مواضيع ساخنة

رأي

هل هزمت الثورةُ السورية فعلاً؟

محمد الحاج صالح
ــــــــــــــــــــ
يكتب مثقفون سوريون عبارات من نوع “الثورة السورية منتصرة لا محالة” أو “حتى لو لم يبق أحد مع هذه الثورة، سأبقى مؤمناً بها وأنها ستنتصر” أو “الثورة السورية أعظم ثورة في التاريخ”. كلام فيه إرادوية مجروحة لاشك، و فهمه للواقع وللصراعات وللتاريخ في أدنى مستوى.
يتلقف الجمهورُ الحائر منقوصَ الفعل هذه الكلام، ويحوله إلى صخب طاحونة شعبوية لا يسمع المرءُ فيها، إلا فيما ندر، ضجيجَ العقل أو هدوءه.
قد تهزم الثورات وقد تنتصر. وانتصارها ليس وليداً للإرادة، وإن كانت الإرادة جزءاً من الانتصار. وأيضاً لا يلعب الحق دوراً أتوماتيكيا في انتصار الثورات. تنتصر الثورات لأن مصالح جزء مهم من المجتمع أصبحت تتطلبُ التغيير، و لأن المجتمع والدولة يكونان قد وصلاً إلى نقطة حرجة و لا يمكن الاستمرار على الطريق ذاته. يُضرب هنا مثال محق وحقيقي بأن الثورة الفرنسية انتصرت بعد عشرات السنين، وأن الثورة الفرنسية ركبت طريقاً مليئاً بالتعرجات والانعطافات والأخطار والعنف الهمجي. كل هذا صحيح. ولكن أهداف الثورة انتصرت في النهاية وبعد عشرات السنين. وكذلك ستنتصر أهداف الثورة في “الحرية والكرامة” مثلما انتصرت أهداف الثورة الفرنسية في “الحرية والإخاء والمساواة”. ولكن وقبل هذا وكما يقول المثل هناك “حصبة وجدري” مثلما مرت الثورة الفرنسية بالحصبة والجدري وعشرات الأمراض الأخرى..
ما يهم أساساً أن لا يكون أحداً قد اقتنع أن الثورة السورية انتصرت، أو أن الانتصار أنجز، أو أنه قادم خلف هذا الركن. الانتصار بعيدٌ، و “زعبرة” الانشاء اللغوي الشعبوي بمدح الثورة العبثي ما هي إلا مرضُ نفوسٍ لا تعي مدى الضرر في هذا “الوعي” اليقيني، خصيصاً عندما يأتي هذا “الوعي” من مثقفين مشهورين يستهدفون الانسجام مع شعبوية العامة ويطلبون رضاها .
عندنا مثل صارخ في تاريخنا الحديث هو هزيمة الخامس من حزيران، مع الانتباه إلى الفروق بين انتكاسات الثورة و”انتكاسة” حزيران. قلةٌ هُمُ المثقفون الذين سموا الهزيمة باسمها الصريح “هزيمة”. من هذه القلة ورائدها الأول صادق جلال العظم. وقد مرّ زمن طويل، كما هو معلوم، قبل أن يقتنع مثقفو الشعبوية العربية والإسلامية بأن ما حدث هو هزيمة. بين مصطلح “النكسة” الوجداني الذي يفتح على دهاليز مظلمة و على عودة قهقرى في التاريخ، وبين مصطلح “الهزيمة” الواقعي والذي يفتح على العلم والفهم والإدراك بونٌ واسع.
لم تنتصر الثورة ولم تهزم الثورة. لا تناقض في هذا الكلام. ولكن ما يهمنا هو التفكير النقدي الذي لا يستسلم للسائد وللشعبوي، ولا يستعيد راضياً عن النفس خطابَ هزيمة حزيران على أساس قومي أو إسلامي.
لم تنتصر ولم تهزم نهائياً. ولكنها وبالتأكيد هزمت في مراحل متعددة وفي مجالات متعددة، ومن لا يرى هذا واهمٌ و ما زالت روح الشعبوية والطنطنة الموروثة من أدب “النكسة!” تشغل حيزاً مهماً في رأسه.
لم تنتصر ولم تهزم لأن نظام بيت الأسد توفّر له حلفاءٌ مستعدون للذهاب بالأمور إلى مدياتها سياسة وحرباً واقتصاداً. وقد كانوا على مستوى الوصف “قول وفعل”، قالوا وفعلوا. بينما لم تحصل الثورة على مثل هكذا حلفاء ولأسباب متعددة. ومن المعروف أن أجدر أسباب الهزائم بالنقد هو السبب الذاتي، هو ما في داخل الثورة كما تقول علوم الاجتماع والسياسة والتاريخ. و أول هزائمنا وأكثرها خسرانا هو أسلمة الثورة والركون إلى هذه الأسلمة. عند قيام الثورة السورية كان واضحاً أن التفاهم الضمني بين الغرب وبين ما سمّي بحق وقتها “الإسلاميون المعتدلون” وعلى رأسهم الإخوان المسلمون، آيلٌ للزوال، بعد ثلاثة عقود من العنف المرتبط بالجهادية الإسلامية. كان الغرب يمنّي النفس بضبط الأمور لمصلحته باستخدام “المعتدلين” ضد المتطرفين. ومن سوء الحظ أن لا الإسلاميين ولا الناس ولا كثيراً من المثقفين أدركوا طابع هذه المرحلة التاريخية، حيث كان العالم،كل العالم، يسير نحو حالةٍ سِـمتها الأساسية هي عدم السماح للإسلاميين بأن يكونوا جزءاً من “حضارة” اليوم ولا من تكويناته السياسية الفاعلة، وبين تنامي دور الإسلاميين في الثورة. طريقان متعاكسان تماماً. لا بلْ و قام الإسلاميون بوضوح بطرد وقتل وحبس و تشريد كل ما هو غير إسلامي في المناطق “المحررة”. الوقائع والحوادث بهذا الخصوص أكثر من أن تحصى. وهنا تكمن الخدمة الكبرى للنظام ولحلفائه إن بوعي أو من خارج الوعي. لا أحداً في دنيانا خدم عدوه مثلما خدم الإسلاميون أعداءهم المفترضين. ولذلك يمككننا الاختصار بأن خطاب الوجدان والإرادوية والإنشاء اللغوي هي نتائج للخطيئة الأصلية، خطيئة “الأسلمة” والركون إلى مقولة أن الحق ينتصر. لا ينتصر الحق دائماً ولا يلعب الدين دوراً إيجابيا على الدوام في التاريخ. بل هو على العكس في حالة الثورة السورية. إنه مدمر ومدعاة لتكاثر الأعداء و صانع مجتهدٌ للحجج والتبريرات. بل إنّ أسلمة الثورة السورية ونتائجها الخطيرة سمحت حتى “للأصدقاء!” بالتملص من المسؤولية.
الثورة لم تنتصر ولم تهزم. ولكنها ستنتصر بعد زمن طويل وشغل غير.