أحوال عربية

هل التسوية بين القوى المتحاربة في اليمن ممكنة ؟

منذر علي
ـــــــــــــ

مادام الحسم غير ممكن لطرف من الأطراف المتصارعة في اليمن ، والصراع مرهون بدعم القوى الخارجية المتعارضة ، إيران من جهة والسعودية والإمارات من جهة أخرى ، فلا يمكن حل الأزمة القائمة في اليمن، إلاَّ إذا قَبِلَ اليمنيون المتحاربون في الميدان بالوقف الطوعي للحرب ، رفقة بأنفسهم ، واحترامًا لشعبهم اليمني، المنكوب بالنخب الفاسدة والجاهلة والمجرمة والتابعة للقوى الخارجية ، وطالبوا ، بل وأجبروا نخبهم، من الصف الأول والثاني ، المعطوبة ، بكل الأمراض السياسية والاجتماعية ، التخلي عن السلطة ، و البحث عن لجوء سياسي في إيران والإمارات والسعودية ، للإقامة الدائمة هناك، وترك الشعب اليمني وشأنه ، لكي يقرر مصيره بنفسه ، ويتمكن من انتخاب قيادات مقتدرة ، تساعده على تجاوز الكارثة القائمة ، وإقامة دولة يمنية مستقلة ، تستند على القانون و قيم العدل والحرية والتقدم.
جماعات حزبي الإصلاح وأنصار الله، و أقصد هنا القيادات المهيمنة ، وليس القواعد العادية ، لن يتفقوا ولن يتوافقوا في الوقت الحاضر ، ولا في المستقبل القريب ، و لا حتى في المستقبل البعيد. وهذا ليس رجمًا في الغيب ، ولكن هذا ما تؤكده وقائع التاريخ ، عندما تنشب المعارك بين القوى المتخلفة على أسس دينية ، وتجد من يساندها خارجيًا لغايات سياسية توسعية.
فالبروتستانت والكاثوليك ظلوا يتحاربون مئات السنين ، وذهب ضحية حروبهم الملايين من البشر ، وخاصة في حرب الثلاثين عامًا في أوربا ، ولم يتفقوا طوعًا ويتوقفوا عن الحرب من ذات أنفسهم، ولكنهم أجبروا على الاتفاق من قبل القوى الاجتماعية الجديدة الصاعدة في المجتمع الغربي، التي ضاقت بهم ورفضتهم.
كما أن القيادات الدينية المتناقضة في اليمن ، مثل عبد الملك الحوثي وعبد المجيد الزنداني لا يتمتعان بحكمة علي بن أبي طالب ، و معاوية بن أبي سفيان ، اللذان لم يختلفا فحسب ، ولكنهما تصارعا بالسيف ، في موقعة الجمل ، وظل أبناؤهما وأحفادهما وأتباعهما من بعدهما ، يأكلون بضعهم بعضًا حوالي ألف وأربع مائة سنة.
ولكن لنفترض ، من باب الجدل ، أن توقعاتي المتشائمة خابت، وأتفق الزنداني والحوثي ، وتصالحا ، حتى ظاهريًا ، بسبب الظروف السياسية الصعبة المحيطة بهما في الوقت الحاضر، جراء الأوضاع السياسية القائمة في السعودية ، عقب مقتل الصحفي جمال خاشقجي ، والأزمة الاقتصادية المتنامية في إيران، عقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، فسيكون ذلك أشد خطرًا على اليمن من وباء الطاعون.
ذلك لانَّ القوى المتخلفة في اليمن ، المعطوبة بالخرافة والأحقاد السياسية والتطرف الديني ، لن يُصوِّبوا بنادقهم ضد الإمارات والسعودية وإيران ، كما يتوهم البعض ، ولكنهم سيعتمدون على إحدى القوى الخارجية، وسيلعقون أخذيتها ، بمجرد الإشارة إليهم بالاستحسان الخادع ، وسيسعون لخدمتها ، و سيوحدون قواتهم ضد قوى التقدم في اليمن ، سينتزعون ألسنة الشعراء ، وسيقطعون حناجر المغنيات والمغنين ، وسيفقئون عيون الحرائر، ولن يتورعوا عن ذبح الأحرار والمعارضين ، وتحويل الحسناوات إلى جاريات ، كل ذلك باسم الدين، بغية تمهيد الأرض اليمنية للاحتلال الخارجي ، وبعد ذلك سينتقمون من بعضهم البعض ، وخاصة بعد أن تحقق القوى الخارجية أهدافها وتركلهم.

وهكذا سيَدخِلون الشعب اليمني في جحيم أشد هولًا من الجحيم القائم. هذه هي سمات الحروب التي تقودها قوى التخلف في التاريخ.
ولذلك فأنَّ حل الأزمة في اليمن لا يكمن في التصالح بين الإصلاح والحوثيين ، ولكن من خلال تحالف سياسي وطني واسع ، ينطلق من المدن و الأرياف ، ويشمل كل أرجاء الوطن، ويشمل الطلاب والمغتربين في الخارج ، ويكون عموده الفقري ثوار 11 فبراير 2011، وخاصة أولئك الصامدون في الداخل، الذين لم يتلوثوا بالمال السعودي والإماراتي والإيراني وغيره .
على أن يُقاد التحالف الوطني الجديد ، بالتوافق ، من قبل قيادة سياسية وطنية مقتدرة، تسعى لتشكيل كتلة شعبية واسعة ، تجسد التصالح الوطني الشامل ، وترتكز على أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر المجيدتين ، و تنتهج النضال السلمي ، و تدعو لوقف الحرب ، وإيقاف العدوان ، ومحاسبة المجرمين ،و مناهضة العدوان السعودي والإماراتي والإيراني على وطننا، وإعادة بناء اليمن على أسس عصرية، كما جرى في جنوب أفريقيا، بعد فترة طويلة من الصراع العنصري البغيض، وحينها فقط ستكون هناك سلطة شرعية، تجسد مصالح الشعب اليمني.
للمزيد من التفاصيل أنظر مقالتنا في الموقع ، المنشورة في تاريخ 7 مايو 2017، بعنوان : اليمن والمخرج من المأزق.