رأي

هل يجب على الجزائر التخلي عن اللغة الفرنسية من أجل التطور ؟

يعرف الجميع في الجزائر قوة ونفوذ ما يعرف بـ لوبي الفرنكوفونية الثقافي والسياسي في الجزائر، ويتهم هذا اللوبي بأته يقف خلف منع توسع استعمال اللغة الانكليزية في التدرسي الجامعي بشكل خاص، وتوثق هذه الدراسة أهمية تدريس بعض المواد في الجامعات باللغة الإنجليزية .
د محمد الربييعي
ـــــــــــــــ
تعتبر لغة التدريس خصوصا في الكليات العلمية كالهندسة والطب والعلوم من القضايا التي شغلت ولا زالت تشغل الكثير من التربويين وأساتذة الجامعات والمهتمين بتطوير التعليم العالي في العراق. وبالرغم من اجماع الاكثرية على ضرورة التدريس باللغة الانكليزية لا زالت اعداد من اساتذة الجامعات تعارض هذا التوجه وتعتبره مضرا لاعتبارات قومية تتعلق بحبهم للغة العرب، وبضرورة عدم زعزعة الهوية اللغوية، والادعاء ان اللغة العربية اسمى اللغات التي ظهرت في تاريخ البشرية فهي لغة القرآن ولغة العبادة ولغة الشعائر ولغة العلماء ولغة التعامل مع التراث ولغة التاريخ ولغة الاتصال بالقيم .. الخ، ومستندين على اهمية افهام الطالب بلغته الوطنية، ومدى المعاناة التي يواجهها في فهم المعاني والتي في الواقع قد يكون سببها ضعف التكوين اللغوي للأستاذ نفسه، وضعف تدريس اللغات في المدرسة.
سبق وأن ذكرتُ في مقالة سابقة حول اهمية تعليم اللغات باننا (لازلنا لا نستطيع التواصل باللغات العالمية، ولا نستطيع التخاطب باهم لغة عالمية وهي اللغة الانكليزية، وضعفنا هذا لا يعود الى عدم رغبتنا في تعلمها، بل يعود ذلك الى ضعف النظام التعليمي الاساسي والجامعي في تعليم اللغات. واذا كانت هناك دعوة للاستمرار في تدريس العلوم والطب والهندسة في جامعاتنا باللغة العربية بتقدير ان الطريق الى فهم المواد الدراسية يكون سهلا اذا درس الطالب مواده باللغة العربية، فإن ذلك لا يتعارض مع الدعوة الى تعلم اللغات الاجنبية. انا مقتنع بأن الصراع بين فريق التعريب وفريق التدريس باللغة الانكليزية سينتهي عندما يصبح المدرس والطالب العراقي ملمين باللغة الانكليزية).
لقد جعلتْ العولمة من اللغة الإنكليزية وسيلة مشتركة للتواصل في معظم البلدان. ووفقا لجونز وأبرست (2007) فإن اعادة هيكلة الانظمة الاقتصادية والإصلاحات المستمرة مطلوبة على الدوام وفي جميع دول العالم، وهناك حاجة الى تقنيات مبتكرة لتلبية متطلبات العولمة منها إعداد مهنيين مسؤولين عن التعامل مع الاسواق والصناعة العالمية. والجامعات العراقية تبذل جهودها من اجل إعداد مثل هؤلاء المهنيين في المجالات الهندسية والطبية والاقتصادية والتجارية وغيرها، الا انها تعاني من قلة الكادر التدريسي المتمرس والمدرب في الجامعات العالمية والذي يعتبر من اهم واصعب مهمات تطوير التعليم العالي. وفي رأيي ان تدريب التدريسي لكي يمتلك مهارات وظيفية وفنية وإنتاجية وإشرافية وإحترافية واتصالية واشعال روح الاهتمام عنده والتتبع والحماس لتعلم اللغات الأجنبية الحية مثل اللغة الانكليزية، يجب ان يأتي على رأس المهمات، وبتفضيل على مهمة ابتعاث طلبة الدراسات العليا او انشاء جامعات جديدة، اذا ما كان هناك ضرورة للتفضيل بين المهمات وحسب الأولويات. وعندما يتعلق الأمر بالتعليم العالي وتأثيرالعولمة، يمكن أن نرى خصوصا من حيث اللغات والتكنولوجيا، أن العولمة جعلت الإنكليزية لغة مشتركة للتواصل في معظم البلدان وأصبحت راسخة في العالم العربي (تمتام واخرين،2010) . ولهذا السبب فإن المطلوب من الجامعات العراقية تحسين وتطوير مناهجها وطرق تدريس العلوم لان طلاب العلوم واقصد بهم طلبة الطب والهندسة والزراعة والعلوم الأساسية، والاقتصاد، يواجهون مسؤليات وواجبات تتطلب مهارات جديدة، وان تكون قادرة على مواجهة المتطلبات التي وضعتها العولمة، ولذلك ليس من الخطأ ان نقول ان العولمة غيرت تماما رؤية الدراسات العلمية، وبالتالي فأن طرق التدريس الحالية والتي تقوم على اساليب ومناهج عفا عنها الزمن ان تتبنى نهجا ابداعيا ودينامية مرنه في آن واحد، وان تتطابق مع الاحتياجات العالمية الحالية بما في ذلك التدريس جزئيا باللغة الانكليزية (كمثال طريقة الانكليزية كمحيط للتدريس، EMI) (تامتام واخرين، 2010). وتعني هذه الطريقة مزج تدريس محتويات الموضوع باستخدام لغتين، بالاضافة الى استخدام اللغة الاجنبية كبديل للغة الوطنية كوسيلة للتواصل في المواضيع العلمية المختلفة، وبحيث يمكن تعليم الطلاب وفقا للمعايير الدولية ولكي يستطيع الطالب اكتساب المهارات العملية التي توفرها الجامعات العالمية، ولكن تحقيق هذه الطريقة بنجاح يحتاج الى تدريب التدريسين والطلبة عليها لتزويدهم بالمعرفة الصحيحة للغة. ويقدم كتاب صدر حديثا (انتزين دويز واخرين، 2012) تجارب عدد من جامعات الدول التي تم تنفيذ تجربة تعليم اللغة الإنجليزية (EMI) فيها مثل الصين وفنلندا وإسرائيل وهولندا وجنوب أفريقيا وأسبانيا، والتي تتميز باوضاعها السياسية والثقافية والاجتماعية واللغوية المختلفة. وعلى وجه الخصوص، يطرح الكتاب النتائج المترتبة على تنفيذ برنامج EMI على أنها محاولة لكسب وضوح رؤية واستراتيجية كاستجابة لحاجة الدول لتصبح قادرة على المنافسة في الأسواق الوطنية والدولية. وفيه يتم تحليل المخاطر والتحديات الخاصة بكل حالة، ويناقش آثار القضايا التربوية والمنهجية التي نشأت عند تنفيذ البرامج.
لقد ادى استخدام هذه الطريقة الى تطوير هائل في تدريس العلوم في البلدان التي استخدمتها. ووفقا لدراسة نمساوية ذكرها تامتام واخرين (2010) فان دعم وزارة التربية والتعليم النمساوية لطريقة تدريس الانكليزية في المعاهد التعليمية قد ساعد في تحسين التعليم. ويسرد تامتام عدة امثلة على استخدام طريقة المزج اللغوي كاستخدامها في الجامعات الاندونيسية حيث الهدف هو تعليم الطالب الكتابة والتحدث بلغتين وبكفاءة، وكذلك تبنتها كوريا كاسلوب للتدريس وبالخصوص تدريس العلوم والهندسة بغرض تحسين نوعية التعليم ومواجهة تحديات المنافسة العالمية بالرغم من الصعوبات التي واجهتها نتيجة ضعف اداء اللغة الانكليزية للمدرسين، وهي حالة مشابهة للوضع في العراق. وهنا نشير الى ان تحسين المهارات اللغوية للتدريسي وللطالب الجامعي يتطلب تطوير منهج تدريس اللغات في المرحلتين التعليميتين الابتدائي والثانوي، والتركيز على المهارات الأساسية التي تمكننا من مواصلة التعليم والتعلم باللغة الانكليزية والتي تنقل منها العلوم والمعارف والمهارات. ويتم ذلك بالبدء فى تعليم اللغة الإنكليزية بدءًا من الصف الأول الابتدائى كايمان بأهمية تعلم اللغات منذ سن مبكرة، والتأكيد على تعليمها بصورة مكثفة في المرحلة المتوسطة والثانوية. ويشير تامتام واصحابه الى امثلة من الدول الاوربية كهولندة التي بدأت التجربة في عام 1990 وحيث تمنح اللغة الانكليزية في يومنا هذا اهمية قصوى في التدريس الجامعي. بالاضافة الى هذا تتوفر امثلة اخرى من الدنمارك والمانيا والسويد على نجاح هذا النوع من التدريس بلغتين.
ونحن نلمس اليوم في الجامعات العراقية دوافع شديدة لاستخدام اللغة الانكليزية في التدريس مما سيؤدي في المستقبل الى تطوير التعاون الدولي وتحسين العلاقات مع دول العالم في المجالات التربوية والعلمية والتكنولوجية، لاننا نرى اهميتها من ناحية تعزيز التفاهم المشترك وتبادل المعلومات والاهتمام بما يحدث على الصعيد العالمي من تطورات واكتشافات جديدة. واتفاقا مع ضرورة التدريس بالغتين العربية والانكليزية اضهرت دراسة قامت بها ريما سعد الجرف (2004) جوانب سلبية لتدريس الهندسة والطب والعلوم بالعربية فقط بسبب عدم وجود التراجم العربية الكافية ونقص البحوث العلمية باللغة العربية بالاضافة الى ان السوق يفضل من يعرف اللغة الانكليزية. واظهرت ايضا أن 96% من طلبة جامعات الاردن و 82% من طلبة جامعة الملك سعود يعتقدون ان طريقة خلط اللغتين لهي اكثر ملائمة لتعليم الهندسة والطب والعلوم.
وبرغم ذلك فان ريم الجرف (2004) حاولت التأكيد على اهمية اللغة العربية استنادا الى الدراسات السابقة فتوصلت الى (أهمية استخدام اللغة العربية في التعليم الجامعي، ورغبة نسبة كبيرة من الطلاب والأساتذة في استخدامها في العملية التعليمية، والعوائق التي تحول دون استخدامها، مع تفاوت في نسب الطلاب والأساتذة المؤيدين لاستخدام اللغة العربية في التعليم من دراسة لأخرى، ومن حقبة زمنية لأخرى. إضافة إلى أن التعريب سيؤدي إلى زيادة استيعاب الطلاب للمفاهيم العلمية وسيؤدي إلى تحسن في مقدار تحصيلهم العلمي).
وللتأكيد على هذا الرأي عرضت ريما الجرف في دراستها ملخصا للدراسات العربية السابقة التي اجريت في مجال استطلاع اراء الطلبة في استخدام اللغة العربية في التعليم الجامعي اهمها دراسة المهندس وبكر بشأن قضية الترجمة واستخدام اللغة العربية في العملية التعليمية. حيث أظهرت نتائج الدراسة أن 66% من الطلاب يفضلون استخدام اللغة العربية إلى جانب الإنكليزية في إلقاء المحاضرات، ويفضل 57% منهم استخدامها في الكتب المقررة، ويفضل 53% استخدامها في كتابة المشاريع، و39% في تقديم الاختبارات، في حين يفضل 22% منهم استخدام اللغة الإنجليزية في إلقاء المحاضرات، و32% يفضلون استخدامها في الكتب المقررة، و33% في كتابة المشاريع، و44% في الاختبارات (أحمد عبد القادر وبكري سعد الحاج 1998). وقامت ريم في دراستها بعرض لعدد اخر من الدراسات التي اضهرت جميعها اهمية التدريس باللغة العربية منها دراسة استطلاعية للسحيمي وبار (1992) أجريت في كلية الطب بجامعة الملك فيصل في السعودية عن رأي طلاب الطب من تعريب العلم الطبي اظهرت أن 80% من الطلاب يوفرون ثلث الزمن أو أكثر عند القراءة باللغة العربية مقارنة باللغة الإنكليزية، وأن 72% من الطلاب يوفرون ثلث الزمن أو أكثر عند الكتابة باللغة العربية مقارنة بالكتابة باللغة الإنكليزية. ويفضل 23% فقط من الطلاب الإجابة على أسئلة الامتحان باللغة الإنكليزية. ويرى 75% أن مقدرتهم على الإجابة الشفوية والنقاش أفضل باللغة العربية. وعرضت ريم ايضا دراسة أجراها السباعي (1995) على مجموعة من طلاب الطب والاطباء عن متوسط سرعة القراءة باللغتين العربية والإنكليزية ونسبة التحسن إذا تمت قراءة النص بالعربية، اظهرت أن سرعة القراءة باللغة العربية هي 109.8 كلمات في الدقيقة، بينما هي 76.7 كلمة في الدقيقة باللغة الإنكليزية، أي بفارق 33.1 كلمة في الدقيقة لصالح اللغة العربية. وتبين أن استيعاب النص باللغة العربية أفضل من استيعاب النص نفسه باللغة الإنكليزية بزيادة 15%. وفي دراسة أجراها الحاج عيسى والمطوع (1988) في جامعة الكويت تبين فيها أن استخدام اللغة الإنكليزية كوسيلة اتصال تعليمية تشكل مشكلة لدى عدد كبير من الطلبة حيث أشار 64% من أعضاء هيئة التدريس بكلية العلوم أن مستوى الطلاب في اللغة الإنكليزية متدن. وأفاد 66% منهم أن ضعف طلبة كلية العلوم في اللغة الإنكليزية هو السبب في ضعف استيعابهم للمفاهيم العلمية، وذكر 76% أن ضعف الطلاب في اللغة الإنكليزية يقلل من دافعيتهم للتعلم (المصدر: ريما الجرف، 2004).
من الواضح ان سبب زيادة فهم الطلبة للمواضيع التي تدرس باللغة العربية مقارنة بتلك التي تدرس بالانكليزية يعود الى ضعف الطلاب في اللغة الانكليزية. والضعف هذا لا يعود الى عدم رغبة الطلبة في تعلم الانكليزية بل يعود ذلك الى ضعف النظام التعليمي الاساسي والجامعي في تعليم اللغات. الا انه أيضا لابد من التأكيد على أن تخلفنا العلمي والتكنولوجي يعود بدرجة كبيرة الى تخلفنا في اللغة الانكليزية، لانها الوسيلة الأساسية في اقتباس المعلومات ونقل التكنولوجيا، وبها ايضا ننقل علومنا وابتكاراتنا واكتشافاتنا وكل ما يمكن ان نساهم به لتطوير الحضارة الانسانية الى العالم. وهذا يذكرنا بالسؤال الفلسفي (الدجاجة من البيضة ام البيضة من الدجاجة). هل ندرس العلوم باللغة العربية فنزداد ابتعادا عن العالم ونتقوقع في كيان قومي محاصر من الداخل ام ندرس باللغة الانكليزية لنزيد من ضعف تفهم الطالب للمادة العلمية. برأيي اننا يجب ان لا نعتمد اي من هذين الاسلوبين بل يجب علينا اعتماد طريقة التدريس المختلط بلغتين. وهذا يعني ان القاء المحاضرات والملازم الدراسية والامتحانات واجوبة الاسئلة والمشاريع يمكن ان تكون بلغتين مختلطة مع منح اللغة الانكليزية تفضيلا وعلى قدر فهم الطلبة للغة وقابلية المدرس اللغوية. كذلك التدريس بلغتين لهو اكثر تناسبا مع الوضع الحالي في الجامعات العراقية من التدريس بلغة واحدة وذلك لضعف التكوين اللغوي للاستاذ وللطالب في اللغة الانكليزية، ولصعوبة استخدام التراكيب والمفاهيم العلمية مما يؤدي في كثير من الاحيان الى التركيز على الاسلوب اللغوي وعلى حساب المادة العلمية. كما ان المزاوجة بين اللغتين يساعد الطلبة الاقل تفهما للانكليزية من متابعة المحاضرة وقراءة الكتاب وبذلك يتم تقليل الفروق المبنية على اساس مستوى تفهم اللغة الانكليزية بين الطلبة، لانه ليس من المعقول تصور اداء الطلبة العلمي يبنى على اساس مستوى الاداء اللغوي.
أن المشاكل البيداغوجية التي تعاني منها الجامعات حاليا هي التي تعيق تطوير التدريس مزدوج اللغة، ومعالجتها بصورة صحيحة تجعل الجامعات مؤهلة للاستجابة لمتطلبات المجتمع في عصر العولمة وفي مجال العلم والمعرفة والمهارات. يتطلب التدريس بلغتين تدريب اعضاء هيئة التدريس نظريا وعمليا وتطوير قابلياتهم في اللغة الانكليزية بالاستناد على سياسة ارسال المدرسين لفترات دراسية لا تقل عن ستة اشهر الى الدول الناطقة باللغة الانكليزية، واقامة دورات تدريبية بداخل الوطن بالتعاون مع المجلس البريطاني والمعاهد الاجنبية المتخصصة بتعليم اللغة الانكليزية.
خلاصة القول، ان تدريس المناهج العلمية باللغتين العربية والانكليزية يجب ان يكون لغرض تحسين تأهيل طالب الطب والهندسة والعلوم والاقتصاد مهنيا واكاديميا وبصورة متكاملة في موضوع اختصاصه وليس لغرض تأهيله لغويا.

الجزائرية للأخبار

أضف تعليقك

اضغط هنا لإضافة تعليق