رأي

اسرائيل تتسلل إلى إفريقيا

 

قد يكون العنوان صادما ولكنني أرى وبوضوح أن الوجود الإسرائيلي في القارة الأفريقية يمثل نجاحا عظيما لهذا الكيان بمعيار الموضوعية العلمية وليس من المفترض أن يكون لعروبتي وإسلامي أي تأثير على هذه الموضوعية بأي شكل وتحت أي مبرر وقد أدى هذا الوجود إلى مطالبة إسرائيل بالحصول على مسمى العضو المراقب في الاتحاد الأفريقي هذه العضوية التي سبقتها في الحصول عليها دولة قطر.

 

وتحقق هذه العضوية أهداف لها قيمة نسبية تعلو أحيانا وتقل في أحيان أخرى ولكن في عموم القول الاقتراب من الأحداث في القارة دون أي التزامات مالية أو الحق في التصويت يمثل في تصوري إنجازا وخصوصا مع استمرار المساعي للحصول علي هذه العضوية وهذا الإلحاح سيلاقي النجاح يوما ويستمر هذا الكيان في تحقيق ما يخطط ويدبر له يوما بعد يوم في القارة حتي قبل نشأته الفعلية في عام 1948.

 

وعلينا أن نؤكد أن لكل شئ أصل فما هو أصل علاقة إسرائيل بالقارة؟؟ هذه العلاقة التي لم تبدأ مع قيام الكيان العنصري الاستيطاني – في تصوري- في عام 1948 بل بدأ مع المؤتمر الأول للحركة الصهيونية في بازل بسويسرا قبل نهاية القرن 19 بسنوات قليلة حيث تم طرح خيار أوغندا ليكون وطنا لليهود ومعه خيار دولة فلسطين.

 

ومع قيام دولة إسرائيل وانضمام الدول الأفريقية إلي الأمم المتحدة تباعا عقب الاستقلال وظهور الحاجة الملحة للأصوات الأفريقية لكسر العزلة الدولية حيث لم يكن كافيا الارتكان علي الفيتو الأمريكي والبريطاني والفرنسي ،تقابلت هذه الحاجة مع جزء أصيل في المدركات اليهودية التي تتمركز حول حلم تحقيق دولة إسرائيل الكبرى والقارة بها منابع النيل التي تسعى للسيطرة وبسط النفوذ لتحقيق هذا الحلم الكبير أضف إلي ذلك رغبتها الأصيلة لعدم وجود تحالف أو تقارب من أي نوع بين العرب وأفريقيا وهذا ليس تحليل ورؤية فحسب ولكن ذلك جاء نصا علي لسان (شكوموأبنيري ) المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية ( إن الأهداف التي كنا نسعي إليها من وراء علاقتنا بالقارة الأفريقية ليس فقط كسب صداقة هذه الدول لكسر العزلة السياسية ولكن أيضا للحيلولة دون قيام معسكر أفريقي يقف إلى جانب العرب ونضالهم ضدنا ).

 

وهنا يمكننا أن نقولها وبصوت أتمنى أن ينقل بكل لغات العالم وليس في الداخل المصري فقط أن القارة الأفريقية مثلت النموذج المثالي والاستراتيجي داخل عقل صانعي القرار في إسرائيل وهو ما جاء نصا على لسان بن جوريون ( أن الصداقة الأفريقية الإسرائيلية تهدف في حدها الأدنى لضمان بقاء أفريقيا خارج الانحياز في الصراع العربي الإسرائيلي أما الحد الأعلي فيمثله ضمان مساندة دول القارة الأفريقية لإسرائيل ) ومع وجود المساندة البريطانية والفرنسية التي مهدت داخل مستعمراتها للوجود الإسرائيلي التقليدي من خلال القنصليات قبل الاستقلال وأصبحت سفارات بعد الاستقلال والأهم حدوث التقارب في المدركات الإسرائيلية والأفريقية حول كراهية العرب بوصفهم أحفاد تجار الرقيق في أفريقيا.

 

وقامت إسرائيل في علاقتها مع دول القارة علي خصوصية تعامل بها هذا الكيان مع جماعات كبيرة في داخل القارة مثل الدنكا جنوب السودان والأمهرا في أثيوبيا التي تقاربت معها تحت دعاوي عنصرية من هذه المزاعم دعم الأمهرا بوصفهم شعب الله المختار ثم كان سلاح المساعدات والاعتراف بالدول المستقلة وعلاقات مباشرة مع النخب السياسية والنظم الحاكمة في دول القارة التي تمثل في تصوري السبب الرئيسي والمتعاظم فيما عليه القارة من بؤس وفقر مستمر وممتد منذ الاستقلال حتي الآن حتى أننا يمكننا أن نطلق على هؤلاء الحكام والنخب وكلاء الاستعمار الجديد داخل القارة.

 

نشاط إسرائيل داخل القارة السمراء اشتمل علي كافة النواحي اقتصاديا من خلال غزو اقتصادي منظم للقارة منذ الخمسينات حتى الآن وكان ذلك من خلال اتفاقيات للتبادل التجاري بدأت من دولة غانا وانتشرت في كل الدول الأفريقية كذلك النشاط العسكري ولها طرق عديدة في ذلك أهمها تقديم المنح الدراسية والتدريب داخل المعاهد العسكرية الإسرائيلية وتصدير الأسلحة بكافة أنواعها.

 

الذي يعنينا من الطرح السابق أن إسرائيل بدأت بنجاح وما زالت وزاد تأثيرها حتي وصلت إلى التغلغل في منطقة البحيرات العظمي والقرن الأفريقي ولا يعجبني لفظ دائم التداول في الأدبيات السياسية والاقتصادية العربية حيث دائما ما يسمي هذا التواجد بالتغلغل أحيانا وأحيان أخري المؤامرة وإن تأكدت بعض الرؤي التي تؤكد ضلوع اسرائيل في عدم استقرار هذه المنطقة ذات الأهمية المصيرية بالنسبة لنا ويصبح السؤال أين كنا ؟؟ وماذا فعلنا؟؟ وإن كنا هناك !!! ما هو تأثير ذلك؟؟؟ وللعلم هناك دول بخلاف إسرائيل تتواجد هناك لتحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية هذه الدول منها عربية!! 

 

لايمكن أن نلوم إلا أنفسنا ومراجعة ما تم عبر سنين طويلة أكثرها طولا تهميش وعدم ادراك لأهمية القارة بالنسبة لنا وأضرب مثلا بسيطا أعبر به عن رأي شخصي قد يكون صواب وقد يكون خطأ أن مسألة نقص المياه وتبعاتها أشد فتكا من الحروب التي خاضتها مصر عبر تاريخها لأن نقص المياه يهدد السلم الاجتماعي المصري وهذا التهديد له تبعات أشد من الحروب.

 

ألستم معي في التشابه الشديد بين استمرار عمليات بناء سد النهضة بأثيوبيا وبناء المستوطنات الاسرائيلية في فلسطين فالبناء مستمر والدعوة إلي التفاوض قائمة والذي أتمني حدوثه مساهمة ووجود فاعل مصري في سد النهضة لأن زمن التفاوض والوصول إلي مكاسب يقل يوما بعد يوم ولابد من الارتكاز إلي أن ما يجمع بيننا وبين القارة نحن العرب في الإجمال ومصر علي وجه الخصوص أكثر مما يفرقنا ولابد أن نقف طويلا مع أنفسنا ونبتعد كثيرا عما أدي إلي هذا الحال في علاقاتنا مع دول القارة حتي لا تتحول أفريقيا إلي مستوطنة اسرائيلية جديدة.