دراسات و تحقيقاتمجتمع

من داخل مؤسسة الطفولة المسعفة رضع 1 قسنطينة… كيف يعيش اطفال الملاجئ ؟


جملتين قالها ” تولستوي” عن الطفولة، قال: ” إنها براءة في كل ما تحتويه، براءة في تكوينها و في وجودها ، في شكلها و مضمونها، و أيّ فرح يغمر قلب الإنسانية المعذبة يواسي جرحها و يبسط الآمال أمامها كأفراح الطفولة، و لهذا فالطفولة فرح لأنها تجدد مستمر”،  يقول علماء التربية: “عندما نفهم الطفل نجد أنفسنا نبحث عن حاجاته، و السؤال يقود إلى معرفة إذا ما كانت حاجات الطفل تنحصر في النواحي العضوية و الجسدية فقط؟ بمعنى هل حاجات الطفل محصورة في معدة تملأ، و جلد يدفأ و جسم يستريح فقط؟؟

يؤكد علماء النفس و منهم واطسون أن السلوكات العدوانية للأطفال ما هي إلا ردود فعل منعكسة مكيفة، لأن البيئة هي المسؤول الأول و الأخير عن تكيف الأفراد، و هي التي تقوم بتطبيع ردود الفعل المنعكسة لدى الإنسان منذ الطفولة، فالطفل و بخاصة المسعف  غالبا ما يكون عرضة لصراعات نفسية عنيفة و إحباطات ، بسبب الحرمان العاطفي، كل هذه العوامل تعمل على نشوء لدى الطفل اضطرابات نفسية خطيرة تهدد حياته، و ذلك لغياب المحيط العائلي الذي يعتبر العامل الأساسي الكامن وراء هذه الاضطرابات، الحقيقة أن حياة البشر  أحفل من هذا كله و أغنى، و الطفل في حاجة إلى شعور بالأهمية و التقدير، يريد أن يصنع شخصيته و ينميها، و يريد للغير ان يصنع شخصيته كذلك، و الحرمان العاطفي يجعل من الكفل طفلا معقدا، منطويا على نفسه، و يجعله يعيش الخوف و الرعب، كما يشعر أن خطر ما يهدده، و قد يقضي عليه في أي لحظة،  يعرف كثير من المحللين النفسانيين مفهوم الحرمان العاطفي، بأنه يعني النقص العاطفي  أو التقصير  carence  و يلصق الباحثون صيغة هذا التقصير من حيث الفاعلية المتبادلة للأم مع طفلها interaction mère enfant، غير أن الباحثين في هذا الميدان ذهبوا إلى التمييز بين أنواع متعددة من التقصير أو الحرمان، منهم من حصر هذا التعبير في الطفل المقيم بمؤسسة استشفائية لعدم وجود أو توفر بديل للأم، أو يعيش مع أم لا توفر له الحنان و العطف و الاهتمام، أو لطفل يعيش مع أمه و يتفاعل معها ، غير ان عدم كفاءة الأم و عدم قدرتها، فإن الطفل يرفض أي شحنة عاطفية، على الرغم من أن العلاقة التي تربطهما حسنة.

