أحوال عربية

هل أنتصرت ثورة الشباب ؟

صلاح المختار

في الحروب عندما تدمر القوة الستراتيجية للعدو من سلاح او مطارات او ذخيرة او بشر تتركه معتمدا على ما في يديه فقط وهي قوة محدودة ستتبخر تدريجيا ولن يضاف لها دعما، فتصبح هزيمته محققة، والان الثورة الشبابية نجحت بصورة حاسمة في تدمير القوة الستراتيجية الاعظم للمشروع القومي الفارسي وهو الذخيرة العراقية التي اعدت لتكون القوة الاساسية للاستعمار الفارسي، فكيف تم ذلك ؟ وما هي مظاهره؟

1-لنحدد اولا نقطة الضعف القاتلة في المشروع القومي الفارسي وهي ان الفرس ورغم عنادهم وضعف عقلانية تفكير نخبهم عندما يتعلق الامر بتوسعهم الاستعماري هي انهم عاجزون عن القتال الطويل والحاد خارج وطنهم حتى وان ابدوا عند الانطلاق اندفاعا قويا،فما ان يواجهوا قوة ذات معنويات عالية ومؤمنة حتى تنهار قواهم وتتبخر حماستهم تدريجيا. ولعل مثال الحرب التي شنها خميني على العراق يقدم لنا افضل دليل على صحة ذلك،فرغم ان نظام خميني تمتع بأفضل أمتياز حربي وهو وجود ملايين الايرانيين المستعدين للموت بأشارة منه، وهذا رايناه في الموجات الانتحارية للايرانيين الذين كانوا يأتون بالالاف بالدراجات البخارية والركض وبسلاح وبدون سلاح ويهاجمون القوات العراقية وهم مخدرون بغسل الدماغ والمخدرات ايضا، وكان ذلك يصيب الجنود العراقيين بصدمات نفسية لانهم كانوا يرون تلالا من جثث الايرانيين تتراكم امامهم،لكن هذه الموجة انتهت بهزيمة ماحقة ومذلة للايرانيين وكان ابرز تجلياتها قول خميني مكرها: (بانني اقبل وقف اطلاق النار وكأنني اشرب السم الزعاف ).

ازدواجية الشخصية الفارسية (العناد الحاد ونقيضه الانهيار الحاد) ما كان لها ان تطغى لو لم يبدي العراق وشعبه صمودا وشجاعة لامتناهيتين تجاه هجمات اسرائيل الشرقية عليه فتوقف العناد عند حدوده وبدات تداعيات هذا الاكتشاف تظهر حتى وصلت حد التيقن بان الاستسلام افضل من الموت بنار عدو لايستسلم. هذا الدرس تذكرنا به حادثة تاريخية شهيرة وهي ان هاشمي رفسنحاني الرئيس الايراني دخل على خميني وقال له (مولانا الجيش العراقي سيدخل الاراضي الايرانية مجددا وقواتنا انهارت ولم نعد قادرين على مواصلة الحرب فيجب قبول وقف اطلاق النار والا سنجد الجيش العراقي في طهران ). فاستسلم من عد الاكثر عنادا وشعبية وقوة ، وهذا درس يجب تذكره دائما ونحن نتقاتل مع الفرس لانه مفتاح النصر.

2-الثورة تجاوزت احتمالات الفشل وتسلقت قمة النصر التاريخي حتى مع بقاء نظام التبعية حتى الان،فقد مرت اربعة شهور مترعة بالتضحيات السخية من الشهداء والجرحى والمفقودين،ولم يتراجع الثوار ابدا عن هدفهم الاسمى ومفتاح النصر والخلاص وهو انهاء الاستعمار الايراني وبدايته الحتمية انهاء الميليشيات التابعة له، وبهذا حققت الثورة اهم الاهداف وهو الوصول الى نقطة اقناع الفرس بان الثوار في العراق لن يستسلموا ابدا ومهما كانت التضحيات ، مقابل تبدد قوى اسرائيل الشرقية بسقوط الحجر الاول من دومينو المخطط الاستعماري الايراني وهو الحجر العراقي الذي اخذ يسقط على ما وراءه وسيسقطه بحتمية لامفر منها تبعا لقوانين فيزياء لعبة الدومينو. ولذلك نسال مجددا:ما الذي اسقط الحجر الاول في لعبة الدومينو وسيسقط بعده حتما بقية الاحجار بحكم اليات لعبة الدومينو؟

3-راهنت الخمينية وبعدها الخامنئية على تغطية نقطة الضعف القاتلة في المشروع الفارسي وهي عجز الفرس عن القتال خارج وطنهم الاصلي باختيار الستراتجيية الصهيونية نفسها وهي القتال في الخارج ولكن بأدوات غير فارسية،وهي ما يسمى ب(الحاضنات) التي تتولى القتال والدعم نيابة عن نخب الفرس وبأمر منها،اضافة لحقيقة اخرى تميز المشروعين الاستعماريين الفارسي والصهيوني وهي انهما كلاهما يفتقران للموارد المادية لقيام مشروعهما ويعتمدان على موارد العرب المادية من مياه واراض زراعية وثروات معدنية وغيرها،فكانت ستراتيجية الصهاينة تتمثل في (ارضك يا اسرائيل من الفرات الى النيل) والمشروع الفارسي (نشر الثورة الاسلامية) تعبيرا عن هذه الحاجة الحتمية فان فشلا في حيازة موارد العرب انهار المشروعان .

4-خطة الحاظنة اذا تقتضي تحقيق ضمانتين اساسيتين لاغنى عنهما :الضمانة الاولى ان يكون تحت قيادة النخب القومية الفارسية عرب منظمون في ميليشيات تنفذ الخطط والاوامر الفارسية وكتل شعبية داعمة لها تغذيها ،والضمانة الثانية ان تسيطر هذه الكتل والميليشيات على موارد العراق وتسخرها لخدمة اهداف الاستعمار الفارسي. وبدون هاتين الضمانتين ينهار المشروع الفارسي.والثورة العراقية نجحت في اسقاط فكرة الحاضنة بتفجير الثورة في جنوب العراق وهو مكانها المفترض طبقا لحسابات المشروع الفارسي، فأثبت اهل الجنوب بأنهم عرب اولا وقبل الدين والطائفة وان عروبتهم هي هويتهم السيدة . واسقاط نظرية الحاضنة افضى الى نتيجة خطيرة اخرى وهي بدأ عملية انهاء استيلاء الفرس على موارد العراق التي كانت تشكل نسبة تزيد على80% من موارد اسرائيل الشرقية التي تستخدمها لتغذية توسعها في الاقطار العربية. وكان هدف وشعار ( نريد وطن ) الذي رفعه الثوار بأصرار ثابت تعبير دقيق عن رفض جعل العراق حاضنة ومنع استخدام موارده لدعم الاستعمار الفارسي في ان واحد.وبسقوط الحاضنة وظهور مقدمات توقف الموارد العراقية يكون الاستعماري الفارسي قد وصل حالة جيش فقد قوته الستراتيجية من السلاح والرجال ولم يبق له الا كتائبه المحدوة وهي تتناقص تدريجيا مع كل معركة .

5- هذا التغيير هو الذي دفع خامنئي لاصدار اوامره باستخدام العنف في اقسى اشكاله لقمع الثورة ، وكان اختيار مقتدى الصدر لتنفيذ المرحلة الحالية من الخطة الايرانية احد ابرز ادلة ضمور خيارات اسرائيل الشرقية لانها وضعت التيار الصدري كأحتياطي ستراتيجي لايستخدم الا كأخر حل. والحقيقة الاساسية الان التي اخذ يراها بصورة متزايدة كل مراقب او مشارك في الثورة هي ان قوة الميليشيات تتأكل وتتقلص يوميا مقابل اتساع مشاركة الجماهير في االثورة خصوصا الزيادة ذات الاهمية الخاصة للنساء في الثورة،وهو تطور يعزز بقوة هائلة معنويات الثوار وبنفس الوقت يعجل بانهيار من تبقى مع الغزو الفارسي.

