ثقافة

                                           من هو البعثي ؟ 2

                                                                                      صلاح المختار

2-البعثي انقلابي : والانقلابية في البعث ليست الانقلاب العسكري كما فسره بعض السذج بل هي عملية تربوية في جوهرها فما لم يحقق البعثي الانسجام الثابت بين قوله وفعله لن يكون عقائديا الا بالاسم لانه يبقى اسيرا لامراض مجتمع فاسد تطفح اثناء ممارساته اليومية ، من هنا فان الانقلابي هو تحديدا المنقلب على كل سلوك خاطئ والمتمسك بقيم عليا سامية هي اخلاقيات عقيدة الحزب التي تخلصه من امراض المجتمع كتناقض الوجه والقفا، والانانية والفردية والغرور والكذب والتأثر بثقافات عنصرية او طائفية او قبلية…الخ، فالانقلابية هي الشرط المسبق للطليعي فلا طليعية ولا نقاوة عقائدية بدون الانقلاب العملي على الواقع الفاسد بما يسود فيه، والا واذا فشل في تحقيق هذا الانقلاب الجذري التربوي فانه لن يكون بعثيا مهما ادعى وتظاهر.

 واشتراط الانقلابية سمة عملية مسبقة في البعثي هو بديهية وجدناها في كل العقائد التي غيرت العالم كالاديان والحركات الثورية الجذرية لسبب بسيط معروف فالذي يريد نهوض امة واصلاحها وانهاء الفساد فيها يجب ان يكون هو ذاته اولا قد اصلح وتغير فيخلو من تلك الامراض الاجتماعية ،والا لم يدعي البعثي انه يستطيع انقاد الامة وتحقيق اهدافها اذا كان مثل الانسان العادي المستسلم لواقع فاسد ولم يكن هو بذاته انموذجا للتحرر من الامراض المذكورة وممتلكا لوعي ثاقب يجعله متفوقا على غيره بقدراته ناهيك عن استعداده للتضحية بحياته من اجل الامة ومصالحها؟

ولو نظرنا الى عالمنا الان لوجدنا العجب في التناقض الفاضح بين الشعارات والتطبيقات فمن يدعون الديمقراطية ويملأون العالم ضجيجا باسمها تكتشف انهم طغاة انانيون فرديون قبل ان يصلوا للحكم ! وانانيتهم اشد من انانية النظام الذي يناضلون من اجل اسقاطه باسم الديمقراطية ! كما ان من يدعون انهم يلتزمون بقواعد العدل والانصاف نراهم يمارسون اكثر اساليب الظلم بأنكار حقوق وتراث الاخرين والتمييز ضدهم لاسباب انانية صرفة! ومن يدعي انه يحترم ارادة الاغلبية نراه يستخدم الاساليب غير المشروعة واللااخلاقية كي يبعد عن طريقه من يظن انه ينافسه في الصعود الى اعلى !بل تجد من يدعي انه طليعي وانقلابي ويبتسم لك بود ولكنه يحمل سكينا بيده التي يضعها خلف ظهره وهو يصافحك ! هذه ممارسات وطرق تصرف نتاج مجتمع فاسد وترسخت في افراده فلم تنجح الحركة الثورية في تربيتهم لاسباب شتى وبقوا نماذج صارخة للتناقض بين القول والفعل وهي الافة التي تسقط اي ادعاء بالعفة النضالية وتمثيل الامة .

          ولئن كانت الممارسات السلبية المذكورة ضررها كبير في الحياة الاجتماعية فان تأثيرها على الحزب الثوري مدمر لانه ان ظهرت تبعد الحزب عن الشعب الذي يرى التناقض بين الادعاء العظيم خلقيا وسياسيا والممارسات السيئة الناقضة لكل ما هو جيد ونبيل ،فالضرر على الحزب الثوري اكبر بكثير من ضررها في المجتمع وهي تضع امام الحزب الثوري سدودا متتالية لايمكنه اجتيازها فيتراجع وينتهي تدريجيا . فالانقلابية هي تحول الانسان من حزبي في بداية تكوينه التربوي واعداده الحزبي الى بعثي حقيقي عقائدي التربية ويجسد ذلك ببعده عن الانانية وأنسجام القول والشعار والوعد مع الممارسات والتطبيق الفعلي.

