دراسات و تحقيقاتفي الواجهة

هكذا يُدَمِّرُ الفَسَادُ السِّيَّاسِيُّ الموارد الهامّة في العالَم الإفريقي

14 ديسميبر 1960 وقعت الجزائر على القرار الأمميّ رقم 1514 بحقّ الشعوب في تقرير المصير

تعتمد السياسات الاحتكارية التي تمارسها الشركات والمؤسسات الغربية العملاقة في إفريقيا على استنزاف الثروات الطبيعية لدى البلدان الإفريقية، لاسيما و هذه البلدان تعيش حالة انهيار الأنظمة السياسيةفافتقاد دول القارة إلى تنمية سياسية حقيقية هو سبب التخلُّف السياسي، وفي هذا السياق، تظهر نوعية الأنظمة السياسية (تسلطية) بما تحمله من تشوّهات في الممارسة الديمقراطية التي عرقلت عملية التحوّل الديمقراطي في القارة، و لذا بات الإصلاح السياسي من الضرورات الملحة، بل شرطًا أساسيًّا لنمو تلك البلدان من أجل عكس حركة إهدار الأموال و تعزيز الحوكمة والشفافية في إدارة الموارد النفطية التي يمكن أن تسهم في دفع عجلة التنمية في هذه الدول

ما الذي يقف اليوم عائقاً أمام تحقيق حلم النهضة الإفريقية؟ هو السؤال الذي طرحه أحد الباحثين في الشأن الإفريقي، فالنخب الحاكمة التي يُطلق عليها اسم “نخبة فرس النهر” فاسدة و تحاول التمسك بأهداب السلطة و استغلال ثروات البلاد و مواردها، مهما كان الثمن، فقطاع النفط يُعدّ أحد الموارد الهامة في الدول الإفريقية التي تفتقر إلى الإدارة الجيدة والحوكمة، لكنه يشهد فسادًا في العديد من البلدان الإفريقية، التي تعطي للشركات الأجنبية نِسَبًا عالية تصل إلى 70بالمائة من قيمة النفط مقابل التنقيب، في إطار إبرام عقود إذعان مع الشركات الكبرى، غالبًا ما يشوبها فساد حكومي، لأنها غالبا ما تكون خارج نطاق الرقابة الشعبية والبرلمانية، بما يُمثِّل استمرارًا للفساد بطرقٍ مختلفة، إذ لا يزال هذا القطاع تحوطه السرية والصفقات المشبوهة، والتي تؤدي إلى إعاقة جهود التنمية المستدامة، و لهذا تستمر الدول الغنية في استنزاف موارد الدول الفقيرة، مما شجع على الهجرة الغير شرعية من افريقيا إلى أوروبا و هذا كما يقول محللون يدل على فشل منظومات التنمية في تلك الدول، الظاهرة حسب الدراسات لها أبعادا سياسية و اقتصادية، باعتبار أن فقراء يأتون من القارة السمراء يُخاطِرون بحياتهم وحياة أطفالهم، فقط من أجل الرهان غير المأمون على حياة أفضل.

و تسجل الرحلات الطويلة الشاقة التي تكون في غالبها مشيا على الأقدام عدد كبير من الوفيات، وأظهرت أرقام 2017 زيادة نسبة التحويلات المالية إلى إفريقيا جنوب الصحراء بمقدار 10 بالمائة وهي الزيادة الأكبر حول العالم وهذا بسبب تنامي الهجرة من الجنوب إلى الشمال، خاصة في الفترة بين 2010 حتى 2017 ، فغالبية المهاجرين في العالم من إفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 31 بالمائة، أي بمعدل 25 مليون إفريقي من جنوب الصحراء يعيشون خارج أوطانهم و هذا ما يؤكد على تسارع انتشار ظاهرة الهجرة بسبب الحروب الأهلية و الثورات، و عدم الاستقرار السياسي ، كما تشير الإحصاءات 23 بالمائة من لمهاجرين الأفارقة أرسلوا إلى بلدانهم 625 مليار دولار في عام 2018، ما مثَّل زيادةً مقدارها 07 بالمائة، هذه الأموال التي تحول إلى بلدانهم الأم يعبر عن رغبة أولئك المهاجرين في العودة مرة ثانية إلى بلدانهم، لتحسين مستوى السكان المعيشي، بعيدًا عن العجز الحكومي لتلك البلدان، إلا أن الأموال المُحَوَّلَة بصورة رسميَّة والمودَعَة في بنوك الدول الإفريقية تظل رهينة البنوك بسبب الفساد السياسي والفشل الحكومي، وقد أدى الفساد إلى تآكل مداخيل المواطنين، وانهيار الطبقات المتوسطة في بلدان جنوب الصحراء، بالإضافة إلى سوء الإدارة الاقتصادية التي أغرقت هذه الدول في الديون، ففي عام 2013 بلغ إجمالي ديون دول إفريقيا جنوب الصحراء 385.268 مليار دولار ، وفي 2015 قفز المبلغ الإجمالي لديون دول إفريقيا جنوب الصحراء ليصل إلى 416 مليار دولار، و من ثَمَّ يجد المواطن نفسه مدفوعًا إلى الهجرة، سواء الشرعية أو غير الشرعية، للإشارة أن 33 دولة من بين 39 دولةً وضعها البنك الدولي في قائمة الدول الفقيرة المثقلة بالديون منها دولٌ إفريقيةٌ من جنوب الصحراء.

هكذا تكرس العولمة التخلف على دول أفريقيا

حسب الدراسة التي أجراها الأستاذ عربي بومدين أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، كلية الحقوق والعلوم السياسية جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف ، فقد تمّ تحديد التأثير الأساسي للعولمة في إفريقيا في تآكل مسألة «السيادة»، وخصوصاً في المسائل الاقتصادية والمالية، نتيجةً لفرض نماذج واستراتيجيات وسياسات التنمية على البلدان الإفريقية من قِبل المؤسّسات المالية الدولية، كصندوق النقد الدولي، إضافةً لتأثيرها في الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية والأمنية، فعلى المستوى الإقتصادي شكّلت مسألة الديون قضية جوهرية في تخلّف إفريقيا، حينما اضطرت بلدان إفريقيّة كثيرة إلى الاستدانة من الخارج لسدّ العجز في ميزان المدفوعات، و في الجانب الأمني شجّعت العولمة في إفريقيا إلى حدٍّ كبير نشاطات الجريمة المنظّمة، كتجارة المخدرات، والدعارة، والمواد الإباحية، وتهريب البشر، والإغراق بالنفايات الخطرة، واستنزاف البيئة، من قِبل رجال الأعمال عديمي الضمير.

المسألة الأكثر تعقيداً حسبه على المستوى الأمني تظهر أيضاً في الهجرة غير الشرعية التي انتشرت مع التبشير بقيم العولمة، حيث يتطلع الشباب الإفريقي إلى مستوياتٍ معيشية أفضل، تأثراً بالمظاهر الثقافية في بلدان الشمال، مع الغزو الثقافي والإعلامي، وفي ظلّ غياب التنمية، وضعف أداء الحكومات الإفريقية، ما يعاب على الدراسة في جانبها أفقتصادي هو أنا للم تتطرق إلى وضع الجزائر باعتبارها جزء من افريقيا، طالما أن مسالة لتنمية كما يقول هو من بين العوامل الأساسية في نهضة الإقتصاد الوطني في القارة ألإفريقية، وخروج دولها من نفق التخلُّف والتبعية، خاصة و أن الإمكانيات الطبيعية والمادية في الجزائر كعينة متوفرة إلى الحدّ الذي يمكّنها من أن تكون رائدة في مجال التصنيع والزراعة، ومن ثمّ التصدير وجلب رؤوس الأموال التي تحرّك عجلة التنمية، وتضمن مستويات عالية من الرفاه الاجتماعي، بعيداً عن الحرمان الاقتصادي الذي أثقل كاهل القارة الإفريقية، وأدخلها أتون حروب أهلية لم تجد لها مخرجاً، منذ العشرية السوداء إلى ثورة 22 فبراير 2019 .

فإفريقيا كما يرى الأستاذ سمير قط أستاذ علوم سياسية وعلاقات دولية جامعة محمد خيضر بسكرة تعد فضاءً جيوسياسيّاً بالغ الأهمية والحساسية بالنسبة للسياسة الخارجية الجزائرية، رغم ما عرفته من تحولات وقد اكتشف صنّاع القرار في الجزائر ذلك منذ الاستقلال، لذلك شدّدوا على حضور الجزائر في هذا المجال على كل المستويات، كما أن الجزائر منذ أيام الثورة تبنت سياسةً خارجيةً قائمةً على عدة مبادئ تلخصت في دعم حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، التسوية السّلمية للنزاعات و مساندة حركات التحرير في العالم، حيث ساهمت الثورة الجزائرية في إصدار القرار الأمميّ رقم 1514، المتعلّق بحقّ الشعوب في تقرير المصير والاستقلال وذلك في 14 ديسمبر 1960، خاصّة في عهد الرئيس بومدين، صارت الجزائر أحد أقطاب العالم الثالث بفعل خطابها الثوري، ما دفع الزعيم الإفريقيّ الثائر “أميلكار كابرال” إلى التصريح بأنه “إذا كانت مكّة قبلة المسلمين، والفاتيكان قبلة المسيحيّين، فإنّ الجزائر تبقى قبلة الثوار والأحرار”، فالجزائر أدركت أهمية الدائرة الإفريقية لحركتها الجيوسياسية منذ الثور، و لذا فالبعد الإفريقي للجزائر ذا أهمية، و ما تزال الجزائر إلى اليوم تحشد الجهود الإفريقية لمكافحة الإرهاب، فقد تمكّنت الجزائر من إقناع الدول الإفريقية بالتعاون لمكافحة الإرهاب، حيث أعدت مشروع اتفاقية مكافحة الإرهاب، وهو المشروع الذي صادق عليه وزراء عدل الدول الإفريقية بالإجماع، وحمل اسم: الاتفاقية الإفريقية لمكافحة الإرهاب.

أما في الجانب السياسي يرى الأستاذ عربي بومدين أن مسألة تداول السلطة تُطْرَح بإلحاح عندما يتعلّق الأمر بالحديث عن إفريقيا، فافتقاد دول القارة إلى تنمية سياسية حقيقية هو سبب التخلُّف السياسي، وفي هذا السياق، تظهر نوعية الأنظمة السياسية (تسلطية) بما تحمله من تشوّهات في الممارسة الديمقراطية بوضوح، وتصبح أحد المسائل الجوهرية المعرقلة لعملية التحوّل الديمقراطي في القارة، والواقع يثبت بوضوح أنّ عوامل كتزوير الانتخابات، والانقلابات العسكرية، وهامشية المجتمع المدني، متأصلة في العمل السياسي لدى الدول الإفريقية، و لم تجسد هذه الدول العلاقة الحقيقية بين الراعي والرعية لتحقيق الحكم الرشيد، فوجود التشريع لا يكفي وحده إذا لم يكن نابعاً من الشعب، وتتحقق فيه الفاعلية والعدالة والموضوعية، و انعدام هذه المبادئ ساهم بشكل كبير في تكريس الانتهاكات ضد الشعوب و امتدادها في أنحاء القارة الإفريقية.

فقد صُنّف عام 2016 الأسوأ في حقوق الإنسان الإفريقي، حسبما ورد في تقرير منظمة العفو الدولية عن حالة حقوق الإنسان في العالم، وحتى يستقيم الوضع في مواجهة مظاهر العولمة السلبية، ومعالجة تلك التشوهات، يعرض الأستاذ عربي بومدين وجهة نظره إزاء هذه المسألة مقدما بعض الحلول، إذ يقول أنه لا ينبغي استنساخ التجارب الديمقراطية الغربية (المعولمة)، ولكن من خلال إيجاد نموذج (سياسي/ ثقافي) متسق مع الهوية الإفريقية ومكوناتها المجتمعية؛ من أجل فعلٍ سياسي راشد، ومن ذلك: ( التداول السلمي للسلطة وفق ما تقتضيه الآليات الديمقراطيةن انفتاح الأنظمة السياسية، والقبول بالمعارضة السياسية، تعزيز سياسات الاندماج المجتمعي، وضع آليات التحكيم وفض المنازعات، التخلُّص من القبضة الأمنية والعسكرة و إعادة النظر في دور المجتمع المدني وتعزيز أدواره، و يقف باحث آخر في دراسة أجراها بعنوان: “أفريقيا جنوب الصحراء من الأزمة إلى النمو المستدام” ، إذ يرى أن الأزمة تتمثل في جملة من الأعراض هي: شخصنة السلطة، إنكار حقوق الإنسان الأساسية، انتشار الفساد وتفشّيه على نطاقٍ واسع، وجود حكومات غير منتخبة، ولا تخضع للمسائلة، و قد حان الةقت لتفعيل مشروع الحكم الراشد باعتباره أساس تحقيق الإستقرار.

علجية عيش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق