مواضيع ساخنة

رأي

انتهاء عملية -تدمير الموصل- وماذا بعد؟

عادل احمد
—-

واخيرا انتهت اخر مقاومة لما تبقى من مسلحي داعش في الموصل القديمة وجاء قتل جميع مسلحيهم متزامنا مع التدمير الكامل لمدينة الموصل، قتل عشرات الاف من المدنيين وتعفنت جثثهم مع جثث مسلحي داعش والتي لا تزال تحت انقاض البيوت والبنايات المدمرة. انتهت عملية تدمير الموصل مع تدمير الارادة الانسانية والروح المعنوية وتشريد مئات الاف وزجهم في المخيمات قسرا، تحت درجة حرارة مرتفعة وبدون اية خدمات صحية وانسانية. ان عملية طرد داعش من الموصل كلفت ارواح عشرات الاف من الابرياء وتحويل حياة ساكني الموصل الى جحيم لا مثيل له الا في الحرب العالمية الثانية حسب تقارير المراسلين الموجودين في ميدان المعركة. والمقابل مكافأة نفس القوة التي دمرت مدينة الموصل بصواريخها واسلحتها الفتاكة ووقدمت دعما سخيا للدول المساندة والخالقة لداعش، اي قدم الدعم لامريكا من حليفاتها السعودية والامارات وقطر وبعرض سخي وتسليح بمئات المليارات وبناء علاقات سياسية واقتصادية قوية، والتي تكشفت في الاونة الاخيرة بأتهام بعضهم البعض بدعم التطرف والارهاب الاسلامي بالادلة والبراهين بعد نشوب الخلافات بينهم.
نحن الشيوعيين العماليين في الحزب الشيوعي العمالي العراقي والكردستاني كنا الوحيدين اللذين وقفوا بوجه ما سمي بعملية “تحرير الموصل”، وقلنا بصراحة ان هذه ليس تحرير وانما هو ابادة وتدمير كامل لمدينة الموصل وساكنيها. وقلنا ان هذه المعركة هي ليس معركة مع داعش وانما هي من اجل صراع الاقطاب العالمية لفرض الهيمنة والقوة والنفوذ، وها هي النتيجة نرى اليوم التدمير والقتل ورأينا مكافئة داعمي داعش من الخليجيين بصراحة وبدون حرج وامام الشاشات تلك المعادلة التي يعرفها ابسط الناس.. ستصبح عملية “تدمير الموصل” والجرائم التي أرتكتبت فيها كابوسا يجثم على ليالي اجيال واجيال من اهالي الموصل وستترك بصماتها المخيفة على مستقبل الاجيال القادمة.
انتهى وجود مسلحي داعش في الموصل في الوقت الحاضر ولكن اسباب وعلل تكوين ونمو داعش لا تزال موجودة. الصراع الطائفي موجود، والحكومة الطائفية موجودة، كما وان داعمي الارهاب الاسلامي الاصليين موجودين، كل الداعمين الأقليمين من ايران والسعودية وقطر والقوى الكبرى من امريكا وروسيا الداعمين العالميين! والصراع لا يزال موجودة بين هذه الاقطاب في المنطقة، اذن مسلحي داعش بالاسم فقط غير موجودين اليوم وبشكل مؤقت، ومن المؤكد سيظهر التنظيم مرة اخرى وتحت تسمية جديدة وتحت قيادة جديدة ومن نفس الصنف من المجرميين، وكذلك بقيادة السعودية وقطر وبرعاية امريكية وبريطانية ايضا ولنفس الغاية، اي دعم الارهاب في الشرق الاوسط وزعزعة استقرار الدول وحياة الملايين من الجماهير المحرومة. وان الصراع الطائفي القوي سوف يبدأ من الان، وان الانتقام وقتل الابرياء ونشوب الفتنة بين الاطراف المتنازعة سيكون اشدا بعد الان من اجل موطيء قدم اكثر لكل من طرفي الصراع. وان هذه السياسة اصبح جزء من رؤية البرجوازية العالمية لادامة الصراعات بينهما وفرض الهيمنة والقوة والنفوذ بطريقة غير انسانية وتحويل حياة الملايين الى الجحيم. استطاعت أنظمة الرأسمالي العالمي ايجاد طريقة شنيعة لحل وفصل الصراعات بينهم وبطريقة جديدة نوعا ما، وهي تحويل دول الشرق الأوسط الى كتل طائفية وقومية متصارعة فيما بينها، أقتتال وحروب بين كل طائفة وقبيلة وقومية ورش الزيت على نار تلك الصرعات حسب التصنيفات المصنعة، وخلق البلبلة وبالنهاية عدم الاستقرار السياسي والتي تخدم هذه المرحلة في تمديد تاريخ وعمر الرأسمالية.
ان الاعلام البرجوازي لعب دورا محوريا في فرض هذه الاجواء على الجماهير العمالية والكادحة بشكل خاص والمجتمع البشري بشكل عام. ان كذب الاعلام البرجوازي واستخدام قلم وعقل المأجورين وخادمي المال والرأسمال وكذلك رهن حياة الناس ومعيشتهم بشبكة عنكبوتية بالمال والرأسمال، وايضا خلق مشاكل عديدة ومتنوعة بين الناس، مكنت من وجود الاوضاع الحالية. ان الاعلام له الدور المحوري لقلب الحقائق وارسال الكذب والخداع الى عقول الملايين بأستمرار. وان الاعلام مكن من قلب الحقائق ونشر الكذب والسياسات الغير انسانية من اجل خداع المجتمع بما يرتكز النظام الرأسمالي. ان البرجوازية العالمية لم تكن بهذا الذكاء والتجربة في القرن التاسع عشر والعشرين امام الحركة العمالية والراديكالية في المجتمع، ولكنها اليوم متفوقا في الذكاء والتجربة والامكانية طبعا بغياب واضح للحركة العمالية والشيوعية في المجتمع.
بالامس كان تدمير حلب واليوم الموصل وغدا مدينة اخرى ستكون ضحية لصراعات الاقطاب العالمية. ان هذه المذابح وهذا الدمار يجب ان يتوقف، ويجب ان تحضر الانسانية بقوة امام هذه الاوضاع. وان هذا لا يحصل الا بنهوض الحركة العمالية وبقيادة شيوعية وبأسلحة ماركسية وبقوة الانسانية والتحررية وبافاق الانسانية. ان هذا يحتاج الى وجود الشيوعيين والحركة العمالية وراديكاليتها وبأمكاناتها المطلقة والخارقة ان تدخل الى الصراع الاجتماعي بكل الامكانيات والاسلحة الفكرية والسياسية، وبقيادة فذة لا تقبل المهادنة والاستسلام مهما يكون الطريق صعبا وشاقا. لاوجود لطريقا اخر فأما الأتجاه نحو البربرية والعبودية اكثر وأكثر او الأتجاه نحو الانسانية والتحررية. علينا نحن الشيوعيين العماليين والماركسيين المعاصريين ان نبذل كل طاقاتنا وكل امكانياتنا نحو الانسانية والتحررية، وان نستعد لمعركة تفوق طاقاتنا في الوقت الحاضر، ولكن نحتاج بالدرجة الاولى الى الاستعداد والارادة والتضحية. اذن لنبدأ بالاستعداد لهذا العمل الشاق ليس بالكلام والاقوال الطنانة، وانما بالشكل العملي والملموس، وبأرادة قوية كما رأينا في الثورة اكتوبر، وبالتضحية كما قدمتها كمونة باريس. الخيار هو خيارنا في ان نقبل البربرية او نقبل بالانسانية.