ثقافة

موت كاتب حكومي

مترجم عن الروسي
ترجمة
حماد صبح
ـــــــــــــ

في عشية بهية ، كان كاتب حكومي يدعى إبفان دمتريتش تشيرفياكوف _ لا يقل بهاء عن تلك العشية _ يجلس في الصف الثاني من المقاعد ، ويحدق خلال النظارة الخاصة بالأوبرا إلى المغني كلوش دو كورنفيل ، وأحس قمة اللذة بما يسمعه . وفجأة ، وكثيرا ما يلتقي الإنسان في القصص بهذه ” الفجأة ” ، والكتاب محقون فيها ، فالحياة حافلة بالمفاجآت ؛ نقول فجأة تغضن وجه الكاتب ، واختفت عيناه ، وانحبس نفسه ، وأزال النظارة عن عينيه ، ومال إلى الأمام ، وعطس مثلما تقدرون ، وما من مكان يلام فيه الإنسان على العطس . الفلاحون يعطسون ، ومثلهم يعطس كبار مراقبي الشرطة ، وأحيانا يعطس حتى المستشارون الخاصون . كل الناس يعطسون . ولم ينزعج تشيرفياكوف لعطسته البتة ، وما فعل سوى مسح وجهه بمنديله ، لكنه مثل أي شخص مهذب تلفت حوله ليرى إن كانت عطسته أزعجت أي شخص ، وعندها ركبه الاضطراب ! رأى سيدا مسنا جالسا أمامه في الصف الأول يمسح في عناية رأسه الأصلع وعنقه بقفاز ، ويتمتم لنفسه بكلام . عرف تشيرفياكوف السيد المسن . إنه بريزالوف المدير العام الذي يعمل في قسم النقل . فكر تشيرفياكوف : رششت عليه . هو ليس رئيس القسم الذي أعمل فيه إلا أن ما حدث محرج ، ويجب أن أعتذر منه .

وسعل ، ومال بكل كيانه إلى الأمام ، وهمس في أذن المدير : المعذرة يا صاحب الفخامة ! رششت عليك دون نية .

فقال المدير : لا بأس ! لا بأس!

_ أعذرني كرمى لله ! لم أقصد أن …

_ أف ! رجائي اجلس ، واتركني أسمع !

أحس تشيرفياكوف بالحرج ، وابتسم ابتسامة بلهاء ، وعاد يحدق في ما على منصة الأوبرا . حدق إنما دون لذة هذه المرة . وأخذ القلق ينهشه ، وفي مدة الاستراحة قصد بريزالوف ، وسار بجانبه ، وغالب حياءه ، وتمتم : رششت على فخامتك ، سامحني ! تعرف … لم أقصد …

فقال المدير محركا شفته السفلى في ضجر ونفاد صبر : أف ! كفى ! نسيت ما حدث ، وأنت ما فتئت تلح عليه !

وفكر تشيرفياكوف ناظرا إلى المدير في ارتياب : نسي ، إنما هناك ضوء شيطاني في عينيه ، وهو لا يريد أن يحدثني ، يجب أن أوضح له … أنني لم أقصد … وأن ما حدث كان طبيعيا وإلا فسيحسب أنني قصدت أن أرشش عليه ، وربما لا يحسبه الآن ، لكنه قد يحسبه لاحقا .

وعندما رجع إلى بيته أعلم زوجته بانتهاكه صالح الأخلاق ، فهاله أنها قللت كثيرا جدا من خطورة ما حدث ، وأن انزعاجها كان قليلا ، بل أنها اطمأنت حين علمت أن بريزالوف يعمل في قسم غير القسم الذي يعمل فيه زوجها ، لكنها قالت : ومع ذلك يحسن أن تذهب إليه وتعتذر منه وإلا فسيظن أنك تجهل كيف تتصرف حسب الآداب العامة .

فقال : بالضبط . اعتذرت منه إلا أنه نظر إلى اعتذاري نظرة غريبة نوعا … لم يقل كلمة ذات معنى ، ولم يكن هناك وقت لصحيح الكلام .

وتالي يوم ، لبس تشيرفياكوف ملابس جديدة ، وقص شعره ، وذهب إلى بريزالوف ليوضح له ما حدث . ولما دخل غرفة الاستقبال في بيته ألفى فيها بعض مقدمي العرائض ، وبينهم المدير العام نفسه الذي كان شرع لتوه في مقابلتهم . وعقب استنطاق عدد منهم رفع عينيه ، ونظر إلى تشيرفياكوف الذي بادره بالكلام قائلا : أمس ، في أوبرا أركاديا ، إن كانت فخامتك تتذكر ، عطست و … عرضا رششت … أعذ …

قال المدير مخاطبا صاحب العريضة التالي : يا للهراء ! هذا غريب جدا ! ماذا في طوقي أن أصنع لك ؟!

ففكر تشيرفياكوف شاحب الوجه : لن يكلمني ، معنى هذا أنه غضبان مني ، لا يمكن ترك الأمر هكذا … سأوضح له .

وبعد أن ختم المدير حديثه مع آخر مقدمي العرائض ، واستدار إلى غرف بيته الداخلية ، خطا تشيرفياكوف صوبه ، وتمتم : يا صاحب الفخامة ! إذا كان لي أن أتجرأ على إزعاج فخامتك فما هذا إلا بحافز شعوري بالندم . ما كنت قاصدا عامدا إن تفضلت بتصديقي .

فلاح على وجه المدير ما يشبه البكاء ، ولوح بيده ، وقال موصدا الباب خلفه : ما هذا ؟! إنك تلهو بي يا سيدي !

ففكر تشيرفياكوف : أين اللهو في ما أفعل ؟! ليس في ما أفعل لهو . هو مدير عام ، لكنه عاجز عن الفهم . إن كان الأمر هكذا فلن أعتذر لهذا المتبجح المغتر بعد اليوم . ليأخذه الشيطان ! سأكتب إليه رسالة ، لكنني لن أذهب إليه ، وايم الله لن أهب إليه عقب اليوم !

هكذا فكر تشيرفياكوف خلال عودته إلى بيته ، ولم يكتب رسالة إلى المدير ، لقد فكر فيها وفكر إلا أنه لم يتوصل إلى صياغة لها ، فتحتم عليه أن يذهب ثاني يوم شخصيا إلى المدير ، وتمتم حين رفع هذا إليه عينيه مستفهما : تجرأت أمس على إزعاج فخامتك ، لكن ليس للهو بك مثلما سرك أن تقول . كنت أعتذر لك من ترشيشي عليك عندما عطست … لم أحلم بأن ألهو بك ، وهل كان لي أن ألهو بك لو شئت فعلا لهوا ؟! عندها لن يكون احترامٌ للناس ، لن يكون …

فصرخ المدير محمر الوجه ، منتفض البدن : انصرف !

فسأل تشيرفياكوف هامسا ، متخدرا رعبا : ماذا ؟!

فأعاد المدير مؤكدا : انصرف !

ولاح أن شيئا انهار في نفس تشيرفياكوف ، فاتجه إلى الباب لا يرى شيئا ولا يسمع شيئا ، وخرج إلى الشارع ، وسار فيه مترنحا ، ووصل آليا إلى بيته ، فاستلقى على الأريكة دون أن يخلع ملابسه ، ومات .

*للأديب الروسي أنطون تشيكوف ( 1860 _ 1904 ) .