتحضير لمرحلة قادمة، يتم بها تدمير الوجود العربي بأسره.
وما أن إنتهى إحتلال أفغانستان حتى حصلت متغيرات جديدة، خصوصا بعد تفكك الإتحاد السوفياتي وإنحسار دوره العقائدي وإنهيار شيوعيته، فتوجب تحقيق إنزلاقات تؤهل وتسوغ الإقتراب المباشر من منابع النفط والتحكم المطلق بمصادر الطاقة، والتفرد بالعالم، فحصل الذي حصل في تسعينيات القرن العشرين، وإستعرت حروب الخليج بمراحلها التي لا تزال قائمة.
ويبدو أن الحاجة للأحزاب القومية العربية قد إنتفت بعد أن أدت دورها، وصارت المواجهة المطلوبة هو مع الإسلاموية، وهو الهدف المرسوم منذ القرن التاسع عشر، ووفقا لأليات تفاعلية تم صناعة الأحزاب المدعية بالإسلام وتأهيلها لتدمير ديار المسلمين، والعبث بالوجود العربي وقهر الإنسان العربي وتحطيم ذاته وموضوعه.
وما يتحقق اليوم في الديار العربية مسرحيات دامية لإدامة أزيز القدر العربي وفورانه الشديد، لكي تنهض القوى من حوله، ويتحول إلى ثريد على موائد الطامعين والمتأهبين للإفتراس السعيد.
والآليات ذاتها والمعادلات لا تزال كما هي، فلم تتغير سوى العناصر الداخلة فيها، والتي تكتسب مسميات جديدة وما هي إلا كما هي، والعوامل المساعدة على زيادة سرعة تفاعلها ومن أهمها الطائفية والمذهبية والفئوية، التي يتم سكبها في دورق الإتلاف العربي!!
وهكذا تمضي اللعبة على رقعة المجتمعات المغلوبة على أمرها، بإسم الديمقراطية المستوردة والدين المصنع في مختبرات التدمير المطلق لمعنى وجوهر الدين، ولن يتمكن العرب من التبصر والخطو المنير ما داموا يغلبون مصالح الآخرين على مصالحهم، وفيهم المستعدون للقيام بأدوار أعداء الأمة والدين، فهل سيعود العرب إلى عروبتهم ويتداركوا مصيرهم؟!!
وإلى متى سيبقى العرب أحجارا على رقعة الألاعيب المصلحية للقوى الطامعة بوجودهم أجمعين؟!!