رأي

يهودي لا يحبّ يهوه ولا يحبّ التاريخ

 

 

 

اذا كان يهوه اصطفانا لنكون شعبه المختار، لماذا دفعنا، طوال قرون، الى التيه؟».

هو استاذ جامعي متقاعد، من اصل نمساوي وتزوج من امرأة كندية حملته الى بلادها، يدعى يوهان شميدت، وكان يحاضر في الديانات القديمة، ولفته كثيرا كتاب صامويل صاند «كيف تم اختراع الشعب اليهودي». وباعتباره يهوديا، يعلّق ساخرا «كنت اتصور ان يهوه هو الذي اخترعني الى ان علمت ان التاريخ هو الذي فعل ذلك».

قال «انا من زمن بعيد لا احب يهوه ولا احب التاريخ».

شميدت الذي ارتبط بصداقة عميقة بزميل له لبناني يقيم في كندا، عني كثيرا باحوال الشرق الاوسط، وزار اسرائيل، ليختزل انطباعاته بعبارة واحدة «هل يمكن لذلك التمثال الحديدي الا يعتريه الصدأ ويتفكك؟».

وسأل «لماذا يفترض باولئك الديناصورات ان يحكموا اسرائيل؟»، يضيف »ان السياسات التي تنتهجها تل ابيب تجعلنا نشعر بأننا ظاهرة شاذة في هذا العالم، اذ اين المنطق، ولو كان المنطق التوراتي، في ان تحيط بنا الاسلاك الشائكة الى ان يهبط علينا الماشيح. الحاخامات قالوا انه لن يجد في الهيكل سوى بضعة رجال يشبهون القطع الاثرية البالية».

شميدت يرى انه إما «ان يكون هناك خطأ في وصف علاقتنا بيهوه، او انه اراد ان يغسل الخطيئة الاصلية بالرماد، رماد ابنائه في الهولوكوست، ربما لان المسيح الذي يقول المسيحيون انه ابن الله، وانه صلب لوضع حد لتلك الخطيئة التي تدحرجت، عبر الازمنة، من ليلة حمراء بين آدم وحواء، لم يكن ليكفي لانجاز تلك المهمة».

لا يستطيع ان يتصور كيف ان الاسرائيليين يستندون الى ارث لاهوتي ملتبس لاقامة دولة تحيط بها الخنادق من كل حدب وصوب. يستدرك «حاليا تحيط بها القبور من كل حدب وصوب».

يستغرب طبيعة العلاقة بين اميركا واسرائيل والى حد التفاعل الايديولوجي، وليس فقط الاستراتيجي، بالرغم من ان النموذج الاميركي، وحيث الانصهار الهائل بين كل الثقافات وكل الاجناس، يفترض ان يكون النقيض للنموذج الاسرائيلي حيث الانغلاق في وجه الاخر، حتى ان استطلاعا للرأي اظهر ان 76 من الاسرائيليين يرفضون ان يكون هناك سكان عرب في المباني التي يقطنونها.

هوذا يهودي غربي ويقول ان العرب ليسوا اشرارا، والدليل ان البلاط الاندلسي اعطى لليهود دورا مميزا، حتى ان موسى بن ميمون كان يستشار في شؤون ذات صلة بالفقه الديني لدى المسلمين، كما ان الجالية اليهودية في بلد مثل العراق كانت تسيطر على الاسواق، ودفعت بالكثيرين الى المجلس النيابي.

في لبنان كان لليهود دور اقتصادي مؤثر، وفي سوريا وايضا في مصر والمغرب وتونس، حتى ان هناك يهودا اندمجوا في البنية السوسيولوجية للمجتمعات التي عاشوا فيها، واطلقوا تيارات فكرية وحتى عقائدية تأثرا بما كان يجري في نصف الكرة الغربي…

شميدت يستهجن لماذا اختار اليهود العرب لكي يكونوا اعداءهم. هؤلاء لم ينتجوا ادولف هتلر الذي كان يزدري العرب، والذي لم يدّعِ اعتناق الاسلام كما فعل نابليون بونابرت، كما ان ملوكهم ليسوا ملوك فرنسا او ملوك بروسيا الذين طالما تلاعبوا بالجاليات اليهودية جيئة و ذهابا، حتى ان وليم شكسبير اختزل كل المشاعر المسيحية والغربية حيال اليهود بابتداعه نموذج شايلوك (في تاجر البندقية).

بمعنى اخر، وبالرغم من كل الحروب بين العرب و الاسرائيليين، لم يوجد بين العرب نظير لزعيم الرايخ الثالث. الاستاذ الكندي لا يلبث ان يعلق ضاحكا «حتى ان احمد الشقيري لم يقل اننا سنلقي باليهود في النار، او في غرف الغاز، بل في البحر حيث لا بد ان تتواجد السفن التي تنقلنا الى مكان آخر. هذا ما حدث تحديدا لآبائنا حين طردتهم ايزابيلا من غرناطة وقرطبة وطليطلة واشبيليا».

في نظره ان اسرائيل تنتحر حين تشارك، بطريقة او بأخرى، في تحويل الدول المجاورة الى حطام. يسأل «كيف يمكن لليهود ان يتعايشوا مع العدم؟».

تحدث للمغترب اللبناني عن الصفقة الجهنمية بين الحاخامات والجنرالات، ليضيف «لو كان هناك دماغ استراتيجي حقا في اسرائيل لازال الاسلاك الشائكة وجعل الدول الاخرى تتمثل بالدولة الاسرائيلية في الصناعة التكنولوجية ليغدو الشرق الاوسط فردوس العالم بدل ان يبقى على حافة الجحيم».

واثق من ان اللعب الاسرائيلي داخل المؤسسة الاميركية هو الذي جعل المنطقة في قعر الكرة الارضية. يستنتج «ماذا يفعل حملة السواطير على مقربة من الحدود سوى انهم يشقون الطريق الى…الجحيم؟».