اما اذا بقي الحزبي ضحية انانية متجذرة وتناقض القول مع الفعل فانه يصبح لغما خطيرا تسلل الى الحزب وبقي فيه حتى تأتي اللحظة التي ينفجر فيها مترجما فشله في تحقيق الانقلاب اولا وقبل تقدمه في الحزب ، ولهذا فان الحزب عبر عن انقلابيته باعتماده اسلوب (الكسب النوعي وليس الكمي) قبل استلامه الحكم، فكان البعثي في ان واحد مناضلا صلبا ومثقفا ومنضبطا وغيريا –بعكس الاناني- يحب لرفاقه ما يحب لنفسه ليس بالكلام فقط بل بالممارسة اليومية ، ويتجنب النفاق والاساءة لرفاقه او التقليل من قيمتهم ودورهم وما قدموه للامة والحزب مثلما يحب ان لايتجاوز احدا على تاريخه وما قدمه اثناء اداء دوره النضالي، وكل ذلك يحصل اذا اعد اعدادا نوعيا في الحزب. والانقلابي لهذا السبب لن يكون انقلابيا الا اذا كان واعيا لمضامين عقيدة البعث ولا يكتفي بالعناوين الثقافية للعقيدة ويترك الجوهر وهو استيعاب روحها،وعندما يصبح الحزبي عقائديا بالتربية والممارسة الحزبية فأنه يكتسب صلابته النضالية الثابتة لان قوة الموقف نتاج الاقتناع بصواب العقيدة التي يؤمن بها وفهمه لها هو الشرط المسبق فمن يعرف عقيدته جيدا يعرف لم يدافع عنها ويضحي من اجلها ، صلابة البعثي تنبع من عقائديته لان اصحاب العقائد يتميزون عن غيرهم باستعدادهم للتضحية وهي ثمرة وعيهم انهم يحملون رسالة تستحق التضحية بالنفس من اجلها.

وبالعكس فأن من ينتمي للحزب لاسباب جزئية كمعاداة جهة ما يخوض الحزب معها صراعا قويا مرحليا فينتمي اليه ليعمل ضد تلك الجهة وليس لايمانه بعقيدة الحزب فأنه سرعان ما يتساقط اثناء نضال الحزب، وهذا انموذج رأيناه في بعض من انتموا للحزب عندما كان يناضل ضد ديكتاتورية قاسم الشعوبية فانخرط في صفوفه بعض ابناء الاقطاعيين السابقين نكاية بالحزب الشيوعي العراقي وليس ايمانا بعقيدة البعث ،ولذلك كانوا اول المرتدين فيما بعد وصار بعضهم قادة في العملية السياسية بعد غزو العراق .

وهنا ننتقل لفكرة مهمة اخرى وهي ان مثل هؤلاء كانت صلابتهم مصدرها التحزب وليس الحزبية فالتحزب ظاهرة نراها في العائلة والقبيلة والطائفة عندما ينحاز شخص ما لعواطفه او لعلاقاته الخاصة قربا او بعدا وعندما ينتمي مثل هؤلاء لحزب عقائدي فانهم يحملون معهم بذور التحزب اي الاخلاص للحزب بقدر تحزبهم له وهو تحزب نتج عن اعجاب بموقف ما للحزب ولايقوم على فهم عقيدته، والتحزب قد يكون مصحوبا بصلابة لكنها صلابة العناد الانساني الغريزي وليس الوعي العقائدي وصلابة العناد تنهار بعد فترة بعكس صلابة العقائدي الثابتة، ولهذا راينا مثل هؤلاء اول المرتدين بعد غزو العراق فتخلو عن الحزب.الخلاصة الوافية : البعثي هو الحزبي الذي انقلب على تربيته الاجتماعية السلبية القائمة على اكتساب ما ساد في المجتمع وقبل بصفته سلوكا فرديا خاطئا لكنه غير خطير لان الفرد يؤذي محيطا محدودا اما الحزبي وكلما كان دوره اكبر فان عدم تحرره من سلبيات المجتمع الفاسد يحوله الى لغم خطير داخل الحركة الثورية حيث انه ظاهريا انقلابي وعقائدي لكنه في الواقع مجرد حزبي يمارس كافة اشكال الافعال المتناقضة مع عقيدة البعث واخلاقياته ولذلك فانه يؤذي عددا ضخما من الناس.  يتبع .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق