رأي

هل تحب المصارعة الحرة الامريكية ؟

صلاح المختار

عندما كنا صبيانا في بداية الخمسينيات كنا نتلهف على مشاهدة افلام المصارعة الحرة الامريكية في دور السينما وكنا لانعرف انها مجرد تمثيل واتفاقات مسبقة تعدها شركات ربحية وانها ليست مصارعة حقيقية يتغلب فيها الاقوى والافضل تدريبا،ولهذا كنا نتحمس مع كل خطوة ونتخيل انفسنا احد المتصارعين فنفرح بانتصاره ونحزن اذا خسر! وبعد ان كبرنا عرفنا انها مجرد تمثيل لاغير تحدد فيه النتيجة مسبقا مقابل مال .ولكن ما يبقى الحماس هو تحوله مع الكبر الى ما يشبه خداع النفس بتواصل التصرف كانها فعلا مصارعة حقيقية ،وهنا نرى بذور خداع الذات ورفض الانسجام مع الواقع لدى كثيرين من كبار السن ! وفيلم ترامب وهو يصرع شخصا في حلبة تلك المصارعة ثم يحلق شعره هو مثال لهذا التمثيل.

هل العراك الامريكي الايراني منذ اسقاط الشاه وحتى الان هو مصارعة حرة ؟ الجواب كل المؤشرات الواقعية تؤكد نعم انه مصارعة حرة امريكية لاتختلف عن تلك التي كنا نعشقها ونحن صغار حتى لو تخللتها احيانا اعمال فيها ما يوحي بالعداء نتيجة غضب طارئ او لكمة غير متعمدة ،تذكروا ان ترامب وعد بان العقوبات في حزمتها الثانية التي بدأ تطبيقها يوم 5-11 ستكون الاقسى في التاريخ وانه لم يسبق وان فرضت اكثر قسوة منها ، وبين هذا الوعد وبين ما يطبق الان فجوة كبيرة جدا يمكن ملاحظتها بوضوح :

1-اول نسف لقسوة العقوبات هو قرار ترامب استثناء ثمانية دول منها والسماح لها بمواصلة استيراد النفط من اسرائيل الشرقية .فالدول الثماينة ومنها تركيا التي عدت البوابة الخلفية لافشال كل العقوبات التي فرضت على اسرائيل الشرقية سابقا والتي تبلغ قيمة تجارتهما اكثر من اربعين مليار دولار ،وهو مبلغ ضخم جدا بالنسبة لنظام الملالي يضمن له التنفس المريح نسبيا حتى في ظل اقسى مراحل تلك العقوبات ،والهند كذلك مستورد رئيس من اسرائيل الشرقية ويكفي استيرادها لتحييد الكثير من الاثار الصعبة للعقوبات ، واليابان وكوريا الجنوبية .

اما العراق فطبقا لعادل عبدالمهدي رئيس الوزراء فان العراق مستثنى من العقوبات وهذا امر غريب فعلا ويؤكد ان المصارعة الامريكية الايرانية هي مصارعة حرة فعلا ، لان العراق يقدم الدعم لنظام الملالي اكثر من تركيا فهو المركز الرئيس للقدرات الايرانية البشرية ( الميليشيات ) وهو السوق الرئيس للسلع الايرانية وهو المصدر الرئيس للعملة الصعبة سواء التي تنهب كل عام وبلغ مجموعها اكثر من 600 مليار دولار او التي تحول بطريقة الغش بواسطة بنوك او شركات تابعة لاسرائيل الشرقية . ويمكن الجزم بانه لو بقي العراق وحده مستثنى من العقوبات الامريكية فانها عقوبات فاشلة مسبقا وهذا ما تؤكده مصادر ايرانية رسمية بكل صراحة لهذا فان استثناء العراق من العقوبات هو تخفيف لشدتها الى درجة التحمل السهل لها .

2-اما تحديد مدة ستة اشهر كاستثناء فانه ضرورة لتحقيق التفاعلات المطلوبة من وراء نظام العقوبات وابرزها اعادة تجميل وجه اسرائيل الشرقية امام العرب والمسلمين وكل مناهض للامبريالية الامريكية والصهيونية في العالم فتصويرها على انها تتعرض لعقوبات امريكية بالغة القسوة يوحي للعالم بانها مناهضة لامريكا والصهيونية فعلا وتطمر صورتها الحقيقية وهي انها دولة احتلال عنصرية اشد تطرفا وخطورة من اسرائيل الغربية وهكذا ترمم صورتها المشققة ويزول قبحها او بعضه وتعزز معنويات نغولها العرب ويزداد دعم العالم التقدمي لها وهي تطورات تعزز قوتها الداخلية المتضعضعة .وبنفس الوقت تجري عملية مناقضة كليا وهي شيطنة السعودية ودول الخليج العربي من خلال التركيز على الاتصالات بين اسرائيل الغربية ودول خليجية واعتبار تلك الصلات (الدليل الحاسم على ان السعودية ودول الخليج تقف في المعسكر الصهيوني والاستعماري) وهو تصوير يكفي لعزلها وجعلها معزولة عن الجماهير العربية ، وفي نهاية الستة اشهر او قريبا من ذلك تبدأ الخطوة الاخرى ولكن ليس ضد اسرائيل الشرقية بل ضد السعودية ودول الخليج العربي بادخالها القسري في نادي ربيع العرب مثل سوريا واليمن وليبيا.

3- قضية خاشقجي ضخمت بطريقة لاتسمح الا بتوقع وجود خطوة كارثية قادمة ضد السعودية ودول الخليح العربي كلها تعد لها امريكا اصلا وبدعم اطراف مختلفة منها الاسرائيليتين الشرقية والغربية.

4-امريكا لن تدافع عن السعودية ولا عن غيرها بل هي من يحرض ويلفق التهم ضدها او يورطها في خطوات تبدو مفيدة لكنها لغم قاتل ، لانها تريد الاستيلاء التام على كل ثروات السعودية ودول الخليج العربي بكافة الطرق حتى بمصادرتها بحجة ان السعودية لم تعد موجودة – طبعا بعد تنفيذ خطة تقسيمها – وهذا بالتأكيد سيشمل كل دول الخليج العربي حيث ستنتهي كدول وتصادر اموالها . وكل وعد بالدفاع عن السعودية ودول الخليج عبارة عن كلام مجرد من الفعل .

5- الخطوة الحاسمة ستقوم بها اسرائيل الشرقية مسلحة بسمعة طيبة زائفة وهي (انها تقاتل ضد امريكا والصهيونية واتباعهما خصوصا السعودية ودول الخليج العربي) ولهذا فان الاوراق سيزداد خلطها وهو حال سيسمح بغزو مكة والمدينة من قبل اسرائيل الشرقية وسيعقب ذلك اعلان الاماكن المقدسة منطقة دولية كالفاتيكان ،وهو مطلب ثلاثي الشر المطلق امريكا والاسرائيليتين الغربية والشرقية ، وستجري عملية نبش تاريخ الاسلام وتعاد كتابته بصورة تناقض ما نعرفه الان ، هل هذا كل الخطر ؟

كلا فما خطط اوسع،لان غزو الاراضي المقدسة في السعودية من قبل طهران وسط صمت امريكي عالمي او دعم مفتوح من قبل اطراف كثيرة خطوة نحو اعادة تشكيل العالم الاسلامي لتنتهي حالة وجود اقلية شيعية واغلبية سنية فيه وحصول تقارب في النسب بينهما ! فما يجري منذ غزو العراق وحتى الان هو عمليات توسيع التشيع الصفوي بدعم غربي صهيوني واضحين مقابل تراجع التسنن السلفي بدعم نماذج سلفية ارهابية منفرة ،او هكذا يصور الامر ، والهدف هو الوصول الى توازن جديد اساسة تقارب نسبة السنة والشيعة ومن هنا تبدأ الخطوة الغربية والصهيونية الاخرى وهي حروب العالم الاسلامي الداخلية والتي ستكمل تدمير ما بقي منه ويتولى الغرب والصهيونية دور صب الزيت على نارها .

6-هذه الخطة الصهيوامريكية تبدو الان مدعومة من روسيا والصين وبعض اوربا لانها ضمانة انهاء صداع وجود عرب مهما ضعفوا فانهم اصحاب الحق في فلسطين وهم اصحاب الثروات ولديهم ثلتي الطاقة العالمية ، وكل ما يقال عكس ذلك كوعد ترامب بأنهاء الخطر الايراني هو للخداع لابقاء الضحايا وهم العرب ساكنين ينتظرون الفرج والانقاذ من مهندس ابادتهم وتقويض دولهم وتشريد شعبهم .