       فغياب الأم في النمو العاطفي لها دور كبير في شخصية الطفل، فإذا  استطاعت الأم بفضل عنايتها إشباع مراحل النمو العاطفي، فإن الطفل يستطيع تكوين قاعدة متينة لشخصيته تمكنه من التغلب على جميع العراقيل التي تصادفه بسهولة و يسر، و لقد أبرزت الدراسات التي تناولت قضية الحرمان العاطفي الدور الذي تلعبه الأمّ في تنشيط البلوغ الفيسيولوجي و النفسي المعرفي للطفل، كما بينت الدراسات أن الحالات الخطيرة من الحرمان العاطفي تصبح من المستحيل تعويضها مهما كان البديل، لأنه يستحيل على الطفل إقامة علاقات اجتماعية مع شخص آخر، يؤكد علماء النفس و الاجتماع أن الطفل في حاجة للإثارة الحسية التي تقوم الأم بإشباعها عن طريق المداعبة، هذا بالنسبة للطفولة العادية التي تعيش في الأسرة، أما الطفولة “المسعفة”  فهي مشكلة اجتماعية نفسية كذلك، تعاني منها مجتمعات كثيرة ، و غالبا ما يكون الطفل المسعوف  عرضة لصراعات قد تخلق لديه إحباطات تكاد تكون يومية، كل هذه العوامل تعمل على نشوء لدى الطفل اضطرابات نفسية خطيرة تهدد حياته، و ذلك لغياب المحيط العائلي الذي يعتبر العامل الأساسي الكامن وراء هذه الاضطرابات، فتربية الطفل خارج محيطه العائلي يعتبر عاملا من العوامل التي  تسبب له الاضطرابات النفسية و العقلية، و تعتبر المؤسسات التي تشرف على تربية الطفل و رعايته منذ ولادته أسباب رئيسية في عرقلة النمو النفسي و الجسمي و العقلي للطفل و في موته أحيانا.

مؤسسة الطفولة المسعفة رضع 1  قسنطينة جهد يحتاج إلى تكفل أكثر

و قد سمحت لنا الزيارة التي قامت بها  المفوضة الوطنية لحماية الطفولة السيدة مريم شرفي إلى ولاية قسنطينة لتفقد مؤسسة الطفولة المسعفة رضع بحي الصنوبر بلدية قسنطينة من الوقوف على وضعية هذه الشريحة و ظروف العمل في ظل ضيق المقر، الذي يحتاج إلى توسعة أكثر، فالمؤسسة تضم 24 رضيعا ، منهم 15 إناث،  و 05 مسعفين  تتراوح أعمارهم لبن سنة إلى 05 سنوات، موزعين على أربعة مخادع ، و هي لا تسع هذا العدد المرشح للإرتفاع، و يحتاج هذا الملجأ إلى قاعات تمكن الطاقم الإداري و المربيات من أداء مهامهم (ن) على احسن وجه، تقول إحدى المربيات أن المؤسسة في حاجة ماسّة إلى قاعة  للتربية النفسُ حركية،  لممارسة التربية الحركية و هذا  حتى لا يتعرض نمو الطفل إلى التأخر و حمايته من اي خطر، خاصة بالنسبة لذوي الإجتياجات الخاصة، و هذا في إطار الإنفتاح على المحيط، بحيث تعمل المؤسسة على إدماج هذه الشريحة في الوسط المدرسي و الإجتماعي بدءًا من تسجيلهم في رياض الأطفال و المدارس القرآنية ثم المؤسسات الأخرى بالتنسيق مع القطاعات المعنية لاسيما الهلال الأحمر الجزائري و مديرية التربية و مديرية النشاط الإجتماعي، كما تعمل المؤسسة على تقديم نشاطات و تنظيم دورات تكوينية بالتنسيق مع منظمة المعاقين الدولية، هذه الأخيرة سبقو و دعمت المؤسسة بأجهزة في سنة 2017 ، لكنها لم تعد كافية، و قد استغل الطاقم ألإداري للمؤسسة زيارة المفوضة الوطنية لحماية الطفولة  لطرح مشاكلها امام الوالي عبد السميع سعيدون، الذي تعهد بالنظر في انشغالات المؤسسة، علما أن المؤسسة تتوفر على قاعة للإجتماعات، و أخرى للعب الأطفال.

     و من خلال هذه الوقفة  على وضعية الأطفال داخل الملاجئ، تشير كثير من الدراسات، و منها الدراسة التي أجراها المحلل النفسي الأمريكي الشهير سبيتز spitz  على أطفال “الملاجئ” أكد أن الحرمان العاطفي خلال السنة الأولى من الحياة يؤدي إلى تشوهات جسمية، و اضطرابات نفسية، و إذا استمرت إلى مدة معينة قد تؤدي إلى حد الموت، و لقد وجد بعض الباحثين حالات انتحارية  و بسيكوباتية  و عصابية و ذهانية ( عقلية)  أحيانا لدى أطفال تربوا و نشأوا بعيدا عن أمّهم الطبيعية و محيطهم العائلي، فكل طفل له الحق ان يحيا في أحضان عائلته و التي بدونها  لا ينمو  سويا، و حرمانه من العطف و الحنان يعني حرمانه من الحياة، و أطفال الملاجئ أطفال متشوقين إلى هذه الحاجات النفسية  التي كثيرا ما يجهلها المجتمع، فعندما تقترب منهم مثلا  ينظرون إليك نظرة الحائر الذي يبحث عن شيء فقده، ثم لا يلبث ان ينفجر بالبكاء، ثم الانسحاب، و يختار زاوية ينزوي فيها، و أطفال “الملاجئ” الباحثين عن هوية يحملونها وأسرة يحلمون العيش وسطها، الباحثين عن قلوب تمنحهم الحب و الحنان ، و يد تمسح دموعهم، و تقدم لهم هدية يوم العيد،  هذا الصنف من الأطفال ناقمون على المجتمع، و هم الأكثر “عدوانية” لأن المجتمع نبذهم و ينظر إليهم بنصف عين و يناديهم بـ: ” اللقطاء” و لذا وجب ان نفهم الطفولة، و إماطة اللثام عن رصيدهم الكبير من الصفاء، و الصفح و نسيان الأذى، و لا نجعلهم يحملون الحقد و الضغينة مثلما يفعل غير الراشدين من الراشدين الكبار.

فماذا عن “أبناء الطلاق” ؟؟؟، من السهل إحصاء عدد حالات الطبلاق في الجزائر كل سنة، لكن من الصعوبة بمكان إحصاء عدد أبناء الطلاق في الجزائر،  فالوضع هنا يختلف عن الأطفال المسعفين، لأن لكل عائلة واحدة  مهددة فيها الأب و الأم بالإنفصال أو صدر حكم بالطلاق قد تكون لها من 02 إلى 05 أو 07 أطفال على الأقل، و الحديث عن هذه الشريحة حديث ذو شجون أيضا، فبدءًا من هذه الاضطرابات التي يعيشها الأطفال المسعفون ، و التي تحمل بين طياتها مشاعر الحزن و الحقد أحيانا على مجتمع ينظر إليهم نظرة استصغار، فأبناء الطلاق يعانون من نفس الاضطرابات التي يعاني منها الأطفال المسعفون تتمثل في مشاعر الحقد و الكراهية للعائلة و للمجتمع كذلك ، لأن الجميع ينعته بابن ” الهَجـَّالـَة” ، عادة ما تكون هذه الشريحة من أبناء الطلاق أكثر ارتباطا بالأم،  مهما كانت قسوتها، لأن القانون عادة ما يمنحها حق الحضانة،  و يجد الطفل في أمه صورة الأم و الأب معا، كما أنه قد يتعلم منها عادات غير رجولية، بالنسبة للذكور ، و في بعض الحالات يتربى تربية الشارع لأن زوجة أبيه تلقي به في الشارع، إن أطفال الشارع  منهم المتسولون و المتشردون و المستغلون اقتصاديا و هم كثر كذلك ( بائعي السجائر و المناديل الورقية، و مروجي المخدرات)  و هذه الشريحة كانت ضحية  الفقر و التسرب المدرسي، أما أطفال الحروب فهذه حالة خاصة تحتاج إلى تسليط عليها الضوء أكثر من قبل المختصين، و لحماية الطفولة تاسست الهيئة الوطنية لحماية و ترقية الطفولة و ذلك بموجب قانون 15/12 و تم تنصيبها في جوان 2016 لدى الوزير الأول، من مهامها مراقبة و حماية الطفولة و ترقيتها،  وفق المرسوم التنفيذي رقم 14/344 ، و لتفعيل هذا القانون وضعت الهيئة آليات للتكفل بالأطفال على كل المستويات، حيث وضعت مؤخرا رقما مجانيا للتبليغ عن حالات الإخطار و هو الرقم 1111 ، بالتنسيق مع وزارة التضامن و الأسرة.

علجية عيش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق