أمن وإستراتيجية

إسقاط الطائرة الروسية في سوريا .. الأسد هو أكبر مستفيد

هل يمكن أن نعتبر أن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان قد استفاد أو ربح من جراء إسقاط الطائرة الروسية في شمال سورية ؟ الأكيد أن الإجابة ستكون بالنفي والأسباب هي التالية :
أولا في حالة تصديق الرواية التركية حول إسقاط الطائرة الروسية وبأنها اخترقت عدة مرات الأجواء التركية وأن إسقاطها كان محض دفاع عن النفس، فإن هذا الدفاع يكون قد جر تركيا إلى نزاع اقتصادي كانت في غنى عنه وجرها إلى مواجهة مع دولة عظمى، وحتى مع وجود فرضية أن الحلف الأطلسي لن يسمح للروس بأن يمسوا الأتراك، فإن أي نزاع مسلح كان سيحدث ستكون تركيا هي مسرحه أو جزء منها على الأقل وهذا فعل أقل ما يقال عنه انه غبي وغير محسوب.
ثانيا الهدف الظاهر من وراء إسقاط الطائرة الروسية هو فرض قواعد جديدة للاشتباك بين الطائرات الروسية والدفاع الجوي التركي الظاهر بعد عدة أيام من سقوط الطائرة التركية أن الروس لم يرتدعوا بل على العكس بدءوا في تكريس قاعدة اشتباك جديدة مبنية على أنه من غير المسموح للقوات التركية الجوية أو البرية بالاقتراب من الأراضي أو المجال الجوي السوري وهذا في حد ذاته نصر كبير ليس للروس الذين جرحت كرامتهم الوطنية بل للرئيس السوري حافظ الأسد الذي كرست حداثة إسقاط الطائرة الروسية تحالفه مع الروس وجعلته مع بوتين في خندق واحد، وهذه النتيجة من الناحية الإستراتيجية هي هزيمة كبرى للسلطات التركية.
ثالثا حادثة إسقاط الطائرة الروسية وضعت تركيا من الناحية الدبلوماسية والسياسية في حالة الدفاع فهي أسقطت طائرة لقوة جوية تتبع دولة عظمى كانت تقوم بعمليات حربية ضد منظمات إرهابية ، وهو أمر دخل معه الرئيس التركي بقدميه الحافيتين إلى قفص الاتهام حيث أكد روايات كانت تتردد حول دعمه للجماعات الإرهابية
أحد كبال المحللين الإسرائيليين الكس فيشمان، اعتبر أنّ الـ”تفاهمات” الإسرائيليّة-الروسيّة حول النشاط الجويّ في سوريّة ستذهب هباءً في أوّل “مُواجهة” بين تل أبيب وموسكو، مشدّدًا على أنّ بوتن لن يتحمّل بعد إسقاط الطائرة الروسيّة من قبل الأتراك أيّ تعدٍّ على قواته العاملة بسوريّة، وأضاف أنّ على صنّاع القرار في تل أبيب أنْ يأخذوا هذا الأمر على محملٍ كبيرٍ من الجدّ، حسب تعبيره.
في السياق ذاته، نقل المُحلل عن مصادر أمنيّة وصفها بأنّها رفيعة المُستوى قولها إنّ منظومة الصواريخ الروسيّة من طراز أس400 ستؤدّي إلى تحديد حريّة مُقاتلات الإسرائيليّة، لافتةً إلى أنّ إبقاء هذه المنظومة على الأراضي السوريّة سيُشكّل خطرًا كبيرًا على المصالح الإسرائيليّة.
ورأت المصادر عينها أيضًا أنّه في المُواجهة القادمة بين الطائرات التركيّة والروسيّة ستُسقط المُقاتلات التركيّة بدون أيّ إنذار مُسبق، ووصفت المصادر في تل أبيب الرئيس الروسيّ بأنّه إنسان عنيد جدًا، ولن يتوانى عن ردّ الصاع صاعين، إلّا أنّها شدّدّت أيضًا، على أنّه يحمل الكثير من الصبر حتى يُخرج قراراته ضدّ تركيّا إلى حيّز التنفيذ. سيُشكّل خطرًا كبيرًا على المصالح الإسرائيليّة. ويُمكن القول والفصل أيضًا إنّ التطورات الميدانية الأخيرة في الساحة السورية مدعاة قلق من جهة تل أبيب. “الكباش” بين الروس والأتراك، والنجاح الميداني للجيش السوري وحلفائه، يزيدان من تعقيد الميدان ويُغلّبان القوى المعادية لإسرائيل في هذه الساحة. كذلك تنظر تل أبيب بقلق إلى إعلان موسكو أنها ستنشر منظومة دفاعية متطورة تغطي معظم الفضاء السوري (اس 400)، وترى أنه تطور سيؤدي حتماً إلى تغييرات ميدانية ويدفعها أكثر إلى الانكماش، لأنه ينعكس سلبًا على مصالحها ومخططاتها للساحة السورية.