6-بتجريد اسرائيل الشرقية من المراهنة على وجود حاضنة لها في العراق وبالتقلص الهائل في اعداد الميليشيات خصوصا بعد ترك اغلب جماهير الصدريين لجيش المهدي وسرايا السلام وعزل مقتدى والهتاف ضده مباشرة من قبل الكثير من انصاره السابقين(لا الله الا الله مقتدى عدو الله)،تحقق للعراق اهم الانتصارات الستراتيجية وسقطت قطعة الدومينو العراقية على ما بعدها في لبنان وسوريا واليمن ما سيؤدي الى تساقط احجار تلك الاقطار حتما في عملية متتابعة لن تستطيع لا اسرائيل الشرقية ولا اسرائيل الغربية ولا الغرب ايقافها لسبب بسيط هو انها جوهر عملية الدومينو المتحكمة بالصراع الان .

7-تلك هي ضمانة النصر االنهائي وهي تتويج طبيعي للنصر الذي تحقق الان وهو تجريد اسرائيل الشرقية من اهم عوامل توسعها وبروز قوة صد شعبية صامدة هي الثوار الذين ابدوا استعدادا عظيما للتضحية وعدم التراجع صدم خامنئي وبث الرعب في صفوف الفرس ونغولهم العرب في العراق وغيره. ولا يقتصر الامر على ذلك فالصراع الحالي تم فيه النصر ليس بدعم خارجي عربي او دولي بل بقوة وتضحيات الثوار اولا واخيرا لان دعم البعض كان مجرد كلمات بدليل تأييد الغرب والامم المتحدة لاختيارمحمد علاوي لرئاسة الوزارة في حين ان نفس الجهات تحفظت على نجاح البرلمان اللبناني بدعم وزارة احسان دياب!وهو تعبير واضح عن موقف غربي اساسه منع تحول الانتفاضة الى ثورة جذرية تحرر العراق ثم تتعاقب عملية سقوط احجار الدومينو العربية وفي هذا تهديد لمصالح قوى عديدة. لقد حققت الثورة العراقية كل تقدمها بقوتها الذاتية ودعم الشعب للشباب الثائر وليس بفضل اي دعم خارجي ولهذا ستستمر الثورة وتتعاظم حتى تسقط العملية السياسية وتنهي الميليشيات الايرانية،وهذا التحول النوعي في الصراع حسم لصالح حركة التحرر العربية على الاقل من زاوية اسقاط المشروع القومي الفارسي. انه الانجاز الاهم وهو تحول تاريخي اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان المشروع الفارسي لم يكن يتوسع بقوته الذاتية وانما بدعم الغرب والصهيونية له خصوصا عبر اسقاط النظام الوطني في العراق وتسليمه بطاقاته البشرية والمادية لنظام خامنئي . ويترتب على ذلك ان زخم الثورة الشبابية سيتغلب على كافة العقبات وستحقق الثورة هدفها الستراتيجي الاهم مرحليا وهو طرد الفرس من العراق وهي خطوة على طريق طويل فيه محطات نضال اخرى متتابعة .

الثورة العراقية جردت الفرس ونغولهم من المعنويات واخذت تمنع عنهم موارد قوتهم وما المحاولات الفاشلة لاطلاق قمر صناعي الا تعبير عن يأس نظام الملالي حيث يحاول رفع المعنويات المنهارة، واذا بقي على عناده سيموت جوعا وعطشا في صحراء العزلة الشعبية وصمود الثوار اللانهائي .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق