رأي

مُغتربون ، على قيد الأسرة

عبير الربيعي
ــــــــــــــ
في وقتٍ ليس ببعيد كانت الأُلفة العائلية دعامة من دعامات بيوتنا فإذا تشابهت الأيام كان الدفء والمودة يضفيان عليها رونقاً وبهجة وإذا بَهُتَت الحياة زينتها المحبة بألوانٍ من المسرات .
كان أفراد البيت الواحد يتحصنون ببعضهم ويستمد أحدهم قواه وعزيمته من الآخر فتنهار أعقد المشكلات وتهون أشد الصعوبات أمام صلابتهم وتكاتفهم ، لم يكن أحدهم يُترك ليخوض حربه لوحده ويكافح في معركة الحياة بمفرده بيد ان هذا لا يعني عدم إحتفاظ كل واحد منهم بإستقلاليته وخصوصيته ولو بالنُزر اليسير فنحن هنا في معرض الحديث عن تَكافُل لا تقاتُل ؛ عن مؤازرة الشركاء لبعضهم لا عن مصادرة آرائهم وسلبهم مستقبلهم
مما لاشك فيه ان التقنيات ووسائل الاتصال والتواصل الحديثة قد قَربت البعيد ألا أنها قد أبعدت القريب ، فأضحى كل فردٍ ينأى بنفسه عن أهله وأحبته ، عن شريكه وأقاربه ليدخل الى عالمه الخاص وينزوي في جزيرته البعيدة ؛ حاضراً ببدنه غائباً بكيانه إذا حضر لا يُعَد ، وإذا غابَ لا يُفتَقَد.
سابقاً كان الناس معاً بالجوارح والجَوانح أما الآن فصار الناس جميعاً وقلوبهم شتى ، أُلغيت أدوارهم وأندثرت قيمتهم فلا أجداد يُبَرُ بهم ولا أبٌ يُحتذى به ، ولا أمٌ يُركَنُ إليها ، لا أخٌ يساند ولا أختٌ تحنو وتعطف
تميزنا عن الماضين أننا نحظى بترف العيش ونعاني من شَظَف التعايش ، نَتَنعم برفاهية الماديات ونشقى في عالمٍ أَجرَد من الحياة.
هذا لا يعني أن الحقب الزمنية والفترات الإنتقالية التي مررنا بيها قد خَلتْ من سلبيات ولم تشوبها مُنَغِصات ولكن محل الشاهد هنا هو إختلاف الوعي المعرفي والتباين الفكري بين الاجيال
إن كل ما يتوصل اليه الانسان من سُبل للتطور بما فيها التكنولوجيا هي سلاح ذو حدين ، له وجهان : ضارٌ ونافع والعبرة تكمن في الإستثمار الأصح والإستغلال الأمثل لها ، إذ ان الغرض الأساس من إبتكارها هو : تسخيرها لخدمتنا إلا ان المفارقة أننا صرنا لها عبيداً مدمنين ، جُهَال تابعين بتعلقٍ أجوف لا معنى له ولا فائدة منه ، فغَدت تُسيرنا ولا نُسَيرها حتى إستشرى بيننا مرض العصر ألا وهو (الإعتلال العائلي) فوَرِثنا عنها بيوتاً مقفرةٍ من أهلها وأقرباء مغتربون عن بعضهم، هذه الظاهرة تُنذِرُ بإنهيار مجتمعي خطير وتُصَنَفُ كواحدةٍ من أسباب إنتشار وباء الطلاق والتَفَكُك الأُسري إن لم تكن أهمها.
عليه ، فإن الهوة بين الأقارب لا بد من ردمها والمسافات الآخذة بالإتساع بين الأهل يجب تَجسيرها عَلَّ هذا يسهم ولو بنسبة ضئيلة بالنهوض بواقعنا المتدهور ؛ الآيل للإنهيار.
ومسؤولية التصدي لهذه الظاهرة تقع على عاتق قطبي المشكلة وتتمثل في تنازل الأصول عن تحفظاتهم وتعصبهم وتخلي الفروع عن تَقوقعهم والإندماج مع المحيط ومخالطة الشرائح كافة بلا إستثناء ، فما دام بإمكاننا تحقيق التَمازُج بين رَصانة الماضي وعبقرية الحاضر وصبه في قالب توعوي أخلاقي ضمن إطار منهجي تربوي فإننا سنحظى في المحصلة النهائية بإكسير السعادة والحياة الطيبة .