رأي

هل سيسيطر مجانين على العالم بعد وباء كورونا؟

رابح لونيسي

حذرنا في عدة مقالات سابقة بأن العالم سيعيش بعد وباء كورونا وضعا مشابها إلى حد ما لعالم ما بعد الأزمة الإقتصادية1929، كما حذرنا من صعود المتطرفين إلى السلطة في عدة دول بنفس الطريقة التي صعدت بها النازية والفاشية إليها في ثلاثينيات القرن الماضي مستغلين الوضع الإقتصادي والإجتماعي المتردي، فبعد وباء كورونا سيعرف العالم صعود اليمين المتطرف في أوروبا وكذلك المتطرفين الدينيين في بعض بلدان العالم الإسلامي، فقد أثبت التاريخ بأن كل أزمة إقتصادية وإجتماعية خانقة تؤدي دائما إلى صعود المتطرفين الشعبويين والمتلاعبين بالعواطف الدينية والوطنية وغيرها، كما تحدث في بعض الأحيان ثورات ناتجة عن الجوع التي تؤدي إلى الفوضى التي يستغلها الدكتاتوريين الفاشيين لفرض سلطتهم مستغلين رغبة الجميع في سلطة قوية تفرض الأمن والإستقرار.
فلنتصور مثلا ماذا سيقع في حالة وصول اليمين المتطرف في شمال المتوسط إلى السلطة بسبب الأزمة الإقتصادية والإجتماعية الخانقة الناتجة عن كورونا في نفس الوقت الذي سيصعد فيه متطرفين دينيين إلى السلطة في جنوب المتوسط؟، فأكيد سيحدث صدام حضاري كبير بين ضفتي المتوسط الذي سينحدر إلى العنف الدموي المدمر، والذي سيتخذه متطرفو بلدان شمال المتوسط كذريعة لإحتلال بلدان جنوب المتوسط، وذلك ليس فقط بسبب تهديد التطرف الديني والإرهاب لها كما ستدعي، وتتخذها كذريعة، بل لأنها سترى ذلك كحل لتلك الأزمة الإقتصادية والإجتماعية التي ستعاني منها دول شمال المتوسط، فللتاريخ ألم يكن هيجان لجائعين في باريس وتهديدهم للسلطة هناك أحد أسباب إحتلال الجزائر في 1830 للتخلص منهم وإرسالهم إليها لنهب ثرواتها، وأيضا لكي ينقد الملك شارل العاشر عرشه، أفلم يدعو الكثير من المنظرين الإستعماريين الأوروبيين في القرن19 كالفرنسي ألفريد فاهل Alfred Wahl والبريطاني سيسيل رودس Cecil Rhodes على سبيل المثال لا الحصر إلى إحتلال بلدان للتخلص ممن أسموها ب”ثورات الجياع والبؤساء” في أوروبا ؟.
يبدو أنه قد غاب للأسف الشديد عن العالم المنشغل بمواجهة وباء كورونا التفكير في تداعيات أزمة إقتصادية وإجتماعية خانقة على مستقبل العالم وأمنه وسلامته، فليضع في حسابه إمكانية وصول متطرفين مجانين إلى السلطة لايقيمون أي وزن للإنسان، خاصة في دول تمتلك ترسانة من الأسلحة النووية التي ستقع مفاتيحها في يد هؤلاء الذين يمكن تسميتهم ب”المجانين” الذين يتصرفون بعنجهية ولايقيمون أي حساب أو وزن لإنعكاسات تصرفاتهم.
نعتقد أنه سيعود بقوة ذلك القلق الإنساني الذي عرفه العالم بعد ظهور السلاح النووي والخوف من إستخدامه، مما سيؤدي بالإنسان إلى الدمار الشامل في حالة وصول هؤلاء المجانين المتطرفين إلى السلطة تحت غطاء الديمقراطية، فلنتذكر كيف فكر الإنسان وتساءل لو وقع السلاح النووي في يد ألمانيا الهتلرية كيف سيكون مصير الإنسان والبشرية آنذاك، وهم يحمدون الله أن أمريكا سبقتها إلى إنتاج هذا السلاح، لكن هل نسي هؤلاء أن حتى من يعتقدون أنهم عقلاء، فإنهم عندما يتم تهديد مصيرهم ومصالحهم، فإنهم لايتوانون عن إستخدام كل الوسائل لحمايتها بما فيها الأسلحة النووية، ألم تستخدمها أمريكا برئاسة ترومان في اليابان في أوت 1945 إلا لأنها خشيت أن يسبقها الإتحاد السوفياتي إلى هناك، فيسيطر على جزء من آسيا؟، ألم يهدد الجنرال الأمريكي مكارثي بإستخدام النووي ضد الصين الشعبية أثناء الحرب الكورية في 1950؟، ألا يمكن في حالة تهديد الصين للزعامة الأمريكية أن تلجأ هذه الأخيرة إلى إشعال حرب نووية مدمرة في شرق آسيا التي تعيش وضعا مشابها لأوروبا القرن19 وبدايات القرن 20 حيث نجد الصين محاطة بمجموعة دول معادية لها، وتمتلك أغلبها السلاح النووي؟.
سيعيد علينا عالم ما بعد كورونا بقوة طرح أسئلة السلاح النووي ومصير الإنسان ومستقبله في حالة وصول متطرفين مجانين إلى السلطة، كما سيعيد علينا سؤال نوقش بقوة وهو العلم والسياسة، فكلنا يعلم أن العلماء لم يكن هدفهم الحروب وصناعة الأسلحة بقدر ما كان هدفهم نبيل، وهو خدمة الإنسان، فألفريد نوبل Alfred Nobel مثلا أخترع الديناميت لتسهيل العمليات المنجمية ولتخفيف الأعباء عن عمال المناجم، لكن حول السياسي ذلك الإختراع إلى سلاح مدمر، مما جعل نوبل يندم على ذلك الإختراع، فجعله يتألم طيلة حياته بسببه، فوضع جائرة نوبل للسلام تمنح لكل من يخدم السلم العالمي، ونجد نفس الشيء عند مكتشف الطاقة النووية الفيزيائي الأمريكي روبرت أوبنهايمرRobert Oppenheimer الذي كان هدفه علمي وسلمي وخدمة الإنسان، وليس وضع العالم تحت رحمة سلاح نووي لو وقع في يد مجانين متطرفين سيدمرون الأرض والبشرية نهائيا، ألا يحق لنا اليوم وضع شروط أدق للوصول إلى السلطة كي لا يتحكم مجانين في العالم فيدمرونه، هذا ما سيدفعنا إلى إعادة النظر في الإنتخابات الديمقراطية غير المشروطة والمفتوحة للجميع بما فيها المتطرفين المجانين، والتي يمكن أن تكون سببا في تدمير العالم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق