كلمة رئيس التحرير

أكبر هزيمة للدولة هي فشلها في مكافحة الفساد

 

 

  قال الفيلسوف الشهر ألبيير كامي ”  الصالحون  وحدهم  هم من يكافحون الفساد”  ومعنى  عبارة الفيلسوف  هي أنه  من غير الممكن  لغير الصالح  أن يحارب الفساد وينتصر عليه.

 ويقول المهاتما غاندي ” إن طبيعة البشر  تتعارض مع معنى النقاء ومن يرغب  في النقاء  عليه البحث عن ملائكة ” قالها في تصريح ليومية بومباي تايمز   بعد إنتقاد وزير في أول حكومة هندية مستقلة  بسبب شبهات استغلال منصبه، ويعبر موقف  المهاتما  غاندي  عن القناعة بأن البشر يخطأون  لهذا  فإن من ينتقد  أي حكومة بسبب  وجود فاسدين فيها يكون قد طلب المحال والكمال من البشر الناقصين لكن  في الجزائر فإن الأمر مختلف  لأن الكثير من القضايا  تمت فيها التغطية على فساد  مسؤولين وكشف مسؤولون آخرون فاسدون بسبب الرغبة في الانتقام وتصفية الحساب.

 أنا أعتقد أن  الرئيس بوتفليقة كان سيخرج من منصبه من تاريخ الجزائر فرحانا  وسعيد لو أنه  ترك دولة تحاسب الفاسدين  بغض   النظر عن ولائهم السياسي وانتمائهم الجغرافي                    مكافحة الفساد التعويل على المعالجة على مستوى التشريعات لا جدوى منه، وقد جُرّب هنا وهناك بغير نتائج ملموسة لأن الدولة هي التي تخرق هذه التشريعات ولا تسهر على تطبيقها، وأساس الداء ليس القوانين وإنما الاستبداد الذي لا يصلح في ظله شيء إيجابي بل هو الذي يفرخ أنواع الآفات، وحتى المواعظ الدينية – على ضرورتها في مجتمع مسلم – في محاربة الفساد ليس له فائدة كبيرة لأنه لم يَعُد أعمالا قبيحة هامشية وإنما أصبح ظاهرة ترعاها الأوساط التي تنتفع منه سياسيا واقتصاديا وإيديولوجيا، ولا يمكن للوعظ أن يغيّر أي سلوك لأن الدولة الشمولية استحوذت على الدين من أجل تحييده أحيانا ومن أجل خدمة خطّها العلماني في أكثر الأحيان، والحلّ يكمن إذًا في علاج المرض من الأساس بإقامة دولة ديمقراطية تسيّرها المبادئ التي يرتضيها الشعب في أغلبيته لا القيم التي تفرضها الأقلية المستندة إلى القوة العسكرية، والتي تقوم بالفعل – لا بمجرد النص الدستوري – على الفصل بين السلطات وتسيير شؤون المجمع بأعلى درجات الشفافية والتمكين للرقابة على المستوى الشعبي من خلال مجالس منتخبة بعيدا عن التزوير القَبلي والبَعدي، وعبْر إعلام متحرّر من مراكز الضغط والقوى الخفية، وعلى تأسيس مجتمع مدني بالمعنى الصحيح والذي يكون نوعا من القوّة المقابلة للدولة لإحداث التوازن في تسيير المجتمع، في ظلّ هذه الدولة القوية بمؤسساتها ومصداقيتها يمكن نشر ثقافة بديلة في ظلّ سلطة لا تحتكر كل شيء من سياسة وثقافة وإدارة وحتى الدين، تضمن الترويج لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية والإدارة الرشيدة بواسطة الصحافة الحرّة المسؤولة والمسجد الذي يستردّ حرية القول والنشاط بدل محاصرته قانونيا وبوليسيا، بالإضافة الى التربية المدنية في المدارس ونحوها لأن حجم الفساد يقتضي كثافة العلاج، ولإشاعة القيم الدينية دور أساسي في الحملة على هذا الداء العضال بدءا من تحجيمه في المرحلة الأولى للوصول إلى مستوى التضييق عليه واجتثاثه، وهذا ممكن خلافا لما يروّجه المفسدون، وقد استطاع الغربيون تحقيق نتائج مهمة في محاربة الفساد في مفاصل الدولة، ونتمتّع نحن بعامل فعال لا يمتلكونه هم، وهو الإسلام وما يحويه من أخلاق إيمانية .