الحدث الجزائري

هذا هو “الكابوس ” الذي يؤرق السلطة …. شعب “طلق ” السياسة بالثلاثة

عبد القدوس م
ـــــــــــــــ
في بداية عام 2014 قبيل الانتخابات التشريعية الأخيرة، اشتعلت مواقع التواصل الإجتماعي بدعوات ” المقاطعة ” والإمتناع عن التصويت في آخر انتخابات تشريعية تشهدها الجزائر، الرسالة التي لم تفهمها السلطة في عام 2014 هي أن المقاطعة أو الامتناع عن التصويت، ليس على الأغلب سلوكا ضد السلطة أو النظام السياسي القائم، بل هو في حقيقته تعبير عن قرار من غالبية الجزائريية بـ ” تطليق ” السياسة بالثلاثة .
شارك نصف الأشخاص الذين بحق لهم الانتخاب في آخر انتخابات رئاسية وقعت في الجزائر قبل نحو 5 سنوات ، 51% فقط من الناخبين الجزائريين شاركو في انتخابات 2014 التي فاز بها الرئيس بوتفليقة ، وهو ما يعني أن نصف الجزائريين في تلك الانتخابات رفض المشاركة والتصويت، أما في الانتخابات التشريعية لربيع 2017 فإن نسبة المشاركة في الانتخابات انحدرت إلى 38% فقط اي بتراجع عن الانتخابات الرئاسية بنسبة 13%، هذا التراجع في عدد الجزائريين الذين ييشاركون في الانتخابات عام بعد آخر يعني أن فئة من الجزائريين غير مقتنعة بالعملية السياسية وجدوى التعبير عن التوجه السياسي في الصندوق الإنتخابي، ويعني ايضا أن الجزائري العادي انسحب من الحياة السياسية ، في السنوات التي اعقبت فوز الرئيس بوتفليقة بأول انتخابات اي بعد عام 1999 غير الشعب الجزائري، قناعاته السياسية تماما و تبدلت الخارطة السياسية، في الجزائر مع اختفاء كلي لما يمكن أن نسميها معارضة أغلب مكونات الساحة السياسية في الجزائر ، اصطفت “طوعا” في جنب السلطة، مقابل شعب لم يعد يثق في السياسيين ، أثنته عن المبادرة، تحت وطء الخوف من المغامرة، تارة، والرغبة في استيعاب معنى “الحياة الجميلة” ومحاولة محاكاتها بما تيسر، تارة أخرى، بعدما خسر سنوات عديدة من عمره، تائها في البحث عن الخطأ من الصواب.

السلوك الانتخابي الجديد الذي أبان عنه الناخبون الجزائريون في آخر انتخابات معبر عنها عامي 2014 و 2017 كشف عن شعب رافض للتغيير وحتى هؤلاء الذين أداروا ظهورهم لصناديق الاقتراع كانوا مقتنعين سلفا بالنتيجة وهم بذالك لا يبحثون عن المشاركة في انتخابات رئاسية او تشريعية يعرف الجميع نتيجتها قبل البداية ، المواطن الجزائري العادي اليوم يبحث عن ملجأ، ولا يوجد أفضل من السلطة الرسمية ملجأ ، نتيجة المشاركة الانتخابية في آخر انتخابات رئاسية وتشريعية ، والتي سجلت نسبة مشاركة 51,70 بالمائة، في الرئاسيات الأخيرة و 38.25% في التشريعيات الماضيىة تتطلب الفحض
و التحليل ، ليس لأنها أضعف نسبة مشاركة في اي انتخابات منذ الاستقلال، بل بسبب السلوك السياسي الجديد للمواطن العادي الجزائري ، فقد اثبتت الانتخابات أن نصف الشعب ” طلق السياسة ” بالثلاثة الآخر لم يصوت، ولما يمتنع نصف الشعب عن التصويت لاختيار المسؤول الأول عن البلاد ثم يقرر نحو 62 % من الجزائريين عدم المشاركة في انتخاب اعضاء البرلمان ، يعني أن شرائح واسعة ناقمة من الوضع، وما يؤسف له، أن هذه الوضعية لن تجد لها تفسيرا أو سعيا إلى تبرير، لا من وزير الداخلية نور الدين بدوي الموجود في المنصب منذي سنوات ولا من الحكومة بمجملها، حتى تتفادى البلاد وضعية مثيلة في المستقبل.
الواقع أن نتائج الانتخابات التشريعية دفعت الموالين للرئيس بوتفليقة إلى إقامة الأفراح والاحتفالات، تماما كما دفعت خصومه إلى إقامة المآتم والجنائز الرمزية.. هي نزعة انتقامية متبادلة، تماما كما بني المسار الانتخابي منذ انتقال الرئيس بوتفليقة للعلاج بباريس على الانتقام، و لا أحد من الفريقين سعا إلى فك ألغام الامتناع عن التصويت، وحتى المقاطعون لم يختبروا قوتهم، بمحاولة معرفة إن كانوا فعلا قد “نجحوا”، عبر محاولة طرق مخيلات هؤلاء الذين قاطعوا، حتى وإن صدقوا القول إن المقاطعة بلغت 80 بالمائة، لأنه إذا كان هؤلاء المقاطعون ينتمون إلى وعاء انتخابي لبى دعوة المقاطعة، فهذا يعني أن المقاطعة كانت بالدرجة الأولى سياسية، خاصة إذا تم قياس ذلك بتراجع نسبة المشاركة، وحسب الأرقام الرسمية دائما بـ22 بالمائة (من 74 بالمائة سنة 2009 إلى 51 بالمائة 2014).
والغريب في الأمر أنه غالبا ما قدمت السلطة مبررات “فوق العادة” عن ضعف نسبة المشاركة، بمقارنات غير منطقية، مثلما فعل وزير الداخلية الطيب بلعيز الذي تحدث في ندوة إعلان النتائج، الجمعة، عن دولة، لم يسمها لكنها فرنسا، حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة في محلياتها، بداية أفريل، 38 بالمائة، لكن مثل هذه المقارنات كثيرا ما لم تأت في مكانها، خاصة عندما نتحدث عن بلد يؤمن فيه المواطن بأنه فعلا يعيش في دولة مؤسسات، ودولة قانون، ودولة كرامته فيها غير قابلة للمساومة، سواء ذهب لينتخب أم لم يذهب، كما يعرف المترشح مهما كانت انتماءاته السياسية أنه تحت طائل المراقبة. ثم أن الأمر يتعلق بانتخابات محلية، يعرف المواطن الفرنسي أنها انتخابات لا تحدد توجهات دولته الكبرى، أما حقوقه فهي مصانة بموجب الدستور ملفوف بمناعة، وغير مرتبطة بصناديق الاقتراع.
أنتجت نسبة المشاركة ونسبة المقاطعة في الانتخابات الرئاسية، 17 أفريل، فارقا شاسعا في التوجهات الشعبية المرتبطة بالميولات الانتخابية لدى الجزائريين، بشكل صعب الفهم، حيال من الذي على صواب: هؤلاء الذين انتخبوا أم أولئك الذين قاطعوا؟ وبين هؤلاء الذين انتخبوا بوتفليقة والذين انتخبوا غيره، وهؤلاء الذين لم ينتخبوا أصلا؟.. صحيح أن الانتخاب سلوك تعبيري حضاري، عبر عنه ناخبون، لكن، أليس مشروعا التساؤل التالي: هل الممتنعون عن الانتخاب، قصّر في فهم أن الانتخاب سلوك حضاري أم أنهم واعون تمام الوعي بذلك، لكنهم يعتقدون أنه لا يمكن ممارسة سلوك حضاري في ظروف سياسية لا علاقة لها بالحضارة والسلوك المدني؟.. هناك خطان بتوجهات شعب، أبان عن عقيدة انتخابية متباينة والتباين بينهما خطر على المجتمع والدولة، نابع من خطر شيوع نزعة الكراهية والتطرف بين عشاق بوتفليقة وكارهي عشاق بوتفليقة.
ومهما يكن، فإن نتيجة المشاركة في الانتخابات ، والملاحظ أنها حاكت مشهدا نسب إلى السلطة قبل الانتخابات، أنها منقسمة بين الدافع إلى ترشح بوتفليقة لعهدة رابعة قبل سنوات وبين الرافض لذلك.. وصور هذا المشهد للشعب وللنخبة، على أنه حقيقي.