الحدث الجزائريدراسات و تحقيقات

2019 عام الحراك في الجزائر والقضاء على العصابة والقصاص منها .. كرونولوجيا الحراك الشعبي في الجزائر

 العربي سفيان

تنتهي سنة 2019 لتسجل الجزائر بذلك 10 أشهر من المسيرات السلمية كانت كافية لتغيير نظام بأكمله عشعش طيلة 20 سنة و تغيير شبه كلي للحكومة و جر زعماء أحزاب و مسؤولين كبار في الدولة لسجن، و إنتخاب رئيس جديد للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية  ، ويحق  للجزائريين أن يفخروا بثورتهم التي أستمرت شهورا كثيرة دون إراقة دم، و بهذه الإنتخابات تعبر  الجزائر بأمان عتبة  الديمقراطية،  وقد حقق  الحراك كثيرا من أهدافه، رغم أنَّه لا يقر بذلك، فمن يقرأ تأثير الحراك  في الأحداث كمن يقرأ حركة الماء في نهر هادئ، فالمياه تتحرك بقوة لكننا قد لا نرى حركتها، فقد أزيحت رموز النظام من قمة السلطة، وإنتخب رئيس جديد، وعين وزير أول  جديد في حكومة جديدة ، وإنطلقت متابعات الفساد

شهد الشارع الجزائري، بوصفه الفاعل الجديد في المشهد السياسي، منذ شهرفبراير الماضي، حراكا إجتماعيا كبيرا ،  ضد ترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، بعد أن فقد ثقته في السلطة والمعارضة في آن معا بل في جدوى الفعل السياسي

22 فيفري، يوم سيبقى في الأذهان، فقد خرج ملايين الجزائريين في مسيرات مليونية في عدة مدن للتعبير عن معارضتهم للعهدة الخامسة، وفي الجزائر العاصمة، كسر نحو 800 ألف محتج حاجز الخوف، كما قاموا بنزع ملصقات عملاقة للارندي في ساحة البريد المركزي، كما طالبوا برحيل بوتفليقة وشقيقه

في الجمعة الموالية 1 مارس، وبعد أسبوع من أحتجاجات 22 فبراير خرج ملايين الجزائريين للتظاهر وتأكيد رفضهم بقاء بوتفليقة في السلطة، وزاد من عزيمتهم أستفزازات من كل معاذ بوشارب القيادي في الافلان وأجراءات أخرى لمحاولة منعهم كإجبار الأئمة على إلغاء خطب تحذيرية يوم الجمعة

بعد يومين، وتحديد مساء يوم 3 مارس ، أصدرت الرئاسة خطابا منسوبا إلى بوتفليقة أعلن فيه ترشيحه لعهدة خامسة، ووعد بتنظيم إنتخابات رئاسية مبكرة بعدها بدأ رئيس الأركان أحمد قايد صالح بتغير أسلوبه في خطابه، ففي 6 مارس، ولأول مرة لم يذكر أسم بوتفليقة في كلمته وقال الجزائر قوية مع شعبها وآمنة مع جيشها

بعدها بيومين، وتحديدا الجمعة 8 ماس، عاد الجزائريون مرة أخرى إلى الشوارع ، في جميع أنحاء البلاد ، ليقولوا لا لمقترحات بوتفليقة، وبعد يومين من هذه المظاهرات، أشاد رئيس الأركان في رسالة جديدة بالشعب، وفي اليوم الموالي الأثنين 11 مارس ، أعلن الرئيس بوتفليقة إلغاء الأنتخابات الرئاسية، وعقد ندوة وطنية، مع تعديل الدستور وإجراء أنتخابات رئاسية، وهي المقترحات التي رفضها الجزائريون، الذين خرجوا إلى الشوارع يومي 15 و 22 مارس، في مظاهرات حاشدة للمطالبة برحيل الرئيس والنظام، ورفضا لتمديد العهدة الرابعة التي تنته يوم 28 أفريل ، بعدها بدأت وثيرة المظاهرات تزداد حجما وحسنا في كل جمعة، وتحول خطابات وإجراءات السلطة أكثر ضعفا وخجلا وأستفزازا للشعب، وزادت خطابات التأييد من الفريق قايد صالح للشعب ، مع أوخر شهر مارس، تخلت جبهة التحرير الوطني عن بوتفيلقة والأرندي والمركزية النقابية وكل المنظمات والموالين له وبدى معزولا رغم أنهم كانوا يسبحون في فلكه وتيجلسون ويقومون باسمه طيلة 20 سنة ، وفي 26 مارس ، دعا قايد صلاح إلى تنحية بوتفليقة من خلال تطبيق المادة 102 من الدستور، لكن لم يتحرك المجلس الدستوري، وأستمرت الرئاسة في صمتها بل وظهرت مناورات لعدم تطبيق ذلك، وتم عقد أجتماع نضمه الجنرال توفيق بطلب من السعيد بوتفليقة، غير أن قايد صالح كشف المؤامرة، ودعا بعد أجتتاع أل مع قيادة الاركان الى تطبيق المواد 7 و8 و 102 بعدها تم منع رجال أعمال من مغادرة التراب، وبدأت الأحداث تتسارع، الرئاسة تصدر بيتشكل الحكومة، وتصدر بيانا تعلن فيه أن بوتفليقة سيستقيل قبل 28 أفريل، بعد أتخاذ قرارات هامة، الأمر الذي لم يعجب الفريق قايد صالح بعدها بيوم، عقد الفريق أجتماعا  ثانيا في مقر قيادة أراكان الجيش، وجه رسالة شديدة اللهجة، أستعمل فيها مصطلحات لأول مرة، منها العصابة وكشف فيها المؤامرات، لتنزل أستقالة بوتفليقة الى المجلس الدستوري بعدها بقليل ، أنه اسدال الستار على مرحلة بوتفليقة من تاريخ الجزائر، 20 سنة لم تنته كما كان يريدها بوتفليقة، وإنتهت كما أرادها الشعب ليفتح مرحلة جديدة لبناء الجزائر

لقد جاء هذا الحراك الإجتماعي والسياسي عقب ما بات يعرف بالعشرية السوداء أوالأزمة الكبيرة التي مرت بها الجزائر في عقد التسعينيات، وعقب أيضا عقدين من الهدوء من جرار إنغلاق المجال السياسي، وعدم إفساح السلطات الجزائرية في المجال للمجتمع كي ينتج السياسة في صلبه فقد أعتمدت قيادة الدولة  إستراتيجية شراء السلم الإجتماعي من أجل المحافظة على إستقرارالنظام السياسي ، لا سيما أن الجزائريين في أكثريتهم لا يرغبون بعد تجربة الحرب الأهلية والتداعيات الكارثية التي حصلت في بلدان الربيع العربي منذ سنة 2011، في المخاطرة بما يمكن أن يعرض الأستقرار السياسي والأمني في البلاد مرة  أخرى للخطر، و في ظل هذا الوعي الجمعي الجزائري الواعي جيدا بالمخاطر السابقة، إتسم الشارع الجزائري في حراكه الشعبي الجديد بالطابع السلمي والحضاري، وبرفضه سياسات الأحتواء من جانب أحزاب المعارضة، إِذْ رفضت جموع المتظاهرين إنضمام الأحزاب إلى المسيرات، كما رفضوا دعوات المعارضة إلى الإصطفاف ضمن شعارات رفعتها  تلك المعارضة، رغم أن السلطة السابقة  والمعارضة في الجزائر خسرتا معركة المصداقية بمناسبة الإنتخابات الرئاسية التي كانت مبرمجة في في  أبريل الماضي و جويلية أيضا، و ظلت  الساحة مسرحا لجدال بين قيادة الجيش وداعميها، ممن إعتبروا  الإنتخابات حجز الزاوية لتأمين إستقرار البلاد، وسط محيط كان جد متوتر و ومعارضين رأوا فيها محاولة لتجديد جلد النظام، دون تغيير جوهره كما طالب الشارع، ليتدخل رئيس الدولة السابق ، عبد القادر بن صالح ، بتنصيب لجنة الحوار و الوساطة التي برمجت لقاءات تشاورية طيلة شهرين مع عدد من الأحزاب و النشطاء و إستمر الوضع المتعقد بشكل كبير و فض كلي لهذه اللجنة ،ليليها فورا تنصيب اللجنة الوطنية لمراقبة الأنتخابات و إعلان موعظ الحسم

وإنتهى الصراع بإنتخاب رئيس للجمهورية بإقتراع جرى في 12 ديسمبر الماضي ، وسط مقاطعة جزء من الرافضين للإنتخابات ، إقتراع شهد منافسة بين 5 مرشحين وصفوا بأنهم من أبناء النظام بحكم تقلدهم مسؤوليات سابقة فيه، لكن البلاد شهدت لأول مرة إنتخابات دون شكاوى حول التزوير، كما لم يعرف الفائز فيها حتى فرز الأصوات

ولم يكن الحراك الشعبي الجزائري الحضاري السلمي موجودا رسميا قبل 22 فبراير 2019، ولا ظاهرا للعيان بهذا الشكل، وبهذا العنفوان الشعبي الذي بعث الأمل من جديد في نفوس الجزائريات والجزائريين، لأنه كان يتخمر ويتربى ويترعرع في وعي الجماهير الجزائرية التي تتطلع أشواقها إلى التغيير الحقيقي، والمؤمنة بالتحرر والإنعتاق لرؤية بلدهم ينهض من سباته وينطلق نحو الأعلى، مثلما فعلت العديد من الدول الرائدة، التي كانت في رواق “المجموعة الجزائرية” مثل إسبانيا والبرتغال وإيران وتركيا وأندونيسيا وماليزيا وكوريا الجنوبية وحتى رواندا مؤخرا كل هذه الدول صارت تحتل مراتب هامة في مصاف الدول المتقدمة، بينما بقيت الجزائر غارقة في الجهل والفساد الذي أوصلتهما إليه “البوتفليقية”، حيث إحتلت في مؤشر مدركات الفساد

البعض قال إن الحراك جاء نتيجة إحساس بالإهانة بعد ترشيح الرئيس المريض، فيما وصفها آخرون بأنها صراع بين أركان الحكم في البلاد تم تصديره للشارع ، وسواء كان السبب الأول أم الثاني فإن الثابت هو أن هذه الإنتفاضة الشعبية غيرت  وجه البلاد، وأسقطت أكثر رؤساء البلاد مكوثا في الحكم 20 سنة بعد أسابيع من إنطلاقها، حيث أستقال بوتفليقة مطلع أبريل، عقب إعلان قيادة الجيش دعمها لمطالب الشارع ، ووسط تلك التطورات السياسية لم ينقطع الحراك الشعبي طيلة 10 أشهر على التوالي، بل تطورت مطالبه من رحيل بوتفليقة ومحيطه إلى التغيير الجذري لنظام الحكم ورجالاته، في تحركات أحتجاجية حافظت على سلميتها، حيث لم يسجل سقوط أي ضحية نتيجة الصدام مع قوى الأمن، وبأشهره الأخيرة، تحول الحراك إلى صراع غير معلن بين قيادة الجيش التي تمسكت بالمسار الدستوري من خلال تنظيم أنتخابات رئاسية، وقوى في الحراك والمعارضة ممن رفضت هذا الطرح، وطالبت برحيل كل رموز النظام، والذهاب إلى مرحلة أنتقالية بدستور جديد، من أجل صنع قطيعة مع الماضي

و تصدر الإعلام قائمة الخاسرين هذا العام، بدا  منذ اليوم الأول للحراك مرتبكا محتارا مترددا  يتقدم خطوة ويتراجع خطوتين، ينقل تارة نصف المشهد، وتارة أخرى يعتم على الحدث، وناب عنه إعلام المواطن، بالصور المباشرة والبث الحي على منصات التواصل الإجتماعي، ولكن هذا المعطى لم يكن  في مصلحة الحراك، بل وجب إسترداد الإعلام أكثر ، والجميع يعلم أنه لم يكن يوما حرا سوى في الخطابات الرسمية المكررة، لأن البديل المتمثل في الإنترنت ليس خيارا ثابتا فالإنترنت كانت  ورقة ضغط في يد السلطة، وتحرير الإعلام وأستمالته في صف الشعب هو المنطق الأمثل، مع أنه عمل شاق، يستوجب سنوات أخرى من الأنتظار، وذلك جوهر الحراك الشعبي ألا يبتهج ببعض المكتسبات الآنية، وأن يتحلى بصبر أكبر قصد أن يستكمل دورته

و للإشارة في خضم الحراك الشعبي في الجزائر إنتفض الجزائريون خلال الشهرين المنصرمين ، للرد على خطوة البرلمان الأوروبي، الذي نظم جلسة نقاش حول الوضع العام في البلاد، ما إعتبر تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية للجزائريين، وهو الأمر المرفوض جملة وتفصيلا، كما كان التأكيد على قوة بيان الخارجية، ضد خطوة البرلمان الأوروبي، وإعتقد الجزائريون  أن  البيان وبهذه اللغة لم يكن ليصدر في فترة العصابة، التي جرفها طوفان 22 فيفري

وتصدر هاتشتاغ الجزائر ترفض التدخل الأجنبي  الترند على موقع التدوين المصغر تويتر، وجاءت التدوينات فيه على شاكلة الجزائر تبنى بسواعد أبنائها فوق جماجم الأعداء وليس العكس، والتاريخ لن يرحم كل من يساعد العدو أو كان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق