تحقيقات

هل يمكن لدولة الإعتماد بنسبة 100% على السلاح الروسي !؟

تعتمد أغلب الدول العربية بل كلها تقريبا على مصدر تسليح واحد، فنجد دولا تعتمد بنسبة80 إلى 90% في تسليحها على المنظومة التسليحية الغربية كماهو الحال في دول مثل الامارات السعودية الكويت والمغرب، ونجد دولا أخرى على النقيض كما هو حال سوريا التي تعتمد بشكل كامل على السلاح الرزسي و الجزائر التي تعتمد بنسبة 80% في تسليحها على روسيا والصين جزئيا، وهو ما يعد من ناحية عسكرية نظرية عملا غير سليم .

خيار التسليح الروسي والمرتكزات الإستراتيجية في تنوع مصادر التسليح
ـــــــــــــــــ
دهيثم الحلي الحسيني
ـــــــــــــــــ
يعتبر تنوع مصادر التسليح, من أولى المرتكزات الإستراتيجية, في بناء القدرات الذاتية للقوات المسلحة, بما يؤهلها على الإستقرار والتوازن, في تنفيذ أدوارها وواجباتها ومهامها, حيث أن موضوع التسليح, يعتمد في حجمه وقدراته وإمكاناته, لجملة من العوامل, التي يستوجب دراساتها, وبالتالي القرار على حجم التسليح ونوعه, فضلا عن مصادره وتأثيراته.
وفي هذه العوامل, تشترك الجوانب السياسية والإقتصادية, فضلا عن التأريخية والجغرافية, وكذلك الإمكانات البشرية والمادية, والحاجات الدفاعية, إضافة للمستويات الحضارية والثقافية والتعليمية, التي يتمتع بها الفرد والمجتمع والشعب, الذي سيكون المستخدم لهذا التسليح, والإمكانات التقانية والعلمية المتيسرة, إضافة للعقيدتين القتالية والعسكرية, ثم العقيدة السياسية للدولة, وعليه فإن تنوع مصادر التسليح, يعد العامل الحاسم, في تأمين بناء القدرات المطلوبة للقوات المسلحة, وضرورات إسقرارها.
إن البناء المطلوب للقوات المسلحة, وفق المتطلبات التي تحددها, العوامل الدفاعية, وفق الإستراتيجية الوطنية, ليست ترفا أو شكلا إعتباريا, وإنما هو حاجة وطنية, لتأمين سيادة الدولة ووحدة الوطن, كونها تشكل صمام أمان لأمنه وإستقراره, فضلا عن تنميته وبناء الفرد فيه, وسلامة المجتمع وتوازنه.
لقد ظهرت الحاجة لهذه المقدمة, من خلال الجدال المترهل, الذي ظهر في الساحة السياسية والمجتمعية, إثر تبني الحكومة لصفقة السلاح الروسي, وما رافقها من لغط واسع, جعل القاصي والداني, يدلو بدلوه, دون تفقه في موضوع التسليح وحاجاته ومتطلباته, حيث تداخل في مدخلاته, الخطاب السياسي والمجتمعي, والمصالح الذاتية والسجال الخلافي بين الفرقاء السياسيين, والذي برمته, كان عليه أن ينأى عن موضوع التسليح, لأنه لا ينبغي أن يتوسع لإهتمامات جميع هذه العناوين, البعيدة عن مسؤولية التسليح وضرواته, كونه مهمة المؤسسسة العسكرية, في جنبته التقنية والموضوعية والإستراتيجية العسكرية, ومهمة المؤسسة السياسية, في جنبته الإستراتيجية الدفاعية الوطنية.
وقد رصدت في أزمة الصفقة التسليحية الروسية, الكثير من التداعيات والرؤى القاصرة, سواء من قبل الجهات الحكومية المسؤولة عن موضوعه, أو من قبل الكيانات السياسية, التي راحت تنّظر للموضوع, كما شاء لها خيالها الجوال, وذلك حتى قبل تداخل بيانات إحتمال شبهة الفساد, أو ربما تركيب هذه التهمة على الصفقة, بهدف إصابتها في مقتل, لا تقوى على تجنبه بسلام.
فالحكومة والناطقين عنها, ظهرت وكأنها في مقام المدافع الضعيف عن موضوع الصفقة, فنسمع من يدافع عنها, بوصفها قد شملت أسلحة ضعيفة, هي الأدنى قدرة من بين مثيلتها في المنطقة, أو البلدان المجاورة, وحتى رئيس الوزراء, في أول تصريحاته, بعد الإعلان عن نيته في المضي بالحصول على شحنة تسليح روسي, راح يكرر وبشكل ملحوظ, أنها أسلحة دفاعية, وليس لها أية قدرات هجومية أو تعرضية.
وفي الحقيقة أن رئيس الحكومة, لم يكن في حاجة لهذا الدفاع الضعيف, فهو لم يرتكب إثما, عندما يقوم بواجباته ومسؤولياته, التي تمليها عليه إختصاصاته وصلاحياته, بصفته قائدا عاما للقوات المسلحة, والتي من أولها بناء القدرات الدفاعية للدولة, وهذا الموقف ينسحب ايضا, على ممثلي الكيانات السياسية, المقربة للحكونة, فهي لم تكن بحاجة للدفاع عن مكونات السلاح الذي شملته الصفقة, من خلال التقليل من قدراته وفاعليته القتالية.
ولبيان الضعف في خطاب الحكومة, في هذا الشأن, فإنه ليس في الإدراك السوقي “الإستراتيجي” العسكري, أن تصنّف الأسلحة التقليدية, الى دفاعية حصرا, أو هجومية حصرا, فالطائرات المقاتلة مثلا, ذات مهام الدفاع الجوي, هي قادرة أيضا, على التعرض للمقاتلات المعادية, كما يمكنها تنفيذ واجبات في التجريد, الذي يشمل التعرض على المنشآت والأهداف الحيوية المعادية, وخاصة التي تشكل الحجم الدفاعي النوعي للعدو, وكذلك أسلحة الدفاع الجوي, فهي مصممة للتعرض على طائرات العدو ومنصاته المحمولة جوا, وكذا صواريخه السطحية, وبذا فهي ذات أدوار دفاعية وهجومية معا.
وهذا الوصف المشترك بين واجبات الدفاع والتعرض, يشمل القوات البحرية والبرية, فزورق الصواريخ الخفيف, الذي يحمل صوارخ سطحية, يمكنه أن ينفذ واجبات دفاعية, في حماية السواحل والمنشآت والأهداف الساحلية, ويمكنه كذلك, أن ينفذ واجبات تعرضية, تستهدف قطع خطوط مواصلات العدو وإمداداته, وكذا التعرض على وحداته البحرية المقاتلة, ومنشآته الساحلية الحيوية, وهي مهام أثبتتها البحرية العراقية, وباتت مضمّنة بمستوى الفكر العسكري.
وكذا الأسلحة البرية, في الصنوف المدرعة والقتالية الأخرى, وحتى الساندة, فالسلاح فيها يكون دفاعيا, إذا استخدم وفق عقيدة دفاعية, أو ضمن صفحات الدفاع, بينما يكون هجوميا تعرضيا, إذا استخدم وفق إستراتيجية هجومية, أو ضمن سياقات صفحات الهجوم, ويشمل هذا الوصف والتصنيف, عموم الأسلحة التقليدية, وذات الإستخدام التعبوي “التكتيكي”, أو العملياتي, وليس موضوع الورقة, البحث في الأسلحة غير التقليدية, أو ذات الطبيعة الإستراتيجية, فهي خارج نطاق الدراسة, لأن شحنة الأسلحة مع الجانب الروسي, لم تشملها, كما أن المتطلبات التسليحية للقوات المسلحة العراقية, لم تتضمنها في الأصل.
ومن بين الأفكار والأراء الملفتة للنظر, التي أطلقت بهذا الشأن, والذي يهم هذه الورقة, أن توليها الإهتمام المطلوب, دون سواها من مصادر الخطاب السياسي, هو ما ظهر عن قامة عسكرية عراقية مهمة, شغلت مواقع حساسة, في المؤسسة العسكرية العراقية, وآخرها مستشارا عسكريا لرئيس الجمهورية, إذ هاجم الصفقة من زاوية خطرة, مفادها أن التسليح السوفيتي, ووريثه الروسي, تنقصه الكفاءة والفعالية, إذ لم يسبق له أن حقق تفوقا ميدانيا, للجيوش التي إستخدمته, وخاصة العربية, وضرب أمثلة في أسلحة القوة الجوية والدفاع الجوي, وقد دعا من مقر إقامته في لندن, أن يكون البديل عنها, هو “التحول الى التعاقد مع بريطانيا, كونها الخيار الأفضل, إذ أن التجربة العراقية والعربية, هي سلبية في التعاطي مع الأسلحة الروسية, ومع المفاوض الروسي”, والغريب أنه يحتج بأن العقيدة العسكرية العراقية, كانت بريطانية بالأصل, متناسيا أن ذلك لم يعد قائما منذ خمسينات القرن الماضي, سواء في العقيدة أو التسليح, وليس من ذلك الجيل, إلّا رموزه الجليلة المتبقية, من آباء المؤسسة وبناتها.

وبصرف النظر عن مبررات التصريح, وحرية الإجتهاد في الرأي فيه, أو قد يكون بتأثيرات جانبية, سياسية أو دولية, قد تمليها عليه ظروف إقامته, لكنه يبق الأهم, الذي يستوجب التحليل والدراسة, من خلال المعطيات التأريخية, والمهنية والواقعية, بما يشمل إستقراء المخرجات التأريخية, للمؤسسة العسكرية العراقية, والعربية عموما, أو ما يمكن تسميته, بتأريخ فن الحرب.
وبدءا فإنه لا غضاضة أن تتعاقد المؤسسة العسكرية العراقية, مع بريطانيا أو مع سواها, لأن ذلك يضمن تنوع مصادر التسليح, فضلا عن أنها أسلحة كفوءة وتشكل إضافة نوعية, للقدرات العسكرية العراقية, غير أن التنوع الحقيقي لمصادر التسليح, هو في تنوع الخيارات, ومن بينها ذات الإستقلالية في الموقف, والتي لا تخضع لإملاءات خارجية, كما هو المعروف, في السياسة البريطانية, وتبعيتها المعهودة للقرار الأمريكي, الذي لازال يفرض خطوطا حمراء, على تسليح المؤسسة العسكرية العراقية, لأسباب مختلفة.
وبذا فإن توريد السلاح للعراق, الذي فرضت الولايات المتحدة عليه, حفنة من السنين, بدواعي متطلبات الإنتاج, أو ضغوط السياسة, لن يكون الخيار مع بريطانيا, بأفضل منه بالتأكيد, في هذه المرحلة, في الوقت الذي لا يشكل هذا القيد, أثرا في خيار التعامل التسليحي مع الجانب الروسي, وبذا يمكن والحالة هذه, أن تؤمّن المؤسسة العسكرية متطلباتها التسليحية العاجلة, في حين تكون الخيارات الأخرى قائمة, على المديات المستقبلية, عندما تحين آجالاها, دون أن يضطر الجيش العراقي, أن يخسر الزمن الطويل, بما يشكل من آثار بالغة, على إسقرار وسيادة الوطن.
ولبيان أن خيار التسليح الروسي, ليس بالضعف الذي يوصف, وأن ذاكرة التأريخ في إستخدامه, تحمل تجارب سيئة, لابد أن تسلط هذه الورقة, شعاعا على بدايات التسليح الروسي, للجيوش العربية, وأثرها في تحقيق التوازن العسكري والإستراتيجي في المنطقة العربية, ولا سيما في سياق الصراع العربي الإسرائيلي, أو في تحقيق التوازن, مع دول المنطقة الأخرى.
يشير التأريخ العسكري العربي, الى أن الدولة المصرية, وهي الدولة العربية الأولى, التي سعت لتدعيم قواتها المسلحة, وتأمين المتطلبات التسليحية لها, دون وصاية غربية, وتبعية دولية, وإملاءات سياسية, ضمن الظرف التأريخي المعروف, بعد إعلان الجمهورية فيها, فقد سعت الى الحصول على التسليح المطلوب, ضمن المصادر التقليدية لها, والتي تتمثل بإنتاج الدول الغربية والولايات المتحدة, غير أن التأثيرات الدولية, والضغط الإسرائلي على قرارتها, عرقلت نجاج كافة المحاولات, في تحقيق هذا الهدف.

لم يقف الرئيس الراحل عبد الناصر, مكتوف اليد, إزاء تلك القيود, فكان قد إتخذ قراره التأريخي, في تحويل بوصلته التسليحية, الى مصادر الدولة السوفيتية, فكانت صفقة التسليح السوفيتي الأولى, التي نفذت أواخر العام أربعة وخمسين, من القرن الماضي, ولكون الظروف الدولية الضاغطة, لم تسمح بمثل هذا التوجه الجرئ, لبلد عربي ناشئ, فقد أبرمت الصفقة بسرّية, وأطلق عليها صفقة الأسلحة التشيكية, لتقليل ردود الأفعال إزاءها , ثم أعقبتها إتفاقيات في المستوى الإستراتيجي, مع الإتحاد السوفيتي, حققت لمصر قدرات دفاعية كبيرة, وقد إنعكست على مصر عبد الناصر, في شغل موقع سياسي قيادي, دولي وعربي وإقليمي.

لقد وفر التسليح السوفيتي, بديلا معقولا, يستجيب للواقع الدولي وإرهاصاته وثوابته, التي تحكم على إبقاء دول المنطقة, متأخرة في قدراتها الإستراتيجية عموما, لتحقيق الإدامة في التفوق العسكري الإسرائيلي, ومن خلال تأمين تلك الصفقة التأريخية, لمبدأ تنوع مصادر التسليح, وفق مستلزمات الإستراتيجية العسكرية, فقد كان لها أثرا بالغا في تحقيق نسبة كبيرة, من التوازن العسكري في المنطقة, فأصبحت القوات المسلحة المصرية, يحسب لقدراتها الكثير, وأصبحت تمثل رمزا لوحدة مصر, وسيادتها وإسقرارها, ومن ثم سلكت سوريا نفس الإتجاه, خاصة بعد إعلان الجمهورية العربية المتحدة, في العام 1958.
يعود تأريخ العلاقات الروسية العراقية الى العام 921م, حيث كان أول سفير لبغداد في بلاد الروس “السلاف” هو بن فضلان, وقد أحتفى القيصر الروسي “الموش التابار”, بوصوله بإعلانه عطلة رسمية في البلاد, وفي التأريخ المعاصر, أعلنت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في العام 1944.
وبعد إعلان الجمهورية العراقية, في تموز 1958, عمدت الدولة وبنفس الأسباب في مصر, الى توقيع إتفاقية التعاون الإقتصادي مع الإتحاد السوفيتي, والتي وفرت توريد أسلحة نوعية, عززت من القدرات الدفاعية العراقية, وجعلتها تتوفر على جيش يعتد به في المنطقة, سواء في الأسلحة البرية أو الجوية أو البحرية, وقد أصبح ذلك النهوض في القدرات التسليحية العراقية, في أوج إنجازاته, بعد عقد إتفاقية الصداقة والتضامن الإستراتيجي, بين البلدين في العام 1972, خلال زيارة رئيس الوزراء كوسيجين الى بغداد, وقد كان لموضوع التسليح, الحجم الأكبر فيها, فضلا عن جوانب إستراتيجية حيوية, لازالت تعيش في الذاكرة والواقع المعاصر, سواء في الطاقة أو الصناعات النفطية وجميع مناحي التنمية, فاصبح العراق أكبر شريك إقتصادي لروسيا, حتى تسعينات القرن الماضي, وقد حرص الجانب الروسي, تحت إختلاف الظروف وتداعياتها, على إيفائه بالتزاماته, في الوقت الذي كان غيره من المتعاقدين الغربيين, يتركها بتريرات أمنية أو سياسية.
ومن ثم خطت الجزائر واليمن وليبيا, على نفس المسلك التسليحي الناجع, فضلا عن سائر الدول النامية أو ما يطلق عيها بالعالم الثالث, وكذلك دول المنظومة الإشتراكية, ومن بينها الصين التي لا زالت تجني ثمار ذلك التفوق الإستراتيجي, بسبب خطوات الدعم السوفيتي الأولى, والمثال الناصع هو دولة الهند, التي تمكنت من حجز موقعها, كدولة منافسة لدخول نادي الدول العظمى, وقد كان للدعم التقاني والإستراتيجي السوفيتي, الدور المعروف فيها, إذ كانت تحضى بدعم تقليدي من الإتحاد السوفيتي, مقابل الدعم الصيني, لغريمتها باكستان.
وقد برهنت الجيوش العربية, أن التسليح السوفيتي, لا تنقصه الكفاءة والقدرات القتالية, وخاصة في منازلة حرب تشرين الثاني من العام 1973, إذ تمكن الجيش المصري, من تحقيق العبور التأريخي, لقناة السويس, وتحطيم خط بارليف الحصين, ومن ثم الإنتشار في سيناء, من خلال أداء متميز, للسلاح السوفيتي, ولم يكن الخصم السهل, أمام أعتى ترسانات أمريكا والغرب, وكذلك كان أداء القوات السورية, في جبهتها الساخنة, رغم التفوق النوعي والكمي الإسرائيلي فيها .
وقد حقق الجيش العراقي, إنجازا تأريخيا على الجبهة السورية, بعد أن إستطاع أن يوقف زخم التعرض الإسرائيلي في العمق السوري, بإتجاه الهدف الإستراتيجي الكبير, العاصمة دمشق, ثم إجباره العدو الإسرائيلي, أن يغير تخطيطه السوقي “الإستراتيجي”, من التعرض الى الدفاع, حيث تقهقر منسحبا, الى خلف خطوط الخامس من حزيران 1967, وكانت القوات المدرعة العراقية, قد نفذت عملية نقل تأريخية, إستطاعت أن تسير دباباتها وعجلاتها المدرعة على السرف, حيث لم تكن ناقلات الدروع كافية لذلك, ومن ثم دخلت أرض المعركة فور وصولها ميدانيا, محققة تفوقا كبيرا, من خلال مبادئ المباغتة وإدامة الزخم, وقد غيرت أيضا من إتجاه محور التقدم الإسرائيلي, وفي تخفيف الضغط عن الجبهة المصرية, فضلا أنها كانت قد خططت لهجوم مقابل محكم, في يوم 24 ت2, ولم تتمكن من إنجازه, بسبب إعلان وقف إطلاق النار, لأسباب سياسية ودولية, والذي كان حدثا بالغ الإيلام عليها .
أما الإخفاقات التي قد يحتج بها البعض, فهي لم تكن بسبب قصور التسليح أو ضعفه, وإنما كانت لأسباب سياسية, أو متعلقة بقرارات عملياتية غير موفقة, من قبيل التعامل الإجرائي مع ثغرة الدفرنسوار, أو رفض تنفيذ الهجوم المقابل, الذي خططت له القيادة الميدانية العراقية, أو بسبب الزج بحروب ومعارك, لم يتحقق فيها التوازن والتكافؤ, في القدرات المادية أو البشرية أو التقنية أوالتسليحية , في الوقت الذي حقق التسليح السوفيتي, تفوقا أو بالأقل توازنا, في جميع الإتجاهات, وليست الحرب العراقية الإيرانية, بأعوامها الثمانية القاسية, ببعيدة عن التقييم الإيجابي للتسليح السوفيتي, في كافة الصنوف والأسلحة, وهي شهادة للتأريخ, وقد يركز البعض, على دور الكفاءة الفردية فيها, ولكن السلاح أيضا, لم يكن بأقل من ذلك شأنا, ومن البديهي أن الثقة بالسلاح, يعد من أهم عوامل النجاح في إستخدامه, وبسبب كفاءته, وهو ما كان متحققا, لا ريب.

ومن الإشارات المهمة, التي تسجل للسلاح السوفيتي, في القوات البحرية بالذات, إذ كانت الصواريخ البحرية السطحية, قد أعتبرت سلاحا فاشلا, في سائر المعاهد العسكرية الغربية, حتى تمكنت زوارق الصواريخ المصرية, من تنفيذ الهجوم الناجح على المدمرة الإسرائيلية “إيلات”, خلال حرب الإستنزاف, باستخدام الصواريخ سطح سطح, مما حقق إصابة مباشرة فيها, أخرجتها عن الخدمة, ثم سببت في إغراقها, مما شكل سابقة تأريخية, جعلت جميع المعاهد والمنشأت الإنتاجية الغربية, تولي هذا السلاح إهتماما كبيرا, الى يومنا هذا.
يظهر هذا المبحث, الذي ارتأت الورقة, سوقه ببعض التفصيل الإستدلالي, ليثبت أن ذاكرة إستخدام التسليح الروسي, ليست بالصورة القاتمة التي تسوقها بعض أطراف السياسة والإعلام, وبالتأكيد فإن إنهيار الإتحاد السوفيتي, لأسبابه الذاتية والدولية, لا يغيّر من معطيات البحث, فضلا عن عامل النهوض الحالي لدولته الوريثة, الإتحاد الروسي, وعليه فإن خيار حكومة العراقية, في قرار التسليح الروسي, مهما كانت دوافعه ومسبباته, لكنه بالنتيجة يعد حاجة ملحة, تلبي للمؤسسة العسكرية العراقية, متطلباتها الضرورية, وتؤمن لها تعزيز قدراتها الدفاعية, بما هو مرحلي وحساس, ويستجيب لدواعي المرتكزات الإستراتيجية, في ضورة تنوع مصادر التسليح.
وقد أثبتت الأحداث اللاحقة للقرار العراقي, بتبني خيار التسليح الروسي, صحة هذا التحليل ومخرجاته, فقد عمدت الإدارة الأمريكة فورا, الى إرسال وفد رفيع المستوى الى بغداد, قدم وعودا بتسهيلات كبيرة, لدعم التسليح للقوات المسلحة العراقية, تجاوزت سائر المعوقات التي كانت تسوقها, متراجعة عن المواقف الصلبة السابقة, في تبريرات الحاجة للوقت, وتوفر الظرف الدولي والسياسي, التي كانت تحتج فيها, كأسباب لتأخير إستجاباتها, لمتطلبات تسليح المؤسسة العسكرية العراقية, وهو يؤشر صحة المرتكز الإستراتيجي, في قرار تنوع مصادر التسليح وتأثيراته.
وبما يخص الطروحات الواهنة, في أن الجانب الروسي, يتميز بالتعقيد والصلابة, في تفاوضه بخصوص قضايا التسليح, فهو حجة واهية كذلك, إذ أن هذا الشكل من التعاملات الدولية البينية, بالعادة يكون بنوع من الصعوبة والحساسية, سواء مع الإتحاد الروسي, أو غيره, وقد كانت للمؤسسة العسكرية العراقية, تجارب واسعة, مع جهات مختلفة, في قضايا التسليح, ولم تكن بالصورة الوديعة, من اليسر والتيسير, وهو أمر لا خلاف عليه, وقد كان لكاتب الورقة, مشاركات مهمة, في مثل هكذا تفاوضات, مع منتجين من دول غربية, مثل إيطاليا وفرنسا وبريطانيا, ومنها الإشراف على تنفيذ العقد البحري الإيطالي, في جوانب الإتصالات وهندسة الحرب الألكترونية, في مقابل خبرة متميزة مع الجانب الروسي, حيث كان تحصيله العلمي الهندسي العالي منها, ولم تكن المقاربة في غير صالح المنتجين الروس, خاصة وإن الدول الغربية, تتفاوض من خلال شركات تجارية خاصة, وليست كدولة تتحمل مسؤولياتها, بما يتأثر فيها من مدخلات العلاقات السياسية والإقتصادية البينية.
أما شبهة الفساد في موضوع الصفقة, التي أثيرت بشكل ملفت للنظر, دون سابقة لها, فهو أمر يثير الريبة والتعجب, وكأن التخلص من حالات الفساد, يكون في الهرب منه الى أمام, وليس في مجابهته والقضاء عليه, فكانت السابقة في قرار إلغاء الحصة التموينية, بدوعي الفساد فيها, والذي ألغي قبل إلغائها, مثالا لذلك, وها هي صفقة تسليح القوات المسلحة, تتهدد بنفس المنحى, والضحية هي القدرة الدفاعية للوطن, وإستقراره وسيادته, ووحدته المجتمعية.
فهل ستعمد الحكومة, لإلغاء سائر مشاريع البناء والتعمير والتنمية والخدمات, فجميعها ينخر فيها الفساد, بسبب تولي من لا يصلح في موقعه, والحال هو أن تمضي الدولة بمسارين, في محاربة الفاشلين والفاسدين, وفي السير قدما في مشاريع بناء الدولة ومؤسساتها, وحسنا كان تصميم الوزير بالوكالة, في هذا السياق.
دهيثم الحلي الحسيني
باحث في الدراسات الإستراتيجية