رأي

من يصنع الديكتاتور

تحت عنوان «سوسيولوجيا العرب»، يحاول احدهم ان يجمع في كتاب التعليقات الساخرة، والمريرة، على مسار «الربيع العربي» منذ عام 2011. لاحظ ان ثمة خللاً فلسفيا لدينا، والا كيف لنا ان نصنع الديكتاتور، حتى ولو كان من الخزف، ثم نجثو بين يديه..
الاشد هولا من ذلك ان مواقع التواصل الاجتماعي تضج بالعبارات الدينية او المذهبية التي تتولى تسويق الفرقة و الضغينة، فيما يقول استاذ جامعي مغربي ان العرب ينفقون مليارات الساعات على احاديث ومناقشات دينية عبثية «هؤلاء الحمقى الذين يضعون الله على المائدة». في نهاية المطاف يقدمونه للملأ على انه…الديكتاتور الاكبر!
التعليقات على امتداد القارة العربية. نقرأ «اذا نظرت الى احوالنا لسوف تفاجأ بأن عنترة بن شداد كان يقاتل على ظهر دجاجة، وان عبلة التي كان السيف يلمع كبارق ثغرها المتبسم» على شاكلة تأبط شرا..
ثمة من يستغرب كيف ان آباءنا كانوا يصنعون آلهتهم ثم يأكلونها او يتركونها للاطلال. الان، العكس الذي يحدث «الالهة هي التي تأكلنا او…تقتلنا».
ذاك العربي الذي يدق على باب التاريخ انما يدق على باب الليدي غاغا…
تقرأ لاخر وهو يبتهل الى صانع هذا الكون ان يستحدث اجنحة للسلحفاة علنا نقطع المائة عام، الالف عام، التي تفصلنا عن القرن، بمائة يوم، بألف يوم…
اخر يدعوك الى حضور موعظة في احد المساجد وحيث الامام يتحدث عن الذي ينتظرنا حين نعود اليه ليمزقنا اربا اربا، وليدوسنا بقدميه. هل هو الله ام اتيلا الجبار؟
اكثرية المعلقين يتحدثون عن احوال المسلمين. في اسطنبول، وفي الانتخابات الاخيرة، كان شبح السلطان يقف عند صناديق الاقتراع. وفي القاهرة، كان شبح الفرعون كذلك بالرغم من الفارق الهائل بين رجب طيب اردوغان وعبد الفتاح السيسي. الديكتاتور قضاء وقدر…
في البلدان الاسلامية فقط يخرج الديكتاتور من صناديق الاقتراع. صناعة الاوثان حرفة عتيقة. لا، الكل متورطون في اختراع الديكتاتور، ولكن هل كان نابليون بونابرت على شاكلة معمر القذافي؟
مثال آخر، الاتحاد السوفياتي كان يتألف من 15 دولة، ست منها اسلامية، بعض الدول المسيحية مرت في سنوات صعبة من الديكتاتورية، الدول الاسلامية كلها إما كرست الديكتاتورية الى الابد، او تلاعبت بالقوانين، وبالضمائر، او انها لجأت الى التوريث كما هي حال حيدر علييف وابنه الهام علييف في اذربيجان.
غريب امر كيم ايل سونغ. لم يكن مسلما ولا عربيا ( ربما يتحدر من احدى الجاليات العربية او الاسلامية التي استقرت في شبه الجزيرة الكورية وذابت هناك). في كل الاحوال، ازددنا اقتناعا بأن الايديولوجيات في القرن العشرين اديان، والاديان في القرن الحادي و العشرين ايديولوجيات…
انتبهوا، المسلمون يطوفون حول الحجر الاسود، واليهود يطوفون حول حائط المبكى. وحين تتماهى البنية السياسية مع البنية الايديولوجية لجماعة ما او لامة ما، يبدأ الدوران حول الديكتاتور. لماذا لا يوجد الديكتاتور عند اليهود؟
هكذا قال لنا الشيخ السلفي المحلاوي في القاهرة «من يكرهني انما يكره الاسلام»، وهكذا قال ابو عياض، الامام السلفي للمسجد الكبير في البوعزيزي (تونس) «الديمقراطية اعتداء على الله لانها تنصّب بشرا للتشريع»، وهكذا قال ابو الاعلى المودودي (الهندي الباكستاني) «التشريع البشري اعتداء على الوهية الله وحاكميته».
احدهم يسأل «اذا كانت هذه المعادلة، فلماذا خلقنا الله ولماذا لم يخلقنا على شاكلة الذباب؟». ربما خلقنا كذلك. الفقهاء يدعوننا الى انتظار المخلص. هو وحده الذي ينقذنا من آثامنا، ومن نكباتنا، ثم (لماذا) يمشي فوق جماجمنا. محمد اركون قال «بعضهم اخترع ذلك الطراز الاخر من الغيب»، فيما كان تيار دوشاردان قد حذر من «تلك المعمارية اللاهوتية التي نظهر الله كما لو انه صناعة بشرية، بل كما لو انها تلغي الحالة البشرية. لا تثوروا ولا ترفعوا اصواتكم. المخلص في الطريق الينا. فلسفة البلاط ام فلسفة السماء؟»
لا بد من صرخة تكسر هذه الضوضاء (هل هي ضوضاء الغيب ام ضوضاء العدم؟). لم يهبط ابو مصعب الزرقاوي او ابو بكر البغدادي من مؤخرة التنين. هما نتاج ذلك الغثيان الايديولوجي الذي نعيشه منذ اكثر من الف عام. اين هو مارتن لوثر الاسلامي الذي يحطم الوثنية، وقد صنعناها، بايدينا، داخل الاسلام؟
فقهاء لكأنهم ترعرعوا على حائط المقبرة. انهم يتقيأون الفتاوى والخزعبلات ليكرسوا اللعب اللغوي، الرقص اللغوي. داخل الحطام. ثمة فقيه وتحدث على احدى الشاشات عن « تكنولوجيا الروح».
ماذا عن التكنولوجيا الاخرى التي نستهلكها وتستهلكنا على مدار الساعة؟
اسألوا اساقفة العدم…