رأي

روسيا فاجأت الغرب وأربكته

في ضوء الدخول الروسي الحاسم في مساعدة الدولة السورية بحربها ضد الارهاب يتبادر الي الاذهان سؤال مركزي ومضمونه لماذا اضطرت روسيا الى الدخول مباشرة في الحرب وما هي المعطيات التي دفعت الرئيس فلاديمير بويتن الى اتخاذ هذا القرار؟
في المعطيات الديبلوماسية ان ما استدعى هذا القرار اسباب وخلفيات دولية واقليمية وسورية.
في ا لمنحى الدولي كان الروسي امام خيارات ليست سهلة في التعاطي مع الهيمنة الاميركية وسعي الاخيرة لمحاصرة روسيا دوليا. واختصار دورها بمنطقة ضيقة لا تتعدى حدود الدولة الروسية ولذلك كانت القيادة الروسية امام قرار العمل لرسم معادلة جديدة في العالم انطلاقا من تحالفاتها الدولية خاصة مع الصين ودول البريكس وكل من ايران وسوريا والعراق.
وفي المنحى الاقليمي شعرت روسيا ان ما تقوم به الولايات المتحدة ومعها حلفاؤها الغربيون لمحاربة الارهاب ليس سوى عناوين شكلية بحيث لم تحقق الضربات الاميركية طوال سنة ضد داعش اي شيء ذي اهمية بل ان الضربات الروسية في اقل من اسبوع كان تأثيرها اكبر بكثير مما فعله الطيران الاميركي خلال عام. ولذلك وجدت موسكو نفسها امام خيارين لا ثالث لهما اما ان تترك الارهاب يتمدد ليس في الشرق الاوسط فحسب بل نحو العديد من دولها خصوصا ان هناك الالاف من ارهابيي داعش وغيرهم من جمهوريات الاتحاد الروسي او من الصين واما التحرك مباشرة وسريعا لمحاربة الارهاب قبل تمدده نحوها خصوصا ان المحاولات الروسية لاقامة محور اقليمي يضم تركيا وسوريا والسعودية والاردن لمحاربة الارهاب لم تلق اذانا صاغية من هذه الدول باستثناء سوريا.
في المنحى السوري ادركت موسكو ان كل ادعاءات الغرب عن محاربة الارهاب ووقف تمويله وتسليحه له هي مجرد اكاذيب بحيث استمرت تركيا والاردن في فتح حدودهما امام تدفق الارهابيين باتجاه سوريا بتحريض ودعم اميركي وبالتالي بدا للقيادة الروسية ان الغرب لا يريد الوصول الى اي حل سياسي في سوريا بل ان كل خياراته هي خيارات تآمرية وتقوم على احد الخيارات اما استمرار الحرب والتريث في سوريا وإما السعي لقضم مزيد من المناطق السورية من جانب المجموعات الارهابية واما تقسيم سوريا لها الى دويلات مذهبية كما هو السعي باتجاه العراق والعديد من الدول العربية. ولذلك كان الروسي حاسما في مواقفه بما يتعلق بالوضع السوري انطلاقا من ضرورة دعم الجيش السوري لمحاربة الارهاب لانه الوحيد في المنطقة الى جانب الجيش العراقي والاكراد قادرون على محاربة الارهاب وبالتالي لن يسمح باسقاط الدولة السورية مهما كانت الظروف والمعطيات. وتوضح المعطيات الديبلوماسية ان بداية البحث في دخول روسيا مباشرة الى سوريا جرى بلورته وحسمه في خلال زيارات قياديين عسكريين وسياسيين سوريين الى موسكو خاصة وزيري الخارجية الدفاع ورئىس جهاز الامن القومي اللواء علي المملوك. اي ان بداية البحث في هذا الامر انطلق منذ اكثر من خمسة اشهر مع الجانب الايراني.
ولذلك فالسؤال الاخر ماذا بعد الدخول الروسي المباشر وهل يمكن لروسيا ان تتراجع تحت ضغط الادارة الاميركية والغرب؟
في المعلومات ـ وفق المصادر الديبلوماسية ـ ان واشنطن وحلفاءها لم يعتقدوا للحظة واحدة ان روسيا ستدخل بهذه القوة الى سوريا، لكن قرار القيادة الروسية فاجأ الغرب واربكه ولذلك بدت ردود الفعل مربكة.
وتقول المصادر ان روسيا لن تتراجع عن قرارها مهما تكن الضغوط ومحاولات تشويه هذا الدخول والتحريض عليه، بل بالعكس فروسيا مستعدة للمشاركة الميدانية اذا اقتضت الضرورة ذلك، رغم وجود مئات المستشارين العسكريين الروس في سوريا، كما انها مستعدة لمساعدة الجيش العراقي عبر ضربات جوية لـ«داعش» في العراق في حال طلبت الحكومة العراقية ذلك.
وانطلاقاً من كل ذلك، فان الدخول الروسي في اقل من اسبوعين حقق نتائج استراتيجية على المستويين الديبلوماسي والعسكري :
ـ على المستوى الديبلوماسي، اضطر الغرب لبداية اعتراف بأن الارهاب ليس تنظيم «داعش» فقط بل كل التنظيمات الاخرى التي تنتمي الى قصر القاعدة، وبالتالي بات الغرب محشوراً في حصر الارهاب بداعش، خصوصاً ان هناك قرارات صادرة عن الامم المتحدة تصنف التنظيمات الارهابية او بعضها، كما ان القرار الروسي الحاكم اجبر الولايات المتحدة على فتح حوار مع موسكو حول كثير من القضايا، بل ان الاميركي هو الذي يسعى لهذا الحوار، وكذلك بالنسبة الى دول غربية اخرى خاصة تركيا التي اعلنت جهوزيتها للتنسيق مع روسيا، وكذلك الاسرائيلي الذي سارع عبر رئىس وزراء العدو للتوجه الى موسكو للبحث في قضايا تتعلق بالدخول الروسي وعلاقته بالامن داخل فلسطين المحتلة.
ـ على المستوى العسكري: فما حققه القصف الجوي الروسي في اقل من اسبوع لم تحققه الولايات المتحدة في حوالى عشرة الاف ضربة جوية طوال عام كامل، بحيث ادى القصف الروسي الى انهيار معنويات التنظيمات الارهابية واستطراداً لجوء هذه التنظيمات الى تغييرات كبيرة على صعيد عملية انتشارهم وتوزع تشكيلاتهم العسكرية والقيادة ومخازن السلاح الخ… بالاضافة الى هروب مئات المسلحين نحو الرقة او العراق ونحو تركيا التي فتحت حدودها امام المجموعات الارهابية كما ان هذه الضربات فتحت الطريق امام قيام الجيش السوري بعمليات تطهير للعديد من المناطق في سهل الغاب وريف حماة وهي ستتوسع في المرحلة القريبة المقبلة