دراسات و تحقيقاتمجتمع

هل للجريمة حسنات ؟ … المجرم قوة إنتاجية

الهيموت عبدالسلام

إذا كان الكاهن يُنتج المواعظ، ورجل الدين ينتج الفتاوى، والفيلسوف ينتج الأفكار، والعامل ينتج الثروة، والفلاح ينتج الغذاء، فإن المجرم ينتج الجريمة.
إذا تخلينا عن الأحكام المسبقة والصور النمطية عن المجرم فإننا سننتهي إلى أن المجرم قوةٌ منتجة داخل المجتمع ،المجرم لم ينتج الجريمة فقط بل أنتج القانون الجنائي ،وهو الذي أنتج الأستاذ الذي يدرس مادة القانون الجنائي والجريمة ، إن المجرم هو من ينتج جهاز الشرطة والمحاكم والقضاة والمحامين والمحققين والمؤسسات السجنية …

حين يُنكر المجرم ما قام به فهو يخضع للتعذيب ،وحين يتزايد التعذيب يتزايد إنتاج آلات التعذيب من هراوات وسلاسل وكرابج ومقصلات والكرسي الألماني وبساط الريح والدولاب و أدوات الصعق الكهربائية ،المجرم يكون بِفعله الإجرامي قد حرك سوقا كبيرا من صنع آلات التعذيب التي يعمل العمال والكادحون على تصنيعها ،وكلما زاد نشاط المجرم كلما زاد الطلب على هذه الآليات ،وكلما زاد الطلب على هذه الآليات كلما ساهم المجرم بجرائمه في الاقتصاد الوطني .

حين تتزايد الجريمة يتزايد الطلب على بناء المحاكم وعلى المحامين وعلى القضاة وعلى بناء المؤسسات السجنية ،حين تتزايد الجريمة تحتاج الدولةُ إلى المزيد من بناء المستشفيات والممرضين والأدوية لاستيعاب ضحايا الجريمة.
حين تتزايد الجريمة يظهر متخصصون ومحللون في علم الإجرام وجمعيات مدنية وتقام لنفس الأمر مؤتمرات ندوات ولقاءات ومؤتمرات وطنية ودولية .

المجرم لا يقطع الرتابة ولا يكدر صفو الحياة المخملية للبورجوازية فقط ،بل هو محرك للإنتاج المادي والرمزي ،ويعطي دفعةً كبيرة للقوى المنتجة الراكدة والمعطلة للاشتغال ، المجرم هو من يحرك صناعة السكاكين والسيوف والسلاح الناري(أدوات الجريمة ) ،وهو من يحرك جهاز العدالة بكل أركانه ، والمؤسسة العقابية بكل مكوناتها ،المجرم من يدفع على الطلب المتزايد على تخصصات علم النفس وعلم الاجتماع لفهم نفسية ودوافع المجرم ،المجرم هو من يحرك الدولة لإرسال لجان للقيام بدراسات مقارِنة حول الإجرام في دول أخرى ،المجرم من يخلق الحاجة للحراسة الخاصة فتقام لذلك شركات خاصة لحماية أمن الأشخاص والممتلكات .

المجرم من يخلق العديد من فرص الشغل ليس للباحثين عن شغل في مجال العدالة من محامين ومحققين وقضاة ومشرعين وموظفي السجون وفقهاء…بل إن المجرم هو من يعمل على ازدهار صناعة الكتب في القانون الجنائي والأدب وفي النصوص المسرحية والدراما والسينما والروايات ،أليست جريمة المجرم من كانت وراء كل الأعمال الروائية الكبرى : أوديب لسوفوكليس ،الجريمة والعقاب لديستوفسكي ،اللص لشيلر ومئات الأعمال في مجال الجريمة الغامضة لأكاتا كريستي وغيرها ؟
المجرم بجرائمه مَن عمِل على ظهور خبراء الكيمياء الجنائية ،وخبراء السموم ،وخبراء المخدرات،وخبراء فحوص العوامل الوراثية ،وخبراء بصمات الأصابع ،وخبراء الخطوط اليدوية، وخبراء آثار الأسلحة النارية على المقذوفات، خبراء التصوير الجنائي، ، خبراء التزييف، والأطباء الشرعيون،وفنيو بصمات الروائح ومدربو الكلاب على اشتمام الروائح …

أليس المجرم من كان وراء تجارة الأقفال والصناديق الحديدية وحتى الأسلاك الشائكة ؟
أليس بسبب المجرم المزيف تطورت صناعة الشيكات تلافيا للتزوير؟
هل كان لصناعة المجهر في عالم التجارة أن تكون لو لم يكن هناك مجرمون مزيفون؟
أليس المجرم مَن كان راء تطور الكيمياء التطبيقية التي تعمل دون تزييف السلع؟
أليس المجرم كان من وراء صناعة الكاميرات المغروسة في كل مكان ؟

كما الجريمة قوة إنتاج ومحركة للدورة الاقتصادية وفاعلة أساسية في البنيتين الفوقية والتحتية للمجتمع ومساهِمة في خلق العديد من فرص الشغل ومن المهن والتخصصات العلمية والتعبيرات الأدبية والفنية ،فإن الجريمة صنعت كذلك كيانات وأمبراطوريات ( إسرائيل وأمريكا … ).
أليست شجرة الشر هي ذاتُها شجرة المعرفة ؟؟

* المقال من وحي وبتصرف في مقال لكارل ماركس حول “الفوائد الثانوية للجريمة”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق