رأي

عروبة بوتين وروسية الجيوش العربية

 

 

 

 

لم تعد الحملة الروسية على صهوة البوارج وصهيل السوخوي ضد معاقل الارهاب في سوريا أمناً قومياً روسياً وحسب ينطوي على عنوان صريح وواضح «وحدة سوريا الأرض والشعب والمؤسسات، بل تعدى ذلك الى آفاق استراتيجية ارحب واعمق سترتسم معها الخطوط العريضة للدور الروسي المزمع والمأمول في الشرق الاوسط الجديد المنقّح بالقنابل الذكية وفخر الصناعة العسكرية..

فالروس المطعونون بخنجر اميركي في اكثر من خاصرة بدءاً من تهاوي المارد السوفياتي الى امركة اوروبا الشرقية وصهينة جورجيا وصفعة افغانستان وصفقة اوكرانيا والعبث التكفيري في القوقاز بوحي اميركي ـ تركي وصولاً الى محاولة اقتلاع الروس من المتوسط وضرب حلمهم التاريخي من خلال اسقاط دمشق في يد الارهاب برعاية اميركية ـ تركية وتمويل اعرابي، لذا فالمرحلة «البوتينية» عروبية بامتياز والرؤية الروسية للمنطقة تنطلق من فكرة احياء العالم العربي عبر الجيوش العربية والشرق الاوسط الجديد بالمنطوق الروسي ليس طوائف ومذاهب واثنيات واقليات تفني بعضها البعض باسم الدين انما اعادة التشكيل الانساني والمؤسساتي والدولتي لمرحلة ما بعد القضاء على الارهاب ومخلفاته كمنتوج اميركي افرغ الانسانية جمعاء من مضمونها الروحي والاخلاقي…

وفي هذا المجال يقول مصدر ديبلوماسي عربي لقد عرف الشرق الأوسط اعصاران كبيران كانا كفيلين باقتلاع الاوهام والاحلام الاميركية: الاول اتفاق ايران ـ الغرب حول الملف النووي الذي قدم درساً لشعوب العالم قاطبة بأن بناء القوة الذاتية للدول وحدها كفيلة بصنع الاستقلال الحقيقي وانتزاع الحقوق وكسب المكانة، ما عكس هذا الحضور الوازن نفسه على مجمل الاقليم معرقلاً خططاً ومشاريع اعدت لاعادة توليف المنطقة وفق سياسة التدمير الممنهج للكيانات بالعصبيات ومن ثم الاحتواء للتدجين والتطويع والاستلحاق في مرحلة لاحقة بعد ان يبلغ الوهن والشرذمة حداً عصياً على التصحيح او الترقيع..

والاعصار الثاني: دخول الروس على خط الصراع الدائر في سوريا وانفضاح الدور الاميركي ـ التركي ـ الاعرابي في صناعة الارهاب وتسويقه واستخدامه للنيل من دول وكيانات وجماعات غب الطلب في افظع واشنع عملية خداع ظاهرها التغيير وباطنها التدمير والفوضى، ومسارعة روسيا لدخول الحرب بعد انكشاف أخطر مخطط جهنمي جرى التمهيد له بخبث عبر حفلة الترويج الكاذب منذ شهرين تقريباً عن ملامح تسوية في سوريا والتهليل الخادع للقادة الاوروبيين وحتى الاتراك لتجاوز شرطية بقاء الرئيس الاسد في السلطة في اي حل سياسي لا بل ذهبوا الى المزايدة والمبالغة في القول ان اوجب آليات الحل وجود الرئيس الأسد، كل ذلك في محاولة لصرف الانتباه والتضليل والتعمية وكسب الوقت ريثما تستكمل الاستعدادات اللوجستية لاجتياح تركي شمال سوريا أي احتلال حلب وحمص ووضع اليد على طريق دمشق ـ بيروت تمهيداً لاسقاط العاصمة دمشق وليس تعثر التسويات في لبنان بعيداً عن هذه المناخات لظنون واهية ان هذا السيناريو سينجح فكان العصف الروسي المفاجىء والمباغت والحاسم في العناوين والمضمون «لا حل دون الاسد» و«وحدة سوريا لا جدال فيها» لتبدأ فعلياً ملامح شرق اوسط جديد كون المرحلة التي حُددت لاسقاط سوريا أواخر تشرين الثاني القادم اضحت هي المهلة المنبثقة من حراك الميدان لاعلان الانتصار في سوريا والذي باتت بيارقهُ تلوح في الأفق مع التقدم السريع للجيش السوري والمقاومة والاستهداف الناجح للمقار ومستودعات الذخيرة والأهم فصل الحدود التركية بالنار ما يسهل القضاء على الارهابيين وقطع خطوط امدادهم وافساح المجال للمئات من الهرب الى الداخل التركي عن قصد ليتحولوا لاحقاً الى عبوات متفجرة في وجه تركيا، اما حركة النزوح الكثيف والمريب الى اوروبا فجاءت عقب انهيار الحلم التركي باقامة منطقة عازلة تحت وصاية اردوغان وجذب كل النازحين اليها وهذا ما رفضه الاوروبيون فرمى الاتراك بوجههم قنبلة النزوح..

ويتابع المصدر: لقد رفض الاميركيون والاوروبيون خاصة فرنسا وبريطانيا التعاون مع الروس في حملتهم حتى ان الانكليز رفضوا تقديم خارطة مواقع داعش للقيادة العسكرية الروسية التي لم تبدِ انزعاجاً لتملكها الدليل على تورطهم في دعم الارهاب وزيف ادعائهم في محاربته ليثبت بشكل قطعي للعالم وللجمهور الاوروبي قبل غيره ان شعار محاربة الارهاب استهلاكي شكلي ويخفي حجم الاستخدام لجحافل الارهابيين والبرابرة لقتال المحور المقاوم ومن ورائه الروس ومصالحهم الاستراتيجية الاقتصادية والامنية..

ويقول المصدر: ليس من باب افشاء السر او الكشف عن المستور ان الروس ومنذ بدء الحرب على سوريا ومعهم الايرانيون قاموا بتجهيز وتدريب كتائب قتالية سورية بأحدث انواع الاسلحة والمهارات والتي بقيت في حال جهوزية واستعداد دون ان تدخل سابقاً بأي جبهة من الجبهات الـ450 المفتوحة في طول سوريا وعرضها وبعد استحقاق اللحظة ظهرت القدرة السورية المخفية من خلال توسيع الجبهات وتحقيق الانتصارات السريعة في ريف حلف غربي ما أقلق الكيان الصهيوني المستفيد الأول من استنزاف الجيش السوري ومعه المقاومة وهذا ما يكشف النقاب عن جانب اساسي من الحرب على سوريا من انها حرب صهيونية والربيع العربي كان ربيعاً صهيونياً نظراً لتحول البلدان العربية الى مزق وحطام دول، وشعوبها تمزقت الى ملل ونحل وقبائل تمارس الذبح فيما بينها كطقس من طقوس الربيع العربي المفبرك…

ويتابع المصدر: ان قرار تحرير سوريا من الارهابيين وعودة التراب السوري تحت سيطرة الدولة الوطنية السورية ومظلتها الشرعية قرار روسي استراتيجي لا هوادة فيه والحل السياسي سيأتي بعد تنقية سوريا من البرابرة واستكمال الاصلاحات عبر المعارضة السورية التي قادت حوارات ومؤتمرات مع السلطة لا تلك التي عاشت على نفقة الدول التي أباحت القتل وشرعت الأبواب السورية لكل صفوف الهمج والذئاب الكاسرة والتحفت العباءة العثملية من دون ان يكون لديها اي مونة على أي فصيل عسكري على الارض وحملت لواء الجيش الحر الذي تحول الى اسم ولافتة لا وجود له على الأرض والروس بعيد لقاء فيينا وحديثهم عن الجيش الحر ودمجه في الجيش السوري ودعمه ليس الا من باب فضح الغرب وأميركا وبعض العرب وتركيا لان الجميع يعلم بعدم وجود مادي على الارض لهذا الفصيل وبالتالي الروس وبدهائهم المعهود لا يعدو طرحهم هذا سوى تبريد للحماوة الغربية والتركية، لعلمهم المسبق أن كشف الاوراق سيؤكد مقولة بوتين ان لا معارضة معتدلة في سوريا والاميركيون يعرفون ان كل الذين جرى تدريبهم في الاردن وتركيا التحقوا مع كامل اسلحتهم في جبهة النصرة ومستودع صواريخ تاو في ادلب الذي وضع الجيش السوري يده عليه خير دليل فالدب الروسي على ما يبدو رغم ضخامة حجمه وسرعة غضبه يتقن اللعب مع القطط او الذين يحملون عقول القطط…

ويتابع المرجع: الروس حددوا اهدافهم بدقة وسيدخلون الى الشرق الاوسط الجديد من بوابة العالم العربي والى العالم العربي من بوابة العروبة عبر اعادة الاعتبار للجيوش العربية المستهدفة من الارهاب في تونس وليبيا ومصر والعراق وسوريا ولبنان فهل من قبيل الصدفة التجزير بالجيوش العربية وقتل الجنود بدم بارد بالتفجيرات والاغتيالات وعلى هذا الأساس سيرتكز الحراك الروسي المستقبلي على تشبيك الجيوش العربية بتنسيقيات وعلائق تفاعل وإسناد ومساندة والخطوة الأولى «المرتكز» في هذا المجال بدأت مع الجيش المصري والسوري المكويين بنار الإرهاب على أن يشمل التعاون لاحقاً الجيشين العراقي والجزائري وبطبيعة الحال الجيش اللبناني الذي يخوض حرباً مع الارهابيين في الداخل وعلى سلسلة جبال لبنان الشرقية كون الجيوش العربية لا زالت العمود الفقري لوحدة الدولة والكيان وتجرب العراق التي استنسخها الارهاب بضرب القوى العسكرية النظامية جرى تعميمها كاستكمال للمخطط الأميركي عندما حلّ بول بريمر الجيش العراقي فانهارت الدولة العراقية وتقسمت الجغرافيا والنفوس على هذا النحو المريع وعندما أعاد الأميركيون تركيب الجيش العراقي حوّلوه الى العوبة بيدهم حيث بسحر ساحر سقطت محافظات صلاح الدين والأنبار والموصل وحصل الارهابيون على مليارات الدولارات من الاسلحة الاميركية… فمعركة الروس الان في جوهرها اعادة الوهج للجيوش العربية فالجيش المصري الذي قدم المساعدات للجيش السوري مؤخراً وإعلان القيادة المصرية دعمها للغارات على الارهابيين وللحملة الروسية ليس من قبيل المصادفة فالروس عازمون على تقديم الخبرات والتجهيزات والمعدات العسكرية للجيش المصري وإقامة محطة نووية للاستخدام السلمي وفتح أبواب الأكاديميات العسكرية للضباط المصريين كما في سابق العهد أيام عبد الناصر ويسعى الروس الى اعادة الصراع في المنطقة الى المربع الأساس اي جيوش عربية في مواجهة الاستعمار وأدواته من الارهاب المدعوم مالياً من الأعراب وهذا المفصل الوحيد في اعادة توليف المنطقة العربية وفقاً لمنظومة عربية متآلفة أساسها الجيوش العربية المتحالفة المتضامنة في وجه عدو واحد هو الارهاب وأطماع اسرائيل وسياسات الغرب التفتيتية للمنطقة لأن الجيوش العربية التي ستلتزم القيادة السياسية سياستها أو على الاقل ستتناغم معها وحدها اللعبة بلمّ الشعث العربي واسقاط «الشرق الاوسط الجديد» القائم على الفوضى والذي ستنتقل عدواه الى كل ارجاء المعمورة ارهاباً وقتلاً باسم الدين والخلاصة ان عروبة بوتين ستنهض بعروبة العرب من وحل المذهبيات والعصبيات، والجيوش العربية ستكون جسر عبور العرب الى الوحدة والسلام الداخلي والديموقراطية وسيولد من رحم الحرب الروسية شرق أوسط جديد قوامه ثقافة المقاومة والعروبة والحق العربي المُصان بالجيوش الوطنية والكيانات العربية المستقلة فالمرحلة القادمة عنوانها الجيوش الخلاّقة لا الفوضى الخلاقة والعروبة الخلاقة لا التمذهب القاتل والمبدع في تدمير الذات العربية الواحدة..