أمن وإستراتيجية

الامن القومي الروسي والتدخل العسكري في سوريا

 

 

 إذا  لم نذهب  نحن لقتالهم هناك   سيأتون هم لقتالنا هنا  كانت هذه  عبارات جنرال روسي   شهير في  تعليق على قناة  تلفزيون روسية  بعد  انطلاق المشاركة العسكرية الروسية المباشرة في حرب  سورية ،   وتلخص  هذه العبارة  الكثير   من الأفكار التي انطلقت منها عملية التدخل العسكري  الروسي المباشر في  سورية .

 لكن لا أحد  كان قادر  على  الإجابة  على السؤال الأهم وهو   إذا كان أمن  سوريا  والقضاء على السلفية الجهادية فيها مهما  بالنسبة للاستراتيجية  الروسية   فلماذا إذن تأخرت  القيادة الروسية  وانتظرت  4  سنوات  حتى تتدخل؟

  يقول   الخبير  الاستراتيجي  الأمريكي  اوليفر  براند  حول التدخل العسكري   الروسي في  سوريا   ”  أعتقد أن   تأخر التدخل الروسي  في سوريا كانت له أسباب ثلاثة   الأول هو أن الروس  كانوا ينتظرون   وصول النظام في سوريا إلى حافة   الانهيار  منم أجل   دخول سوريا  كما يرغبون   وكما يردون ومن أجل الحصول على أكبر قدر من الامتيازات في سوريا ، السبب الثاني  هو الخوف   من رد فعل أمريكي  سريع في حال التدخل ، السبب الثالث  هو أن الروس  دعموا منذ الأيام الأولى  للأزمة في سوريا ،  بالسلاح  و الدعم الدبلوماسي   وعندما تأكدت القيادة الروسية من أن النصر ممكن  في سوريا  سارعت للتدخل من أجل قطف الثمار .            

 توازن روسيا على الدوام بين المحددات المحلية والدولية، وبين الاعتبارات الداخلية والخارجية، ويندرج التدخل الروسي في سوريا ضمن هذه الاعتبارات وفيما يتعلق بالمصالح الروسية في الشرق الاوسط فقد عملت موسكو على الحفاظ على مصالحها وموازنة خياراتها رغم القضايا الشائكة والحساسة بالشرق الأوسط وانعكاساتها على الداخل .

 ويقدر المسؤولون في موسكو أن نحو 2200 مواطن روسي التحقوا بتنظيم “داعش” معظمهم من شمال القوقاز وفي يونيو 2015 اعلن  “الأمير حمزة” أحد أبرز قياديي “إمارة القوقاز الإسلامية” مبايعته أمير تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، على “السمع والطاعة”، لتصبح الفرع العاشر لـ”داعش” وعين تنظيم داعش “أبا محمد القدري” واليا على القوقاز، من ثم أعلن مقاتلون من جمهوريات داغستان والشيشان وأنغوشيا وكابيكا مبايعتهم “البغدادي”. 

 وهي تطورات تشكل  تهديدا مباشرا للمصالح القومية الروسية في آسيا الوسطى والقوقاز.

 تمثل منطقة شمال القوقاز التي تضم سبعة كيانات فيدرالية خاضعة للسيادة الروسية (الشيشان، داغستان، أنجوشيا، قبريدينو- بلقاريا، أوسيتيا الشمالية، قراتشاي ـ تشيركيسيا، ستافروبل كراي) أهمية قصوى في التفكير الاستراتيجي الروسي وفي الامن القومي الروسي  وتخشى موسكو خطر التطرف الديني الإسلامي خاصه مع وجود بعض الجماعات المسلحة الإسلامية المتطرفة الموجودة ببعض دول القوقاز وآسيا الوسطى، وكذلك ببعض الجمهوريات المندرجة تحت مظلة الاتحاد الروسي نفسه.

 فقد واجهت روسيا منذ العام 1990 ظاهرة الجهاديين اثر حرب الشيشان في محاولة الشيشان الحصول على استقلالها أسوة بجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، ومن ثم أسس “دوكو عمروف” “إمارة القوقاز الإسلامية” في أكتوبر 2007 على خط “القاعدة ” وفي بيان صدر مؤخرا ل”إمارة القوقاز الإسلامية” أعلنت عن تجديد بيعتها لتنظيم القاعدة، غير ان انشقاق “الأمير حمزة” بعد اغتيال “علي أصحاب كبيكوف”، ثاني زعيم لإمارة القوقاز الإسلامية في أبريل 2015  سيساهم في تدمير ما تبقى من شرعية” لإمارة القوقاز وسط اقبال الشباب على الالتحاق بتنظيم “داعش” مما يشكل اختراقا لنفوذ للخط الجهادي التابع لتنظيم القاعدة ويحول القوقاز لساحة للصراع الداخلي بين القاعدة وداعش .

 تعد حماية المصالح القومية الروسية و استعادة مكانة روسيا كقوة عظمى أهم أهداف الاستراتيجية الروسية الكبرى. وتعمل العقيدة العسكرية الروسية  على تحقيق تلك الاهداف في سوريا اذ تندرج الضربات الروسية تحت مقاتلي داعش ضمن خانة الضربات الاستباقية فسلاح الجو الروسي سيعتمد “الضربات الانتقائية” تجاه المناطق التي تسيطر عليها كتائب وتنظيمات أغلبية مقاتليها من آسيا الوسطى والقوقاز، حتى لو لم يكن لتلك الضربات تأثير كبير فى تنظيم “داعش” حيث يشكل ارتداد العناصر القوقازية المقاتلة في سوريا نحو شمال القوقاز خطرا كبيرا على العمق الاستراتيجي الروسي.