وبدا جليًّا أنّ توصيات صدرت للمسؤولين الإسرائيليين بالامتناع عن التعليق على إسقاط تركيا للقاذفة الروسية، وعن اتخاذ أيّ موقف تجاه الحادثة وتداعياتها، إلا أن ذلك لم يمنع المعلقين الإسرائيليين، وأيضًا مصادر أمنية وسياسية، من التعبير عن الموقف المشبع بالقلق تجاه هذه التطورات. ونقل موقع “المصدر” الإسرائيليّ موقف تل أبيب من التطورات الأخيرة في سوريّة، مشيرًا إلى أنّه من ناحية إسرائيل، فإنّ اتخاذ روسيا قرار نشر منظومة اس 400 لحماية الأجواء السورية يمكنه أنْ يحد من نشاط سلاح الجو الإسرائيلي فوق سوريّة، ضد جهات ومنظمات تخطط لإلحاق الضرر بإسرائيل، مثل حزب الله.
وأضاف أنّ إرسال هذه المنظومة إلى سوريّة سيجعل الوضع أكثر تعقيدًا لجهة نشاط سلاح الجو الهادف إلى منع وصول أسلحة إلى حزب الله في لبنان، وكذلك لجهة التصدي لمخططات أمنية ضد إسرائيل انطلاقًا من الجولان، كما أكّد.
ولفت الموقع إلى أنّ تل أبيب موجودة حاليًا في موقع صعب بالنسبة إلى روسيا وتركيا، تجاه كل ما يحدث في الساحة السورية، علمًا بأن إسرائيل تختلف مع الروس بشأن بقاء الأسد وتعزيز المحور الشيعي، فهي لا تريد أن تزداد قوة حزب الله في لبنان، وهي تنظر بعين الرضا إلى الجهود العربية الرامية إلى الحد من توسع النفوذ الإيراني في المنطقة.
وقال مصدر سياسيّ إسرائيليّ لموقع (WALLA) العبري إنّ الرئيس السوري بشار الأسد أثبت قدرة صمود هائلة لم يكن يتوقعها أحد، وأضاف أنّه خلافًا للاعتقاد الذي كان سائدًا من قبل، فإنّ الأسد لا ينوي الاكتفاء فقط بالمدن الساحلية في إطار المفاوضات المفترضة حول سوريّة، وهو لن يتنازل أبدًا عن دمشق وعن محيطها، بل أيضًا سيسعى إلى استعادة كل الأراضي السورية. وينقل الموقع عن مصادر غربية أنّ تصرفات الأسد أذهلت بالفعل محافل الاستخبارات في الغرب، خاصّةً أنه نجح في المحافظة على وحدة الجيش السوري وعلى حلفه مع إيران وحزب الله، وأيضًا نجح في إنشاء حزام أمني يحيط بدمشق والمدن الساحلية في سوريّة، على حدّ تعبيره. أمّا عن الموقف الروسي، فأشار المصدر إلى أنّ إسرائيل كما الغرب عمومًا، يتابعون عن كثب كل النشاطات الروسية في سوريّة، وهم في إسرائيل يقدّرون أن الروس لن يستطيعوا إتمام المهمة في القضاء على داعش خلال الأشهر الستة المقبلة، مشيرًا إلى أنّه لا توجد أي دولة في المنطقة تتوافق مع الروس في أفكارهم، ما يبقيهم وحيدين، رغم أن كل الدول التي تهاجم موسكو تفعل ذلك من منطلق مصلحتها الخاصة وليس على أساس المصلحة المشتركة لمعارضي التدخل الروسي في سوريّة، حسبما ذكر. وكانت القناة العاشرة العبرية قد أشارت إلى وجود تقدير في تل أبيب يفيد بأنّ أنقرة باتت تسأل نفسها عن ردّ موسكو في أعقاب إسقاط الطائرة الروسية، ليس إذا كانت سترد، بل كيف سترد ومتى سترد؟.
وصحيح أنهم لن يردوا عسكريًا، إلا أنّ الرد سيشمل إجراءات اقتصادية وسياحية قاسية جدًا.
وأضافت أنّ إسقاط الطائرة يحمل معاني كثيرة، وهذه الحادثة تعدّ تصعيدًا استراتيجيًا خطيرًا بين الجانبين، ورأت أنّه من الصعب تقدير خطوات شخص كبوتين وماهية الرد وأسلوبه، رغم إمكان ترجيح الرد الأمني الذي لا يترك بصمات.