7- ما حدث في العقود الاربعة الاخيرة من تطورات خطيرة صبت في صالح الاسرائيليتين الشرقية والغربية وكل ذلك تم بفضل خطة دعم (التشيع الصفوي ضد التسنن السلفي) وهنا نرى الهدف الواضح من دعم الغرب واسرائيل الشرقية للقاعدة وداعش فهما خير من يعزز الدعم العالمي للتشيع الصفوي والذي يصور على انه يقاتل ضد القاعدة وداعش ، وما عودة ظهور داعش في سوريا وشمال العراق الا احد الادلة القاطعة على وجود مصارعة حرة امريكية ! اليكم ماقاله صحفي بريطاني محترف وله صلات قوية بصناع القرار في الغرب في مقال كتبه في 13-1-2006 ونشره في صحيفة الغارديان البريطانية ، قبل 12 عاما ، عنوان موح جدا وهو : ايران اسرائيل ستصبحان ملكا غابة الشرق الاوسط (Iran and Israel will be kings of the Middle East jungle ) . وفيه يؤكد استنادا لاراء قادة عسكريين وخبراء بان (غزو العراق سيكون منصة تستخدم لاعادة تشكيل كل الشرق الاوسط ، واتساع الصراعات الطائفية والاثنية وهو ما سيؤدي الى سيطرة ايران واسرائيل على الشرق الاوسط ).

هذا المقال ليس سوى احد المؤشرات القديمة التي بشرت بما يجري الان حتى وان كتب بطريقة تخدم الهدف المخايراتي الغربي وهو اخفاء الدور الامريكي الحقيقي في كل ذلك ونسب التحولات الى قوة الاسرائيليتين الشرقية والغربية! وثمة عشرات الوثائق والادلة التي تؤكد وجود مخطط امريكي صهيوني لسحق العرب وقوميتهم ودعم الفرس وقوميتهم ضد العرب ، ومقال الصحفي التركي المقرب من الحكومة إبراهيم قراغول المنشور في صحيفة (يني شفق) 5نوفمبر 2018الذي قدم له بعناوين مثيرة منها : استعدادات “حرب الخليج الكبرى”: الفخ* *نُصب للسعودية. مستقبل مكة والمدينة: جدال حاد بانتظارنا* ويقدم فيه تفاصيل مسربة عمدا عن مخطط غزو وتقسيم السعودية بواسطة اسرائيل الشرقية .

واضح ان نظام العقوبات في مرحلته الثانية كشف ما كان مستورا وينكر وهو ان امريكا لاتريد حربا ضد ايران ولا اضعافها الان مادامت تخدم اهدافا مازالت ضرورية ومنها انهاء السعودية ودول الخليج العربي وتنفيذ خطة قديمة لجعل الخليج العربي سوقا تجارية ضخمة لادول فيها حتى وان بقيت نماذج صورية منها . وما اصرار امريكا على دعم عادل عبدالمهدي مع انها تعرف مسبقا انه سيفشل في تشكيل الحكومة الا احد المؤشرات على وجود فصل مثير في المصارعة الحرة الامريكية .

السؤال الجوهري الان هو : هل حقا امريكا مضطرة لاستثناء الدول الثمانية خصوصا تركيا والعراق ام ان ذلك ضمانة لعدم انهيار اسرائيل الشرقية فعلا ؟ الجواب : لو ارادت امريكا انهاء نظام الملالي لانهته منذ عقود لانها تملك كافة متطلبات ذلك ولكنها هي واسرائيل الغربية المستفيدان الاساسيان من دوره في تدمير الاقطار العربية وزرع الفتن الطائفية فيها لهذا استثنت من يستطيع جعل العقوبات مجرد مصارعة حرة تقترن بتوفير الشروط النفسية عربيا واقليميا وعالميا لغزو السعودية بأقل اعتراض عربي وعالمي . فهل نعيد النظر كعرب ونحدد كيفية الحاق الهزيمة بهذه المخططات ونحن قادرون على تحقيق النصر دون شك ؟