رأي

لماذا خرجت مافيا المال إلى المواجهة العلنية في الجزائر؟

زكرياء حبيبي
ـــــــــــــ

في حال صدقت الأخبار التي تشير إلى أن الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، ومدير ديوان الرئاسة أحمد أويحيى هو من يقف وراء تسريب ما قيل أنها تعليمات وجهها الرئيس بوتفليقة للوزير الأول عبد المجيد تبون، يُطالبه فيها ب “الكف عن مضايقة رجال الأعمال والمتعاملين الاقتصاديين”، فإننا سنكون أمام أخطر حالة نصب واحتيال وخيانة الأمانة وانتحال صفة الغير، شهدتها الجزائر منذ استقلالها وإلى اليوم.
إذ لا يعقل بنظري أن تصدر هذه التعليمات بالشكل الذي رأيناه يوم الثلاثاء 8 أوت الجاري، وتتفرد بالترويج لها قناة النهار المشهود لها بأنها أول قناة للكذب والبهتان وتصفية الحسابات في الجزائر، في وقت لم نجد أي أثر لهذه “التعليمات” في وسائل الإعلام الرسمية كوكالة الأنباء الجزائرية والإذاعة الوطنية والتلفزيون الجزائري، فبحق أرى أن هذه سابقة إن صحت صدقية “التعليمات” في طريقة تعامل رئاسة الجمهورية مع الشعب الجزائري ككل، لكن بطبيعة الحال، وأمام تواصل صمت الجهات الرسمية، يمكنني أن أجزم بأن هنالك حالة صدمة ربما أصابت أجهزة الإتصال في رئاسة الجمهورية والحكومة، لأنه لا أحد كان يتصور يوما أن يتم انتحال صفة رئيس الجمهورية ومن قبل مدير ديوانه ورجل “ثقته”، وبرأيي أن هذا ما حال دون صدور ردات فعل سريعة، على ما حصل، وفي الجهة المُقابلة لا يزال المتابعون يتساءلون عن سرّ إلتزام أحمد أويحيى الصمت، وعدم مُسارعته لتفنيد الإتهامات المُوجهة له.
حالة الصمت المُزدوج لا تُنبئ بالخير على الإطلاق، ويمكن تشبيهها بالهدوء الذي يسبق العاصفة، وهي العاصفة التي قد تقلب موازين القوى رأسا على عقب، وتُخرج كواليس الصراع إلى العلن، فالكل يتذكر التصريحات النارية للأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني عمار سعداني لغريمه أويحيى، واتهامه له بأنه غير صادق مع الرئيس عبد العزيز بوتفلية وأنه يريد الترشح للرئاسيات القادمة، كما لا يمكن نسيان حالة التشابك السياسي بين الأمين العام للأفلان الحالي جمال ولد عباس وأحمد أويحيى خلال الحملة الإنتخابية للتشريعيات الأخيرة، والتي كادت أن تخرج عن إطارها لولا الضغوط التي مُورست على الطرفين من جهات عليا، وألزمتهما على تهدئة الأوضاع، فحالة التشابك المُتواصلة بين أكبر حزبين متواجدين في السلطة، تؤكد أن حالة الصراع بينهما ليست وليدة الأمس القريب، كما أنها تُسلّط برأيي الأضواء على بعض الخانات المظلمة في قضية تسريب “تعليمات الرئيس بوتفليقة للوزير الأول عبد المجيد تبون”، فالتسريبات هذه وبالطريقة التي تمّت بها، كان الغرض منها نشر الفوضى في البلاد، وخلق حالة من البلبلة غير المسبوقة، لأنه حتى وإن سلّمنا بأن هذه “التعليمات” صحيحة، -وهو أمر مستبعد على الإطلاق-، فما كان على مُسرّبيها أن يلجأوا إلى الترويج لها عبر تلك الطريقة المُبتذلة، وسيّئة الإخراج، الأمر الذي يُوحي بأن الواقفين وراء التسريب كانوا في حالة نفسية غير مُريحة، واقتنعوا بأنّ عامل الوقت ليس في صالحهم، وأنه في حال عدم تحرّكهم بالسرعة القصوى، فإن إمبراطورية الفساد التي أسسوها، ستنهار في رمشة عين، وبخاصة أن الوزير الأول تبّون ومُباشرة بعد تنصيبه على رأس الحكومة، انطلق في ضرب أسس وأعمدة هذه الإمبراطورية، وحرص على قطع قنوات التواصل التي كانت لها في زمن مضى مع بعض مؤسسات الدولة، والتي كانت من خلالها تُمرر ما تشاء من القرارات التي تخدم مصالحها، مستغلة في ذلك سلطة المال الوسخ، فوتيرة التحرك هذه أخلطت حسابات إمبراطورية الفساد، وما زرع الرعب أكثر في نفوس رؤوس الفساد سواء في مجال السياسة أو المال، هو الإلتفاف الشعبي الكبير حول الوزير الأول السيد تبون، الذي قطع الشك باليقين وأكد بأن فصل المال عن السياسة مدّرج في مخطط الحكومة وبتزكية من الرئيس بوتفليقة، وعلى هذا الأساس تكون رؤوس الفساد قد انطلقت في تنفيذ مخطط جهنمي وعلني لزرع الفتن والفوضى في البلاد، وهنا تتوجب الإشارة إلى أن هذا المخطط قد انطلق تنفيذه منذ سنوات عديدة، لكن في الكواليس وتحت جنح الظلام، حيث تمّ تقليم أظافر بعض وسائل الإعلام التي تبنّت برنامج الرئيس بوتفليقة ودافعت عن توجهاته وسياساته في شتّى الميادين، كما تمّت مُحاصرة الأقلام الحُرة التي وقفت بقوة لدعم الرئيس بوتفليقة، وأُحبطت مشاريعها الإعلامية، حتى لا تتمكن من التأثير على الرّأي العام، وبالتالي تسمح لرؤوس الفساد أن تتحرك بكلّ أريحية، وهذا موضوع سيأتي الوقت الذي نتحدث عنه بالتفصيل، فمافيا المال، برأيي خرجت هذه المرة إلى العلن لتُبرز عضلاتها، وإذا لم يتم مواجهتها بالقوة اللازمة فإنها ستعيث في البلاد فسادا وإفسادا، وقد تُدخل البلاد لا قدّر الله في دوامة جديدة من المآسي والعنف، وهو ما يستوجب تحرك كل الغيورين على البلاد لحماية المكتسبات التي تحققت مع الرئيس بوتفليقة، والتي باتت تتعزز وتتوسع مع تعيين عبد المجيد تبون على رأس الحكومة.