رأي

يوم امطرت بابل مزرعة الشر ب43 صاروخا

صلاح المختار

(وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول)

اليوم 18-1 الذكرى 29 للرد العراقي التاريخي على بداية الحرب العالمية الثالثة على العراق والتي سميت وقتها ب(العدوان الثلاثيني) الغاشم،وهي تسمية نراها الان تقزّم الحدث لانها كانت،وبحق،حربا عالمية بكل المقاييس، فقد شاركت فيها اكثر من اربعين دولة بسلاحها ومالها وتكنولوجيتها ورجالها ضد العراق،ولم تكن مجرد ضربات متكررة لعدة ايام لنحسبها عدوانافقط، فرد البابليون بتوجيه ضربات صاروخية شاملة على اهداف منتخبة على اسرائيل الغربية توالت الى نهاية شباط 1991،وفيها اطلقت بابل43 صاروخا (طراز الحسين) وليس 39 كما عرف خطأ ، وكانت الاثار مزلزلة في اسرائيل الغربية وابرز ثمارها الستراتيجية اسقاط (نظرية الامن الاسرائيلي) . فكيف حصل ذلك؟ وما هي اهم نتائجه؟

1-فجر السبت 17 يناير/كانون الثاني 1991 شن الرئيس الامريكي جورج بوش الاب حربا شاملة على العراق نفذتها قوات ما سمي ب(الائتلاف العسكري الدولي ) والذي تكون من جيوش34 دولة اضافة لدول اخرى شاركت فيها بدون جيوش بمالها وقدراتها الاخرى،وقد وصل عدد قوات الائتلاف إلى 959,600. ،اي حوالي المليون مقاتل،وشمل 3600 دبابة، و1800 طائرة، و150 قطعة بحرية.وكانت الهجمات جوية وصاروخية وبمعدل ألف غارة جوية في اليوم اضافة لمئات الصواريخ خصوصا كروز.( المصدر ويكيبيديا).

2-في ضوء عدد الدول والاسلحة المشار اليها نعيد التأكيد بانها كانت بداية الحرب العالمية الثالثة والتي مازالت مستمرة حتى الان ضد الامة العربية كلها وليس ضد العراق فقط، فالعراق كان الخطوة الاولى في حرب من نوع جديد نوعيا سمتها الاساسية تقسيط الحرب وجعلها اجزاء متتابعة لاتبدو كأنها مترابطة وتختلق احداث كمبررات لتنفيذ خطوات اخرى مكملة لما سبقها، فبعد العراق تفجرت الحرب في ليبيا واليمن وسوريا ودشنت صفحة سرية فيها تتميز بتدمير الدولة من داخلها استنزافا وتفكيكيا بطيئا لها بحروب الارهاب وغيره، وهو ما نراه في مصر والسودان وتونس والجزائر، وضغوطا هائله لتجريد العرب من ثرواتهم بطريقة تبدو ثمنا لحمايتهم وهو ما تتعرض له دول الخليج العربي، والاداة الرئيسة في اشعال تلك الفتن هي النزعة الاستعمارية الايرانية والتي استخدمها الغرب والصهيونية كأهم وسيلة لتفتيت الاقطار العربية بفتن طائفية وعرقية، وكل هذه الاشكال من الصراعات والازمات هي اوجه متعددة لحرب عالمية من نوع مختلف نوعيا.

3-كان الرئيس صدام حسين قد اعلن قبل بدأ الحرب بان العراق سيرد اذا هوجم بضرب اسرائيل الغربية بصفتها اداة للغرب الاستعماري، ولهذا فما ان بدأ القصف على العراق غير المسبوق في تاريخ الحروب من حيث نوعية الاسلحة على الاقل التي استخدمت كما اتضح ،حتى صدرت الاوامر من القائد الشهيد صدام حسين الى الفريق الركن حازم بن عبدالرزاق شهاب الأحمد الأيوبي قائد قوات الصواريخ فجر يوم18 يناير/كانون الثاني 1991بأطلاق صواريخ الحسين فنفذ الرد بشجاعة ودقة وبلغ عددها 43 صاروخا، وليس 39 صاروخا،وهو تأكيد من الفريق الايوبي شخصيا لي، وضربت المستعمرات الصهيونية في فلسطين المحتلة وتمركزت الاهداف على تل ابيب وميناء حيفا والنقب وشملت مفاعل ديمونا النووي.

4-ولكي لاتطمس القيمة الستراتيجية للضربة الصاروخية العراقية هذه لاسرائيل الغربية يجب ان نؤكد بانها كانت انهاء مرحلة تاريخية كاملة في طرق شن الحرب في منطقتنا، وابرز ما فبها كان اسقاط (نظرية الامن الاسرائيلي) التي اعتمدت منذ عام 1948، فما هو جوهر هذه النظرية؟ وكيف اسقطها العراق؟

5-تبنت اسرائيل الغربية ستراتيجية امنية ثابتة تقوم على منع وقوع اي حرب داخلها وجعل الحروب كلها تدور فوق ارض العرب ، وهو ما تحقق فعلا طوال الفترة بين عام 1948 و1991،فحمي المستعمرون من الاثار الكارثية للحروب بينما بقي العرب يتعرضون للموت والدمار والاعاقات !ولكن في يوم 18 يناير/كانون الثاني 1991 حصل انقلاب ستراتيجي كبير في المنطقة تمثل في اسقاط نظرية الامن الاسرائيلي بنجاح 43 صاروخا عراقيا ضخما بنقل الحرب لاول مرة منذ عام 1948 الى داخل الكيان الصهيوني من خلال أختراقها لنظم الدفاع الجوي الممتازة وسقوطها على مدن عديدة من بينها عاصمة الاستعمار الصهيوني تل ابيب، وكان ذلك يحدث لاول مرة في تاريخ الصراع العربي – الصهيوني فهز المجتمع ونشر الذعر في نفوس المستوطنين الصهاينة الذين عاشوا طوال عقود في امان ويقين بان الحروب لاتقع داخل مدنهم وانما في ارض العرب حصرا.

وقتل نتيجة القصف العراقي 74 صهيونيًا وجرح 230 آخرون، ودمر 7663 مبنى وهذه اعداد غير مسبوقة في خسائر اسرائيل الغربية الا في الحروب الشاملة معها.وكثير من الذين ماتوا قتلهم الرعب وليس الاصابة المباشرة وهو يسمع صواريخ بابل تضرب الاحتلال في عقر داره فتنثر الاوهام حول الحصانة وتجلب نظر العرب حكاما وجماهير الى ان الحل للصراع العربي مع الغزاة الصهاينة ممكن عبر الصواريخ التي تعبر الحواجز الارضية كالجبال وانظمة الدفاع الجوي المتقدمة وتمهد لحرب برية ظافرة .كان تساقط الصواريخ العراقية مشهدا دخل في ذاكرة كل من العرب والصهاينة بصفته مرحلة مفصلية عمقت لدى الصهاينة مشاعر الغربة والخوف من المستقبل بينما عززت لدى العرب مشاعر الثقة بامكانية تحقيق النصر على الكيان الصهوني.

6- تعمدت اسرائيل الغربية اخفاء تأثيرات الضربات وخسائرها الحقيقية لحرمان العراق من استثمار ما تحقق من نصر ستراتيجي ،وفي هذا،ونقلا عما كتبه الباحث محمد الجبوري ،يقول ايضا ( اندرو وليسلي كوكبيرن ) في كتابهما(علاقات خطرة) ان سكان تل ابيب كانوا يخرجون مع هبوط الليل حاملــــين ( حقائبهم ) وكمية قليلة من المواد الغذائية يضعونها على عجل في اكياس من البلاستيك يتبعهم اولادهم وهم يبكون ليتجمعوا عند كتلة الاسمنت الرمادية الضخمة في وسط المدينة.. واصبحت تل ابيب , التي لم تتعرض لاي هجوم عربي ومؤثر , في حالة شبه هستيرية فعند غسق كل يوم كانت شوارع تل ابيب والمدن الاخرى تبدو مهجورة وكان سكانها يهربون بسياراتهم لينضموا الى ارتال العجلات الطويلةالى مدينة القدس طلبا للنجاة بعدما اعلنت القيادة العراقية ان الصواريخ العراقية لن تستهدف مدينة القدس .قناة سي ان ان نقلت لاحدهم الذي اصيب بالذهول ويلعن ذاك اليوم الذي هاجر فيه من روسيا الى اسرائيل.( انتهى الاقتباس)

الصواريخ العراقية اذا عززت قناعة الاغلبية الساحقة من المستوطنين الصهاينة بانهم في المكان الخطأ والاكثر خطرا وان وجود هم فيه مؤقت، ناهيك عن اسقاط وهم مناعة اسرائيل الغربية وقدرة جيشها الذي لايقهر على حماية السكان !

7-اهم ما كشفت عنه العملية او اثبتته الحقائق التالية :

أ- المستعمرون الصهاينة في فلسطين عاجزون عن الصمود في حرب شاملة مهما تفوقوا في التسلح لان الاصل في النصر هو المعنويات، وهذه سمة ضعيفة جدا لديهم، بينما هي متوفرة لدى الشعب العربي خصوصا طليعته الفلسطينية ، ولذلك فان اهم شروط النصر متوفرة للعرب .

ب-ان الضربات الصاروخية قلبت مسار الهجرة وهي احد اهم ركنين في نشوء وبقاء اسرائيل الغربية – الركن الثاني التمويل الخارجي- فبدلا من الهجرة من الخارج الى الداخل جعلتها صواريخ العراق من الداخل الى الخارج وبما ان ديمومة الكيان الصهيوني مشروطة باستمرار دفق الهجرة اليه من الخارج فان طريق النصر للعرب عرف الان وهو تقليص الهجرة الى داخل الكيان الصهيوني ورفع عدد المهاجرين من الداخل للخارج بكافة الطرق الممكنة وبذلك تسقط اهم قواعد ادامة هذا الكيان.

ج-تأكيد ان النصر ممكن فقط بقوة انظمة شعبية وطنية الهوية تسخر موادرها لخدمة الشعب اولا ببناء الانسان السليم ثم بناء قوات مسلحة ونظم تربية وتعليم متطورة كي يكون هناك انسان متعلم وعالم وتقدم تكنولوجي وعلمي ومستقر نفسيا وهي شروط تفجير الطاقات الانسانية الخلاقة وتعزيز الارتباط بالوطن والهوية القومية، وهو ما تحقق في العراق وقتها،وتلك اهم مصادر المعنويات والاستعداد للتضحية.

د-عندما يرى العالم ان هناك شعبا ونظما مصممة على استرجاع حقوقها مهما كان الثمن ولديها القدرة العسكرية والعلمية وغيرها والمنطق السليم فانه يتغير جزئيا او كليا وحسب الدول وعندها لن تعود قضية تحرير فلسطين مستحيلة بسبب العوائق الدولية، والدليل واضح فعندما كان العرب اقوياء في عهد القائد الفذ جمال عبدالناصر رحمه الله انقسم العالم حول الموقف من الصراع العربي الصهيوني وفقد هذا الكيان دعم اغلب الحكومات في العالم ولو استمر ذلك لامكن تحرير فلسطين، ولهذا فان الجهد الصهيوغربي تركز على اسقاط اي نظام وطني ومنع قيام نظم وطنية مجددا.

ه- يلاحظ ان اسرائيل الشرقية بقيادة خميني ثم خامنئي استخدمت نفس النظرية الاسرائيلية الغربية وهي خوض الحرب خارج حدودها وفي الوطن العربي تحديدا، ومنع وقوع الحرب داخلها وبأي ثمن، فهل هي صدفة تشابه ستراتيجية الاسرائيليتين؟ام انه نتاج وجود قواسم مشتركة بينهما ؟

ان هذه بعض نتائج الضربة الصاروخية العراقية والتي ادت الى اسقاط نظرية الامن الاسرائيلي وتعرية نقاط الضعف القاتلة في اسرائيل الغربية.فتحية للقائد الشهيد صدام حسين في ذكرى هذه الضربات، والمجد لشهداء جيشنا العظيم، وتحية لقادة وجنود الجيش الوطني العراقي الذي بقي قوة ترعب الصهاينة ، وتحية للرفيق والاخ الفريق الركن حازم الايوبي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق