أمن وإستراتيجية الحدث الجزائري

من الارشيف السري …تفاصيل الإجتماع التاريخي بين الثلاثة الكبار

مرابط محمد
ـــــــــــــــــ
في ربيع عام 2011 اتخذ المجلس الأعلى للامن الوطني المصغر 3 قرارات كان لها دور كبير ليس في الحفاظ على استقرار الجزائر فقط بل في الحفاظ على استقرار تونس الجارة القريبة من ليبيا وساهمت في منع انهيار النظام التونسي الذي كان قد خرج للتو من ثورة اضرت كثيرا بالجيش و الاجهزة الامنية التونسية .

كان بوتفليقة مهتما جدا بمعرفة أمر غاية في الخطورة، وهو هل ستقف روسيا مع العقيد معمر القذافي أم أنها ستتركه يغرق، خاصة بعد خرق الدول الغربية لقرلار مجلس الأمن المتضمن حظر الطيرانفقط، وجاء الجواب من قنوات دبلوماسية عبر وزارة الخارجية ، الروس لن يدعموا القذافي، أدركت حينها القيادة السياسية أن الوضع بات خطيا جدا، فللمرة الأولى تواجه الجزائر مخاطر حقيقية مثل هذه منذ عقود .
نحن الآن في نهاية شهر مارس 2011 …. منذ الصباح توالى وصول السيارات إلى رئاسة الجمهورية ، وزير الخارجية كان الأول الذي وصل وحمل معه تقارير سرية للغاية، وثم وصل بعده بعض مستشاري الرئيس الذين كانوا في مهمة خارجية، ومكث وزير الخارجية مراد مدلسي في مكتب الرئيس 3 ساعات كاملة، غادر بعدها المكتب لكي يلتقي الرئيس بمجموعة من مستشاريه ثم يستدعي وزير الداخلية نور الدين زرهوني ويبقى مع الرئيس لغاية المساء.
وفي تمام الساعة الرابعة من مساء ذات اليوم يصل اللواء عبد المالك قنايزية الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني ثم الفريق محمد مدين ” الجنرال توفيق ” وأخيرا وصل الفريق أحمد قايد صالح رئيس رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي ، و وبدأ الإجتماع التاريخي الذي خصص لمناقشة الوضع في ليبيا بعد التدخل العسكري الغربي فيها وبداية الحرب الأهلية.
كانت التقارير التي قدمها وزير الخارجية مراد مدلسي والقادمة من سفارة الجزائر في طرابلس مخيفة، وكشفت أن النظام السياسي في ليبيا ينهار بسرعة ويتهاوى وستنهار الدولة الليبية في غضون اشهر على الأغلب، بينما كشفت التقارير الاستخبارية السرية التي قدمها الفريق محمد مدين ” الجنرال توفيق ” ان قوات غربية كبيرة فرنسية وامريكية وبريطانية وقوات من دول عربية خليجية ، ومتطوعين اسلاميين من عدة دول عربية يشاركون الآن في الحرب ضد نظام العقيد معمر القذافي، وان النظام سيخسر الحرب لا محالة ، وماهي الا اشهر حتى تتحول ليبيا الى فوضى عارمة، التقارير الاستخبارية والأمنية والدبلوماسية الجزائرية في نهاية شهر مارس 2018 كانت كلها متفقة على أن النظام الليبي سيسقط ، لعدة اسباب ابرزها انه غير محصن داخليا، كما أن علاقته متوترة مع أغلب الدول العربية والغربية ، وأن الحدود البرية في ليبيا هي الآن مفتوحة تماما أمام تدفق الجهاديين من تونس ومن مصرن لقتال النظام ، كما أن القوات الجوية الغربية ستتمكن في غضون اسابيع من تدمير الجيش الليبي، والمخاوف الحقيقية التي كانت تسيطر على صانع القرار في الجزائر كانت تتعلق بأمرين اثنين الاول هو احتمال انتقال الفوضى في ليبيا إلى تونس ومنها إلى الجزائر، الامر الثاني يتعلق بنهب المئات من الثكنات ومن قواعد الجيش الليبي ، وانتشار مختلف أنواع السلاح والمخاوف من وصول كميات كبيرة من السلاح إلى الجزائر .
وبعد الاستماع الى تقارير رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي حول قدرة الجيش على التعامل مع اي أزمة تقع ، وضع الإجتماع عدة سيناريوهات ، قد تحدث في المنطقة وكلها مخيفة السيناريو الأول هو ان تنتقل الفوضى في ليبيا إلى تونس، والسيناريو الثاني أن تتعرض الجزائر لهجمات انطلاقا من الاراضي الليبية ، أما السيناريو الثالث فهو أن تتعرض الجزائر لاستفزاز ما من القوى الغربية التي تشارك في حرب ليبيا من اجل جرها للحرب.
وقد قرر المجلس الاعلى للامن الوطني المصغر 3 قرارات كان لها دور بارز في الحفاظ على الاستقرار ليس في الجزائر فقط بل في كامل منطقة شمال افريقيا.
القرار الأول كان عدم الإنجرار الوقوع في اي استفزاز مهما كان نوعه ، ومهما كان مصدره ، والتركيز بشكل كلي على تحصين الحدود وحماية الجبهة الداخلية
القرار الثاني كان دعم الجيش التونسي بشكل عاجل ، بأي طلبات وهذا ما بقي سرا إلى غاية اليوم وكان القرار الأول هو ان تقدم الأجهزة الامنية الجزائرية كل المعلومات الاستخبارية المتعلقة بما يجري في غرب ليبيا ، للأجهزة الأمنية التونسية ومساعدتها على قدر المستطاع حتى تتمكن من تحصين الجبهة الداخلية التونسية وكان صناع القرار في الجزائر يدركون ان سقوط تونس يعني أن الجزائر ستكون معرضة لمخاطر كبيرة جدا
القرار الثالث وكان الأهم والأخطر وقد وقع عليه رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة وبدأت قيادة الجيش ممثلة في الفريق أحمد قايد صالح في تنفيذه كان غلق الحدود البرية مع ليبيا ، وارسال تعزيزات عسكرية ضخمة الى الحدود وقد توالي تنقل القوات البرية والجوية من قواعد مختلفة في الجزائر إلى الحدود البرية مع ليبيا طيلة عام 2011، حتى فاق مجموع هذه القوات 50 ألف عسكري ودركين وساهمت القرارات الثلاثة في منع وصول كميات كبيرة من السلاح الليبي إلى الجزائر كما ساهمت في تماسك تونس في مواجهة الأزمة الضخمة ، وساهمت في استقرار الجزائر في فترة حرجة جدا .