مواضيع ساخنة

تحقيقات

دونالد ترامب .. هل يكون الرئيس الأمريكي الذي سيشعل حربا نووية ؟

حسين علوان حسين

ــــــــــــــــ

في توطئته للطبعة الألمانية الثانية لمؤلفه الموسوم : ” الثامن عشر من برومير للويس نابليون” (1852) ، يوضح كارل ماركس أن الهدف من “رسالته تلك” كان هو : ” إظهار كيف أن الصراع الطبقي في فرنسا قد ولّد الظروف و العلاقات التي جعلت من الممكن لشخصية عادية غير متزنة أن تلعب دور البطل” . و المقصود بهذه الشخصية هو “لويس نابليون الثالث” (1808-1873) ، و هو أول رئيس للجمهورية الفرنسية (1848-1851) . و في نفس ذلك الكتاب ، يورد ماركس – و هو يقتبس من نص رسالة مؤرخة في الثالث من كانون الأول لعام 1851 سبق و أن وردت إليه من رفيق عمره “فريدريك أنجلز” – واحدة من عباراته الأشهر :
” يُلاحظُ هيجل ، في مكان ما ، أن كل الحقائق التاريخية-العالمية و الشخصيات تَظهَر ، إذا جاز التعبير ، مرتين . و لكنه نَسيَ أن يضيف : في المرة الأولى كمأساة ، و في المرة الثانية كمهزلة (أو مهزأة) . ”

المقارنة المعقودة هنا من طرف إنجلز و ماركس كانت هي بين “مأساة” انقلاب الثامن عشر من برومير (الموافق للتاسع من شهر تشرين الثاني عام 1799) لنابليون بونابرت الذي تسنم به منصب القنصل الأول لفرنسا ابتداءً ، و من ثم منصب الإمبراطور بعد ذلك بخمس سنين ؛ و بين “مهزلة” الانقلاب المشابه لابن أخيه لويس بونابرت في الثاني من شهر كانون الأول من عام 1851 ، ليصبح بعدها “الإمبراطور نابليون الثالث” لفرنسا ، فيتفادى بذلك خسارة كرسيه الرئاسي عند انتهاء سنته الرابعة لأن الدستور الفرنسي لم يكن في حينها يجيز له الترشيح مرة ثانية لمنصب الرئاسة .

في هذه الورقة ، سأحاول تقصي مدى انطباق المقولتين الماركسيتين أعلاه على رئيسي الولايات المتحدة الأمريكية ، كل من : جون كندي (1961-63) كممثل للمأساة السياسية الأمريكية ، و دونالد ترمب (2017- ) كممثل لمهزلتها . ثم أعرّج على ذكر مبررات الملاحظة بأن شكل نظام العلاقات للإمبريالية الدولية الحالي و الدرك الأسفل الذي تدنى اليه البيت الأبيض الأمريكي في عهد ترمب – الذي أصبح أضحوكة العالم بأكاذيبه و تقلباته و تدني ثقافته و فضاضته – يمكن أن يولد القناعة لديه بكون الفرصة الوحيدة المتبقية أمامه للبقاء في منصبه و الفوز بفترة رئاسية ثانية تكمن بقيامه بشن “الحرب الخاطفة” على كوريا الشمالية أو غيرها من بلدان العالم الثالث ، مثلما فعل كندي في إنزال خليج الخنازير ، و في شنه للحرب المهلكة في الفيتنام و لاوس ؛ و مثلما فعل بوش الإبن باحتلاله العسكري الكارثي لأفغانستان و العراق .

نظرة عامة
يمكن اعتبار كل من كندي و ترمب أقوى ممثلين لزواج المصالح الطبقية القائم بين رأس المال و القيادة السياسة في الولايات المتحدة الامريكية ، فكلاهما ينحدر من عائلة رأسمالية-عقارية ذات أصول أوربية ، و كلاهما مدين كلياً لثروة العائلة في وصوله للبيت الأبيض ؛ كندي كأصغر الرؤساء سناً (43) ، و ترمب كأكبرهم سناً (71 سنة) . سياسياً ، يتشابه الرئيسان في اعتماد سياسة أن (مصالح أمريكا وفق تصوري هي فوق الجميع) و ما تقتضيه من زيادة معدلات الصرف الحكومي على العجز في الميزانية ، و تصعيد سباق التسلح العالمي ، و تخفيض الضرائب على المدخولات العالية و خصوصاً شركات صناعة الأسلحة و النفط و الأدوية ، و تخريب الاتحادات العمالية المحلية ، و فرض الشروط التمييزية على قبول المهاجرين لأمريكا من الخارج ، و الحماية الجمركية ، و فرض العقوبات الاقتصادية على دول العالم الكبيرة و الصغيرة غير الدائرة في الفلك الأمريكي ، و الاحتكاك مع الاتحاد السوفيتي سابقاً و روسيا حالياً ، و حماية حكم و مصالح دول الخليج النفطية و اسرائيل (كندي هو المسؤول عن بدء الاستعدادات في مفاعل ديمونا لامتلاك اسرائيل اللاحق لترسانتها النووية و بمعدل انتاج قنبلتين نوويتين سنوياً اعتباراً من عام 1967). و من المعلوم أن كندي كان أيضاً هو المسؤول شخصياً عن اصدار الأوامر لشن العدوان المسلح لمرتزقة السي آي أي على كوبا و المحاولات الفاشلة لاغتيال كاسترو و الناجحة – بالتعاون مع المخابرات دول أوربا الغربية الاستعمارية – في اغتيال لومومبا في الكونغو و تروخيلو في جمهورية الدومنيكان و نغو دنغ ديم و شقيقه في فيتنام الجنوبية و عبد الكريم قاسم في العراق . و هو المسؤول عن التورط العسكري الأمريكي المباشر في حرب الفيتنام و لاوس ، علاوة على إصداره الأوامر بشن الحرب الكيمياوية على الفيتنام بالضد من معاهدات جنيف لعام 1954 المحرِّمة للأسلحة الكيمياوية و التي سبق و أن صادقت عليها الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث استخدم مائتي ألف غالون من العوامل الكيماوية لإبادة الغطاء النباتي في حوض نهر الميكونغ برمته عامي 1962-3 ؛ مثلما يحضِّر ترمب الآن للتورط في الحرب المهلكة بشبه الجزيرة الكورية و غيرها من مناطق التوتر في العالم الثالث (سوريا ، أفغانستان ، اليمن ، ليبيا ، إيران ، الصومال ، إلخ). و لحد الآن ، فقد حرص ترمب كذلك على إخراج الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية باريس للمناخ خدمة لمصالح الشركات الصناعية و الاستخراجية الأمريكية العملاقة الملوثة للبيئة داخل و خارج أمريكا على نحو يهدد كل الحياة على سطح الكرة الأرضية ، و أصدر قراره ببناء الجدار الفاصل عن المكسيك ، و أعاد فرض الحصار البحري على كوبا ، و أخرج أمريكا من معاهدة الشراكة عبر المحيط الهادي (TPP) ، و ضرب قاعدة حميميم الجوية السورية بصواريخ التوماهوك ، و أنزل القوات الخاصة الأمريكية في شرق سوريا ، علاوة على تصعيده الوجود العسكري في أفغانستان و بحر الصين و اليابان و الفلبين ، و البقية تأتي ..
على صعيد العادات و الصفات الشخصية ، يشترك كندي و ترمب باهتمامهما الشديد و المستدام في ترويج الكارزما الرئاسية المشفوعة بمظاهر الوسامة و الأناقة ، و بالطريقة المميزة في تصفيف شعريهما و تجميل وجهيهما ، و بتناولهما لأنواع الأدوية المنشطة كالهرمونات و الستيرويدات و الانزيمات و خلاصة الأعضاء الحيوانية و الأمفيتامينات و الفيتامينات . كما و يشتركان بانشغالهما المحموم في جذب الأضواء إليهما و لأفراد عائلتيهما عبر أذرعهما الدعائية ، و بعلاقاتهما الجنسية التي لا تحصى خارج رباط الزواج (كندي هو المسؤول عن جريمة اغتيال عشيقته التي رفضت هجره لها و هددته بكشف المستور : مارلين مونرو) ، و بتحويلهما البيت الأبيض إلى مستعمرة عائلية ، و بسعيهما للفوز بولاية رئاسية ثانية مهما كلف الأمر (كان قرار كندي بالتورط العسكري المباشر في حرب الفيتنام بإرساله (12000) جندي أمريكي إليها خلال عام 1962 مدفوعاً – من بين أسباب أخرى – بإصراره المحموم على تحقيق الانتصار العسكري “الكاسح” هناك و بما يفضي إلى ارتفاع معدلات التأييد الشعبي له ، فيؤهله ذلك للفوز بولاية ثانية بيسر). و يختلف كندي عن ترمب بكونه أقل كذباً على المكشوف منه ، و أعلى ذكاءً و توازناً عقلياً و سلوكياً و ادارياً ، و بالتالي أكثر احتراماً . و باختصار ، فإن كلاهما يمثل النموذج الجيمسبوندي للرئيس الأمريكي الإمبريالي المستعد لاقتراف أبشع الجرائم حول العالم لخدمة مصالحه الشخصية و مصالح طبقته .

الفشل الزعامي و الإداري لترَمْب
يعتمد ترَمْب الأسلوب الدكتاتوري المزاجي في التعامل مع موظفيه ، سواء في البيت الأبيض أم خارجه ؛ لذا ، فإنه يفشل في كسب احترامهم له – ناهيك عن كسب ودِّهم و اعجابهم به – لافتقاره شخصياً لأبسط مقومات الزعامة ، و هو الأمر الذي ولَّد القناعة لديهم بأن مزاجه المتقلب يمكن أن يسوِّل له طردهم بدون سابق انذار حتى عبر التويتر بلا إحم و لا دستور ، مثلما فعل مع جيمس كومي رئيس الأف بي آي . فبدلاً من تعبيره عن التقدير المناسب لشرف الوظيفة العامة و للنزاهة الشخصية عبر الطلب إليه تقديم الاستقالة بهدوء حسب الأصول حفظاً لماء الوجه ، مع اقامة حفل التوديع و التكريم لخدماته وفق مقتضيات اللياقة الإدارية الرئاسية أمام أنظار العالم أجمع ، فقد تعمَّد ترَمْب طعن كومي من الخلف بشكل مهين لا مسوغ له سوى جنون الاستهتار في استخدام السلطة الذي يتلبسه عندما طرده عبر التويتر و ليس عبر القنوات الإدارية الرسمية ! المفارقة هنا هي أن ترَمْب مدين لكومي شخصياً ، و ليس لغيره ، بفوزه في الانتخابات الرئاسية بفضل رسالة الأخير بتاريخ 28 / 10 / 2016 (أي قبل أقل من أسبوعين من موعد الانتخابات الرئاسية ) الموجهة لأعضاء الكونغرس و التي تشعرهم باكتشاف الأف بي آي وجود مجموعة رسائل جديدة عائدة لمرشحة الحزب الديمقراطي لسباق الرئاسة هِلَري كلِنتِن عبر بريدها الإلكتروني ، و أن تلك الرسائل قد أصبحت رهن التدقيق من جانب مكتب التحقيقات الفدرالي . هنا ، سارع أعضاء الكونغرس من الجمهوريين إلى تسريب فحوى تلك الرسالة خلال دقائق للرأي العام الأمريكي ، الأمر الذي فجر قنبلة إعلامية أثارت طوفاناً من الأراجيف و الأقاويل و التكهنات التي ألحقت أبلغ الأذى بشعبية هِلَري بلا أدنى مسوِّغ ، و هو ما كلفها خسارة الانتخابات الرئاسية . (أتضح فيما بعد عدم وجود أي أسرار في تلك الرسائل الشخصية الموجهة لصديقتها “هيوما عابدين” !) .
مثل هذه التصرفات العدوانية لترَمْب إزاء موظفي الخدمة العامة ولَّدت القناعة الكافية لدى العديد من موظفي البيت الأبيض و أغلب المسؤولين في الإدارة الأمريكية بكون مستقبلهم الوظيفي مرهون بمزاجية رئيس دكتاتور جاحد و متقلب يفتقر لأبسط معايير المصداقية و حسن التصرف ؛ و هو ما أغراهم و يغريهم بتسريب المعلومات السرية عنه بهذا الشكل أو ذاك للصحف المحلية ، أولاً بأول . و من المعلوم أن قوة صوت الاعلام السائدة الآن تختلف تماماً عن قوة صوته خلال عهد الرئيس كندي ، حيث لم تكن توجد حينذاك سوى ثلاث قنوات تلفازية تلقِّمها الإدارة الأمريكية بالمعلومات تلقيم الدجاج بالعلف ، و تحدد لها ما يمكن نشره و ما لا يمكن ؛ و لهذا فإن جريمة اغتيال مارلين مونرو بأوامر رئاسية من الأخوين كندي للسي آي أي لم تتكشف للرأي العام إلا مؤخراً ، كما تأخر الكشف التام عن حجم و عقابيل التورط الأمريكي المأساوي في حرب الفيتنام خمس سنوات كاملة . أما اليوم ، فقد أصبح صوت الإعلام الهادر قوياً و مسموع الكلمة في الغرب ، لذا نجده دائم التفتيش عن القصص المثيرة خلف كل حركات و أقوال و تغريدات ترَمْب و أفراد عائلته بحيث لا تفوته منها فائتة ، خصوصاً و أن غالبية الأوساط المثقفة و المستنيرة في أمريكا تعتبر صعود ترَمْب للبيت الأبيض الأمريكي هو العار الذي ما بعده عار على السمعة السياسية و الاعتبارية العالمية لبلدهم و لأنفسهم شخصياً . لذا ، فقد دأبت هذه النخب المثقفة إلى توجيه أبلغ الانتقادات له ، و قد نجحت لحد الآن في تعرية عدة أوجه من جهلة و تسلطيته و حماقاته و تقلباته المزاجية الحادة و فساده و أكاذيبه ، و كل هذه توفر مادة إعلامية دسمة . و رغم تواتر هذا النقد و التعرية ، فقد واصل ترَمْب ضربه عرض الحائط تماماً بدلاً من تجاوز موجباته ، ثم راح يخبط خبط عشواء في طرد و تعيين موظفيه “العاقّين” بعد تدني شعبيته إلى أدنى مستوى لها في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1945. فبالإضافة لسالي ييتس و بهارارا و جيمس كومي ، أصبحت قائمة كبار الموظفين المطرودين أو المجبرين على الاستقالة تضم أسماء كل من أنتوني سكاراموشي (المتحدث باسم البيت الأبيض ، طرده ترَمْب بعد عشرة أيام فقط من توظيفه له)، و الجنرال مايكل فلِن (مستشار الأمن) ، و انجيلا رايد (رئيسة التشريفات) و مايك دوبكه (مدير الاتصالات للبيت الأبيض) و ولتر شوب (مدير مكتب النزاهة الحكومي) و سين سبايسر (السكرتير الصحفي للبيت الأبيض) و مايكل شورت (السكرتير الصحفي الأقدم لترَمْب) و رينس بريبَص (رئيس موظفي ترَمْب) . و ينتظر دوره في هذا الطابور كل من جيف سَشِنز (المدعي العام الجديد للولايات المتحدة الأمريكية الذي هاجمه ترَمْب علناً مؤخراً) و ستيف بانون (مساعد الرئيس حالياً و عضو مجلس الأمن القومي سابقاً الذي باتت تصريحاته الغبية عبئاً على عقول حتى الأغبياء) .
هذا الفشل الإداري و الزعامي و التدني المتواصل في التأييد الشعبي لترَمْب أغرى و يغري كبار الساسة الجمهوريين أصحاب الأغلبية في مجلسي الكونغرس الأمريكي بالتخلي فعلاً و قولاً عنه و النأي بالنفس منه ، مثلما حصل في تعيينهم لجنة خاصة للتحقيق بتهمة إعاقة العدالة من طرف ترَمْب برئاسة روبرت مولر (المهدد هو الآخر بالطرد بتهمة توسيعه لتحقيقاته لكي تشمل السجل الضريبي لترَمْب ، حيث يكمن الفساد المغطى) . و من الممكن لنتائج التحقيق الذي ستسفر عنها هذه اللجنة أن تفضي أخيراً إلى توجيه الاتهام (impeachment) لترَمْب من طرف الكونغرس الأمريكي ، و من ثم إزاحته عن كرسي الرئاسة بإجباره على الاستقالة مثلما حصل مع الرئيس نِكسِن ؛ و إن كانت هذه سيرورة متغيرة و طويلة الأمد و غير مضمونة النتائج . كما اتضحت ممانعة النواب الجمهوريين لنهج ترَمْب الكيفي في رفضهم مؤخراً تمرير مشروعه لإلغاء قانون “أوباما كير” (ObamaCare) الذي كان ترَمْب قد علق عليه أقوى الآمال لخدمة مصالح شركات الأدوية التي تبرعت له بسخاء لضمان حرمان عشرين مليوناً من الامريكيين الفقراء من الدعم الصحي لا لشيء إلا لمعاقبتهم على اقترافهم جريمة تقدمهم بالسن و إصابتهم بأمراض الشيخوخة التي تزيد في كلف تطبيبهم ! و لعل مشروعه الثاني الذي يُعدُّ الآن لطبخه و القاضي بتخفيض نسبة الضرائب على مدخولات مجموعات الشركات الرأسمالية العملاقة سيواجه نفس هذا المصير ، خصوصاً إذا علمنا بأن هذه الأغلبية الجمهورية باتت تشعر الآن بالقلق الكبير على سمعة حزبها و مخاطر تدني حظوظه في الانتخابات القادمة عام 2018 جراء الضرر المعنوي الكبير الذي ألحقته و تلحقهم به التصرفات المزاجية الخرقاء لترَمْب الذي يؤمن إيماناً قاطعاً – و يصرح بذلك على الملأ – بكونه أفضل رئيس حصلت عليه الولايات المتحدة الأمريكية منذ استقلالها – باستثناء إبراهام لنكولن ، طبعاً ! هذا ما قصده ماركس عندما تحدث عن الظروف و العلاقات الرأسمالية التي تسمح للشخصيات السياسية المتدنية الامكانية و المثيرة للاستهجان بلعب دور البطل !

أقصر الطرق للحفاظ على كرسي الرئاسة : شن الحرب
و بسبب التدني المستمر لشعبيته ، و تخلي الأغلبية الجمهورية عنه ، لم يبق لترَمْب سوى خيارين : إما انتظار الأفول البطيء لرئاسته وسط تعالي صرخات الاحتجاج اليومية ضده و احتمال إجباره على الاستقالة ؛ أو القيام بحركة بهلوانية بإعلان الحرب فجأة على بلد صغير مضمونة هزيمته إزاء آلة الحرب الأمريكية الجهنمية لاعتقاده بأن مثل هذه الحركة الحمقاء من شأنها أن تعيد إليه شعبيته المفقودة داخل الولايات المتحدة الأمريكية و هيبته في الكونغرس الأمريكي . و يعلمنا التاريخ أن الشعوب غالباً ما تضطر للتماشي مع حروب طغاتها المجانين حتى النهاية . أما ترَمْب ، فقد أعلن على الملأ : (I’m very capable of changing to anything I want to change to) ، أي : “أنني قادر جداً على أن أتغير إلى أي شيء أريد أن أتغير إليه” ! و قد سبق له و أن جرب النتائج المضمونة لمثل هذه الحماقات العدوانية في يوم حكمه السابع و السبعين (7/4/2017) عندما ضغط فجأة على زر صواريخ الكروز الأمريكية ، فأرسل تسعاً و خمسين صاروخاً من طراز توماهوك على قاعدة الشعيرات الجوية بمحافظة حمص السورية قتلت تسعة عشر مدنياً بضمنهم أربعة أطفال ، زاعماً بأن صواريخه المهلكة تلك (يحمل كل واحد منها ألف باوند من المتفجرات) ستتولى “إنهاء القتل و سفك الدماء في سوريا” ! لو كان ترَمْب مهتماً فعلاً بحياة السوريين و معاناتهم اليومية من الكوارث الرهيبة للحرب الأهلية المفروضة عليهم من الخارج طوال ست سنوات متواصلة ، فلماذا رفض الاعتراف بالحق القانوني للاجئين منهم بقبول دخولهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية وفق مقتضيات القانون الدولي بخصوص حقوق اللاجئين من الحروب ؟
بعد تلك الضربة الرعناء ، حيّا حلفاء أمريكا في كندا و أوربا و الشرق الأوسط (أولهم و أهمهم الكيان الصهيوني طبعاً) و أغلب الأعضاء الجمهوريين في الكونغرس و خبراء السياسة الخارجية الأمريكية الرئيس ترَمْب على عدوانه الصاروخي من جانب واحد و ذلك لأول مرة منذ تسنمه كرسي الرئاسة . إذن : العدوان الحربي يجلب التأييد للرؤساء الأمريكان كلما تدنت شعبيتهم ! و لقد أثبتت ستراتيجية العدوان الخارجي نجاحها في رفع شعبية كل من الرؤساء بِل كلِنتِن و بوش الإبن و أوباما ، و لا ريب أنها ستفعل نفس الشيء مع ترَمْب الذي تغريه طموحاته لأن يصبح رئيس حرب مثل غيره من الرؤساء الأمريكيين ! صحيح أن نتائج العدوانات العسكرية الأمريكية لم تتطابق أبداً مع أهدافها الفعلية مثلما سبق و أن حصل في كوريا و لاوس و كمبوديا و فيتنام و الصومال و افغانستان و العراق و ليبيا و سوريا و اليمن .. إلخ ، و لكن لا بأس من المحاولة أولاً ، و من ثم التفكير بكيفية معالجة النتائج الكارثية غير المحسوبة و غير المرغوبة لاحقاً ! كل المطلوب هو اختيار دولة صغيرة تهيء له لقمة دسمة بحيث أن العدوان عليها و احتلالها سيتكفلان بمنح انتصار تاريخي جديد لعظمة الإمبريالية الأمريكية في القرن الواحد و العشرين و رئيسها “العظيم” ترَمْب الخِبِل الذي ما فتئ يصرح مثل الرب الكلي القدرة : (We handle everything) ، أي : “نحن نعالج كل شيء” ! و بوسع هذا الأخير الاختيار لواحدة من بين أدسم الفرائس : ليبيا ، إيران ، العراق ، فنزويلا ، أو على الأقل أفغانستان…. أو ، نعم – كوريا الشمالية ، بالتأكيد . أما الذرائع لإعلان مثل هذه الحرب فهي مسلفنة و جاهزة للتسويق و لا تحتاج أكثر من رش بعض البهارات على الطبخة قبل تقديمها ساخنة و مشفوعة بحرق ثلاثة من عيدان البخور من على شاشات الفضائيات الإعلامية : الخطر المحدق بالشعب الأمريكي من أسلحة الدمار الشامل ؛ تصدير الإرهاب لحكومة ذلك البلد ؛ و “تحرير” شعب البلد المراد احتلاله من الحكم الدكتاتوري المقيت ! كل المطلوب لتسويق مثل هذا العدوان داخلياً و خارجياً هو بعض التهيئة و التحضير العسكري – خطة الهجوم على كوريا الشمالية جاهزة – بالتزامن مع إثارة الفقاعات و القعقعات الإعلامية لغسل أدمغة المواطنين البسطاء مثلما سبق و أن تم غسلها من قبل بشعار “ألمانيا فوق الجميع” و “أمريكا أولاً” ! سربٌ من العصافير يصطاده قرار واحد بالعدوان ! هذا السيناريو العدواني ليس بعيداً – بطبيعة الحال – عن مخيلة ترَمْب المريضة ، و حربه قادمة في الأغلب الأعم ؛ السؤال هو فقط : من ستكون فريسته هذه المرة ؟ فإذا ما اختار جنونه شن الحرب على كوريا الشمالية – مثلما هددها هو بتاريخ 8 آب الجاري (أي بعد خمسة أيام من بدء حلقات ورقتي هذه) : “بالنار و الغضب من النوع الذي لم يشهده العالم” (fire and fury like the world has never seen) ، و هو التهديد العلني الذي وضع البلدين على شفا الحرب النووية المبيدة التي ستشمل ليس فقط كوريا الشمالية ، بل كوريا الجنوبية و اليابان و القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة (غوام ، أوكيناوا ، إلخ) ، وقد تمتد إلى مناطق أبعد ، بضمنها أراضي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها .. و بالطبع ، فإن بوسع ترَمْب اشعال مثل هذه الحرب العدوانية بضربات صاعقة و مباغتة ، و لن يستطيع الكونغرس الأمريكي منعه من ارتكاب مثل هذه الحماقة البتة . بل إن العكس هو الصحيح ، حيث سيستطيع الرئيس ترَمْب التصرف على هواه في شن الحرب النووية أو التقليدية على نحو مباغت يضع فيه الكونغرس الأمريكي أمام الأمر الواقع ، فيجبره – وسط هول المفاجأة و الارتباك – على التسليم به و التصرف بموجب مقتضياته . و لكن مثل هذا العدوان – سواءً كان على كوريا الشمالية ، إيران ، فنزويلا ، ليبيا ، العراق .. إلخ – سيجر الوبال على ترَمْب و من لف لفه (هل ستلحق به نهاية جون كندي ؟) ، و سيسدل الستار بأنهار دماء البشر الأبرياء على قرن الهيمنة الامبريالية الأمريكية التي تأخر أفوله طويلاً جداً . و عندها سيتعلم البشر مرة أخرى من وقائع التاريخ هذا الدرس الماركسي البليغ : “البشر يصنعون تاريخهم ، و لكنهم لا يصنعونه مثلما يريدون ، و لا في ظل الظروف التي يختارونها هم ، بل من الوضع الفعلي المُعطى و المنقول إليهم . إن ميراث كل الأجيال البائدة يلقي بثقله كالكابوس على عقول الناس الأحياء “.

النظام السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية
يمكن توصيف النظام السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية بأنه حكم أوليغارشية النخبة الرأسمالية المهيمنة على الادارات الأمريكية المتعاقبة و ذلك بالضد من مصالح السواد الأعظم من المواطنين الأمريكيين العاديين ، بل و حتى ضد مصالح كل التكتلات البشرية الكبيرة (مثل نقابات العمال و المزارعين) غير الرأسمالية التي ليس لها مطلقاً أي كلمة في قرارات السلطة . و بكلمة أخرى ، فإنه حتى عندما تقف غالبية المواطنين ضد السياسات الاقتصادية الخادمة لمصالح النخبة الرأسمالية الأمريكية ، فأنها تخرج من معاركها السياسية خاسرة على الدوام ، و آخر مثال ساطع على ذلك هو انهيار حركة “احتلوا وول ستريت” التقدمية بعد الأزمة الرأسمالية عام 2008 . هذه الاوليغارشية استطاعت طوال قرن و نصف من الزمان اتقان “لعبة الديمقراطية القذرة” السائدة في الولايات المتحدة أحسن الإتقان و على نحو مستدام بفضل تكريسها لاحتكار الحزبين الديمقراطي-الجمهوري المطلق للحكم . و هذا يعني فرض الأمر الواقع المطلوب رأسمالياً على الميدان السياسي بغض النظر عما إذا كان الجمهوريون أم الديمقراطيون هم المسيطرين على البيت الابيض و الكونغرس ، و ذلك لسبب بسيط و هو أن هذه النخبة الرأسمالية الأوليغارشية تمسك بعناني الحزبين معا في لجام واحد بفضل تبرعاتها المالية السخية لهما في آن واحد . ففي انتخابات عام (2014)، بلغت تبرعات نخبة هؤلاء الرأسماليين – ممن لا يشكلون غير عُشُر الواحد بالمائة من السكان – نسبة (30%) من مجموع التبرعات للحزبين مجتمعين ! من الواضح أن هذه النخبة تتحوط لمستقبلها بكل جد و نشاط و تحسب و أريحية ، فتستثمر في كلا الحزبين بنفس الوقت كي تضمن دوام مصالحها بغض النظر عن الفائز منهما . و بالطبع ، فإن القادة السياسيين يستجيبون دوماً لمصالح المتبرعين الكبار بالأموال لهم ، و ليس لمصالح مجتمعهم الانتخابي ، لتتحول الحملات الانتخابية إلى مجرد استعراض لذر الرماد على عيون بسطاء المواطنين بغية حجب هوية المشترين الحقيقيين للقوى السياسية . فبدون الدعم المالي للشركات العملاقة ، لا يستطيع أي سياسي أمريكي أن يفوز لا بعضوية الكونغرس و لا بالرئاسة ؛ حيث كلفت انتخابات عام (2012) ما مجموعه (2.6) بليون دولار للحملة الرئاسية ، و (3.6) بليون دولار لحملات عضوية الكونغرس ؛ في حين كلفت الحملة الرئاسية لعام (2016) ما مجموعه (2.4) بليون دولار ، و حملات عضوية الكونغرس (4.05) بليون دولار ، و الفقير له الله ! ليس هذا فحسب ، بل أن حتى قرارات أعلى سلطة قضائية في الولايات المتحدة الأمريكية – و هي المحكمة العليا – مجيرة لصالح أقطاب رأس المال ، حيث أفتت عام (2010) ، في قضية : (Citizens United v. Federal Election Commission) بأحقية الشركات المتعدية الجنسية غير الأمريكية – مثل شركتي الأدوية البريطانيتين (GlaxoSmithKline) و (AstraZeneca) و العملاق البلجيكي (Anheuser-Busch InBev) و السويسري (Credit Suisse Securities) – أن تتبرع عبر فروعها في أمريكا للحملات الانتخابية الأمريكية ، فأعطتها بذلك صفة الموطن الأمريكي المقيم . بمثل هذه القوة القضائية يتكلم رأس المال العالمي في الولايات المتحدة الأمريكية . كل هذا يؤكد صحة مقولة أن غالبية النخب السياسية الأمريكية – باستثناءات نادرة جداً – قد بلغت تلك الدرجة من التعفن التي تجعل تسنم كرسي الرئاسة من طرف رئيس أقل سوءاً من المجرم ” أل كابون” معجزة ربانية ، بكل حق و حقيق ! هذه هي الحقيقة الناصعة لدكتاتورية رأس المال التي تحدث عنها ماركس و إنجلز بأسطع الكلمات منذ ما يزيد على قرن و نصف القرن .

رذائل ترمب
خلال حملته الانتخابية ، حرص ترمب كل الحرص المتعمد على تجاوز أبسط قواعد اللياقة و السلوك القويم ، و بانت واضحة للجميع أكاذيبه و عنصريته و تسلطيته المقيتة من خلال مهاجمته المنهجية للصحافة الجادة و للمواطنين الأمريكان من غير الأصول الأوربية ، بل و حتى مهاجمته دائرة الانتخابات الأمريكية نفسها الذي اتهمها بالتزوير علناً قبل اجراء الانتخابات بشهر قائلاً بما معناه : “إما أن أكون أنا الفائز فتكون الانتخابات غير مزورة ، أو إذا لم أفز فأن الانتخابات مزورة ” ! هنا ، الفاصل بين التزوير و عدم التزوير يصبح ليس أثبات حصول هذا التزوير بالأدلة من عدمه ، بل هو فوز ترمب من عدمه ! اي أن وزارة الداخلية الأمريكية تبقى مدانة مقدماً من طرف هذا الترمب بتزويرها للانتخابات الرئاسية ، و صك براءتها الوحيد هو فوز الصنم الكلي القدرة ترمب نفسه ! و رغم كل ذلك ، فإن تعفن النظام السياسي الأمريكي سمح له بالحصول على غالبية أصوات الكلية الانتخابية (304 صوت لصالحه ، إزاء 227 صوت لصالح كلنتن) ، في حين حصلت منافسته هِلَري كلِنتن على حوالي مليونين و ثمانمائة ألف صوت أكثر منه . و من أسباب فوزه توجيهه المبرمج لكل دعايته الانتخابية لدغدغة مشاعر الطبقة الوسطى الأمريكية المهددة بالانقراض بسبب التدهور الإقتصادي المتواصل طوال عقدين ؛ كما دغدغ مشاعر الأمريكان البيض الرافضين للتعددية الثقافية ، و ادعى الدفاع عن مصالح العمال و المزارعين المهددين بفقد أشغالهم بسبب العمالة الرخيصة للمهاجرين الجدد ، و لأنه كان الأدهى في استخدام برمجيات الانترنت للدعاية الموجهة شخصياً للناخبين واحداً واحداً عبر استغلال قواعد بياناتهم الشخصية المسروقة من الفيس بوك و معرفة ما يعجبهم و مالا يعجبهم .
تسلطية ترمب
يتبع ترمب على طول الخط السياسة التسلطية على كل شيء و في كل شيء ؛ سواء في هجومه على السلطة القضائية الرافضة لقيمه الديماغوجية المنافية لأبسط قواعد الدستور و حقوق الانسان ؛ أو على وسائل الإعلام الجادة (سي أن أن ، الواشنطن بوست ، النيويورك تايمز ، إلخ) بفرية بثها للأخبار الكاذبة (fake news) ، و اتخاذ هذه الفرية كبوليصة تأمين لتمرير تسلطاته و حماقاته و الغائه للأعراف السياسية ؛ و في خدمته لمصالحه الخاصة و مصالح التنانين الرأسمالية التي تسنده لتثبيت سلطته السياسية باي ثمن كان . لذا ، تجده يستهل عهده بطرد كل مسؤول حكومي يمكن أن يفضح أكاذيبه (مثل رئيس الأف بي أي المطرود “جيمس كومي” الذي أنكر علم جهازه بتجسس إدارة أوباما على ترمب خلال فترة حملته الرئاسية عكسما كذب ترمب بذلك على التويتر) ، أو يشك بولائه ، مثلما حصل في طرده لسالي ييتس ، نائب المدعي العام ، و كذلك المدعي للولايات المتحدة “بريت بهارارا”. كما ضرب عرض الحائط قانون الكونغرس الأمريكي بصدد عدم جواز استغلال الرئيس لمنصبه في تعيين أقاربه في البيت الأبيض أو في الترويج لمصالحه الخاصة كرجل أعمال . كما روَّج داخلياً لسيادة مجموعة ثقافات اجتماعية جديدة مكرسة لخدمة مصالحة الشخصية الأنانية : ثقافة الأمريكي الأبيض ضد الأمريكي الملون ، مهدداً وحدة البلد بالاستقطاب العرقي . هنا عرض الرجل الواحد الذي لا يقبل بالولاء لغير مصالحه الشخصية و لنفسه تحت كل الظروف يجعل غالبية أتباعه يصرحون علناً بأنهم غير قلقين من أكاذيبه المفضوحة . لدينا هنا الخلق اليومي المبرمج لثقافة اجتماعية جديدة لا تقبل فقط بالدجل و الانتهازية السياسية ، بل أنها تحبذهما . و لكن الأخطر من هذا كله هو دابه على إعادة خلق ثقافة الخطر الخارجي الموهوم ضد أمريكا و الموجب لفرض العقوبات و التلويح المضاد بالحرب : تارة التهديد الإسلامي ، و أخرى التهديد الصيني ، و أخيراً التهديد الكوري الشمالي ؛ و هو يمالئ الديمقراطيين بصدد التهديد الروسي الموهوم ضد أمريكا ، كي ينأى بنفسه عنه .

فضاضته
الرئيس ترمب مشهور بفضاضاته السلوكية و الكلامية الجمة المشفوعة بالإيماءات السريالية في حركة اليدين ، نتيجة لفشله الدائم – حتى بعد أن بلغ أرذل العمر – في استيعاب أدنى أصول و أعراف التعامل اللائق مع الغير ، سواء الأمريكان منهم ، أم الأجانب . ففي حملته الانتخابية ، لم يتورع عن رمي كل منافسيه بأقذع الطعون و البذاءات ، بل و لقد استمر في غيه هذا لحد الآن بعد فوزه بالرئاسة ، خصوصاً ضد أوباما و آل كلنتن . ليس هذا فحسب ، بل انه دائم الهجوم من منصة “تويتر” و المحطات الفضائية حتى ضد موظفيه في البيت الأبيض و الإدارة الأمريكية أنفسهم – سأعود إلى هذا الموضوع . ثم رأيناه جميعاً على شاشات الفضائيات العالمية و هو يحاول شبك كفه بكف البابا “فرانسز” بالفاتيكان أثناء وقوفهما معاً أمام المصورين ، قبل أن يضربه الأخير خفية على كفه يوم 24 /5/ 2017 مثلما يفعل الكبار في زجر و تأديب حماقات “الزعاطيط” الوقحين ؛ كما رأيناه هو يدفع جانباً رئيس وزراء جمهورية الجبل الأسود (مونتينيغرو) “دوشكو ماركوفج” بغية تصدر الجمع في اجتماع قادة حلف الأطلسي ببروكسل بعد ذلك مباشرة بيوم واحد لا أكثر ، وووو إلخ . كل هذه التسلكات جعلت العالم كله يَنام و يُصبح على فضائح ترمب : أضحوكة العالم أجمع و المادة الخام للبرامج الترفيهية و نشرات الأخبار و صحافة التابلوهات و عبارات الاستهجان السياسي ؛ و لكن المشكلة الحقيقة هي أن هذه الأضحوكة مدججة بأفتك أنواع أسلحة الدمار الشامل التي عرفها تاريخ البشر على سطح هذا الكوكب ، و هي من الانحطاط بحيث لا تتورع قيد شعرة عن استخدامها خدمة لأغراضها الشخصية ، بغض النظر عن نتائجها الكارثية .
إتصاله الهاتفي مع الرئيس المكسيكي و رئيس الوزراء الأسترالي
إستناداً إلى تقرير الواشنطن بوست ، أجرى ترمب بتاريخ 27 من شهر كانون الثاني 2017 – أي بعد سبعة ايام فقط من تسنمه كرسي الرئاسة – اتصالاً هاتفيا مع الرئيس المكسيكي “إنريك بينيا نيتو” ؛ و كان محور الحديث هو التجارة المتبادلة و الهجرة . ثم انتقل الكلام بينهما إلى موضوع بناء جدار العزل العنصري الذي طالب ترمب بإقامته على الحدود بين البلدين تيمناً منه بجدار الفصل العنصري للكيان الصهيوني . في هذه النقطة ، أصر ترمب على قيام المكسيك بدفع تكاليف إقامة هذا الجدار ، رغم أن الرئيس المكسيكي كان قد أعلن على الملأ رفض بلاده تكبد مثل هذه التكاليف في قضية لا ناقة لبلاده فيها و لا جمل . قال له ترمب و هو يناديه باسمه الاول بالحرف الواحد : ” أنت لا تستطيع أن تتفوه بذلك (أي التصريح العلني برفض بلادك دفع تكاليف إقامة جدار العزل) للصحافة لكون الصحافة ستؤيد قولك هذا ، و أنا لا أستطيع أن أعيش مع هذه الحالة ! أنت لا تستطيع أن تقول ذلك للصحافة لأنني لا أستطيع التفاوض تحت هذه الظروف !” لاحظوا هنا المظاهر الكلامية للتسلطية الخانقة في نواهي ترمب للرئيس نيتو ! و لم ينس ترمب التبجح مراراً و تكراراً في تلك المكالمة بكونه قد فاز بالانتخابات الرئاسية ، كما لو كان هذه الموضوع خبراً جديداً يود الإعلان عنه و كان الرئيس المكسيكي مسؤولاً عن تبعاته ! كما أبلغ الرئيس المكسيكي بكونه قد فاز بأصوات المواطنين الامريكان الناطقين بالإسبانية في ولاية نيوهامبشير بسبب وعوده لهم بمحاربة الاتجار بالمخدرات ، و أطلق على أهل تلك الولاية الامريكية وصف : (drug-infested den) ؛ أي “الوكر الموبوء بالمخدرات ” ! مثل هذه الفضاضة الفجة غير مسبوقة في المحافل الدبلوماسية الغربية ؛ حيث لم يعرف التاريخ الأمريكي رئيساً يسمح لنفسه أن يهين أمام رئيس دولة أخرى مواطنيه أنفسهم القاطنين في ولاية أمريكية كاملة بمثل هذه الإهانة التي تعكس مدى احتقاره للذين انتخبوه أنفسهم ، و كل ذلك يحصل بلا أدنى موجب و لا مسوغ !
و بنفس ذلك اليوم ، أجرى ترمب مكالمة هاتفية أخرى مع رئيس الوزراء الأسترالي “مالكلم تيرنبول” ، حيث تطرق إلى الاتفاقية الموقعة بين حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في عهد أوباما و الحكومة الاسترالية و القاضية بقبول (1250) لاجئ آسيوي محصور هناك ، قائلاً له بأن تنفيذه لتلك الاتفاقية سيعرضه للانتقاد السياسي في ضوء وعوده الانتخابية المناوئة للمهاجرين ! “يا ولد ، إن ذلك (أي الالتزام بتنفيذ الاتفاقية الثنائية) سيجعلنا نبدو سيئين جداً ، حيث طالبت هنا بفرض الحضر و عدم قبول أي شخص ، ثم نقبل 2000 شخص” ، يقول ترمب لرئيس الوزراء الأسترالي ! لاحظوا هنا أن ترمب ينادي رئيس الوزراء الأسترالي بـ “الولد” ، في حين أنه يستخدم صيغة الجمع (نحن) للإشارة إلى نفسه ؛ و يصعِّد الرقم (1250) إلى (2000) لاجئ على طريقته في تضخيم الأمور الصغيرة و فشله في استذكار واجباته البيتية على نحو صحيح ! ليس هذا فحسب ، بل أن فضاضة ترمب لم تمنعه من غلق السماعة بعدئذ فجأة على رئيس الوزراء الأسترالي ! إنه رئيس إمبريالي سافر السفالة ، “بايع و مخلص” !
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو : “كيف تسربت تفاصيل هاتين المكالمتين للصحافة ؟ هذا الموضوع يؤشر إلى فشل إداري رهيب لترمب في ادارة شؤون البيت الأبيض مثلما سأبين في الحلقة الأخيرة القادمة .