أخبار هبنقة

الحرب بين السلطان أردوغان والقيصر بوتين

 

 

المشهد نفسه تقريبا   ولكن بطريقة  إخراج  مختلفة تاريخيا  وقع قبل 160  سنة  حيث إندلعت الحرب بين الروس  بقيادة القيصر  الجديد بوتين  وبين العثمانيين بقيادة السلطان  العثماني الجديد أردوغان.

 يحاول  السلطان الجديد إعادة  التاريخ  حيث  هزمت روسيا في حرب القرم  عام 1856  قبل  قرن ونصف بعد أن تحالفت دول أوروبية مع العثمانيين الضعفاء  ضد روسيا القيصرية، الحرب كان سببها  طبقا لرواية  تاريخية أطاع روسية في القرم واليوم  يرى العثماني الجديد  أن  الروس  يحاولون السيطرة على سوريا .         

بالنسبة للعثمانيين  الجدد فإن  أي  سيطرة على  العالم الإسلامي السني لا بد ان تنطلق من سوريا ،  لهذا  ليس من المستغرب أن يرى رجب طيب  أردوغان  أن الحرب الأهلية  في سوريا هي  الفرصة التاريخية  التي لا تعوض  من اجل تقديم نفسه خاقانا  للمسلمين  السنة والخاقان هو  لقب للسلطان العثماني سليمان القانوني، وهو مقتبس في اسم مغولي،  أما في الجانب الآخر فإن القيصر الجديد  المتحالف  مع الصينيين  والمتقوي بـ ” الصفويين ” الجدد في إيران يرى أن حصول روسيا  على  ميناء في المياه الدافئة فرصة تاريخية سيندم إن لم  يستثمرها، وهنا بدأت  المواجهة بين السلطان  و القيصر.       

فلاديمير بوتين لم يستخدم عبارة  طعنة في الظهر  بلهجة شكسبيرية، بل بلهجة من يقول للسلطان ان ثمة ثمنا للذي حصل، وبعدما اكد اردوغان لبوتين انهما في خندق واحد ضد الارهاب. الاستخبارات الروسية لم تثق يوما بصدقية الرئيس التركي، والرأس التركي، الذي لا يريد مجرد الدور في التسوية. يريد تواجدا عسكريا دائما على الارض السورية بحجة ان اي تسوية لا بد ان تحتاج الى تغطية على الارض…

ربما اجهزة الاستخبارات لا تكترث كثيرا للعامل التاريخي (او بالتاريخ بوجه عام) في ما يحدث على الارض. عندما كانت موسكو تعدّ العدة للتدخل الجوي في سوريا ابلغت بشار الاسد، كما ابلغت ملوكا ورؤساء عربا انها تتدخل لحماية وحدة سوريا ودرءاً لاي محاولة او لاي سيناريو يتوخى تجزئتها، وبالتالي توزيعها على» الورثة»…

هكذا كانت البداية. الغارات في الجنوب وفي الشمال وفي الشرق لتقول لمن يهمهم الامر ان الطائرات تتعامل مع سوريا ككل لا ككانتونات، ولا كاقطاعيات، ولا كمحميات…

لا احد مثل الروس يعرف بكل تفاصيل التاريخ العثماني، وبكل خفاياه، وبكل دسائسه (احمد داود اوغلو على خطى رجب طيب اردوغان ندد بمسلسل «حريم السلطان» مع انه يضيء جوانب تحدث عنها بافاضة مؤرخون اتراك وعرب واوروبيون).

الطعن في الظهر هي سمة من سمات السلاطين. القاذفات الروسية حلقت اكثر من مرة فوق المنطقة التي اسقطت فيها الـ«سوخوي-24» حتى اذا ما بدا ان جبل التركمان (والتركمان هم غير الاتراك لكن التضليل يشمل حتى البنية الاتنية للمجتمعات) آيل الى السقوط، كان الرد لنا خطوطنا ولكم خطوطكم…

كل هذا قد يستتبع السؤال ما اذا كانت انقرة قد تشاورت مع حلفاء عرب او غربيين (غربيين بوجه خاص) لتوجيه مقاتلة اميركية «إف-16» صاروخا اميركيا الى القاذفة الروسية. ولكن الم يلاحظ بعض المعلقين الذين ينضوون تحت عباءة حزب «العدالة والتنمية» ان «حلفاءنا ذهبوا الى حد التواطؤ، والانكفاء، والمراوغة امام الدببة القطبية».

الى حد بعيد لا بد ان يكون الاميركيون، بسياساتهم الملتبسة، اعطوا الضوء الاخضر، وهم الذين يعلمون اي دور اضطلعت به انقرة لتوظيف تنظيم الدولة الاسلامية في اغراض تكتيكية واستراتيجية.

لا يغيّر في امر شيئا ان اوروبا مستنفرة ضد التنظيم، وبعض الصحافيين الاتراك الذين يعترضون على سياسات اردوغان ( احد المراسلين قال لنا انه اطلق حتى الكلاب البوليسية لمطاردتنا)، اشاروا الى «الضربة الخطأ في اللحظة الخطأ»، فهل يتصور الرئيس التركي ان رفاق السلاح في حلف شمال الاطلسي سيضربون البوارج الروسية في المتوسط اذا ما اندفعت الامور، بشكل او بآخر، نحو التصعيد؟

الكرملين لا ينظر الى المسألة على انها «حادثة سقوط قاذفة»، كما حاول البعض في بروكسل اختزال المشهد. بوتين الذي تعامل بسخرية مع الانذارات العشرة في خمس دقائق، ينظر الى الخلفية الاستراتيجية للعملية، والى حد اتهام اردوغان بـ«الشراكة» مع ابي بكر البغدادي، ودون ان يقنعنا السفير الروسي  في لبنان الكسندر زاسبكين حين ظهر، بعد ساعات قليلة من الحادثة، ليقول من ضمن ما قاله انه «يظن»   ان هناك بين اهل السلطة من كانوا يستفيدون من قوافل النفط التي دمرت فكان الثأر من السوخوي…

بطبيعة الحال   فإن  سفير روسيا في لبنان  زاسبكين يعرف اكثر منا و يظن اكثر منا، ولكن حين يستخدم الكرملين تلك الكلمات بالذات، وفيها الكثير من الوعيد، ومن الاتهام بالطعن في الظهر، هل يصح «الظن» بأن المسألة تتعلق بصهاريج النفط التي غارت في الرمال؟

السلطان يلعب مع القيصر. هذه لعبة قديمة وعمرها قرون. صحيح ان الامبراطورية السوفياتية زالت بعد اقل من سبعة عقود على زوال السلطنة العثمانية، ولكن في غضون عقد من الزمان اعاد فلاديمير بوتين الى بلاده الالق الامبراطوري (شاهدتم كيف تم تطوير السوخوي والتوبو ليف). الاوروبيون المثخنون بالجراح (جراح داعش) لن يقفوا مع من حاول ان يجعل من الداعشية النيو انكشارية. اميركا… ساعة مخلب القط وساعة مخلب الذئب!!

ليفسر لنا الرئيس بوتين ما يعنيه بالطعنة في الظهر. قيل لنا جبل (جبل التركمان) مقابل قاذفة. ماذا ايها القيصر، عن المنطقة الآمنة بين طرابلس وشاطىء المتوسط؟ قيل لنا…لن تكون.