رأي

ملكيون أكثر من الملك!

عباس البخاتي

 يقال في مثل شعبي طريف ” إبغيل مرافج الخيل” وهو يضرب كناية لوصف, مزاحمة الأقلون شأناً لعلية القوم في شؤون لا تأثير لتدخلهم فيها ،وهو مستوحى من إختلاط “تصغيرالبغل” مع الأصيل من الخيول.تشهد منطقة الشرق الأوسط صراعات مختلفة منذ أكثر من نصف قرن، يدور محورها حول العلاقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية .منذ إنتصار ثورتها الإسلامية, تعرضت إيران لهجمات شرسة من أمريكا ومن إلتحق بركبها من دول المنطقة..فأتخذت أشكالاً متعددة من الضغط، فتارة بالحرب المباشرة كالتي شنها صدام لثمان سنوات, والذي كان للدعم الأمريكي ـ الخليجي أثره الواضح فيها إعلامياً ولوجستياً، أو فرض لحصار إقتصادي, أو محاولة تحجيم دورها السياسي في المنطقة تارةً أخرى.رغم التأثير السلبي لتلك المحاولات، إلا أن اللافت للنظر إن كل تلك الضغوط لم تفلح أمام محاولات إيران الناجحة لفرض نفسها كأحد أهم أقطاب الشرق الأوسط.من دلائل التميز الإيراني سياسياً وإقتصادياً وعسكرياً, هو مقاومتها للحصار بخطة محكمة, نقلت البلد من الحالة الإستهلاكية إلى الحالة الإنتاجية، بحيث أصبحت دولة صناعية مكتفية ذاتيا تقريبا.. وما الإعلان عن الإكتفاء الذاتي فيما يتعلق بالصناعات العسكرية إلا دليل واضح على ذلك، ناهيك عن بقية القطاعات، يضاف له مشاركة الشعب في البناء السياسي وصيانته, وتحديد شكل نظام الحكم، الأمر الذي يندر وجوده في دول المنطقة.هذا الوضع جعل إيران ذات العمق الحضاري غير مكترثة لما يراد بها، وبنفس الوقت هي ليست بحاجة إلى عطف أحدٍ من هنا أوهناك، بإعتبار أنها أتقنت بجدارة عملية البناء الداخلي لشعبها فما عادت بحاجة إلى مساندة أي كان.على النقيض من التوجهات الإيرانية تقف أمريكا وحلفاءها في الشرق الأوسط, الذين يجمعهم هاجس مشترك يتعلق بالخشية, من بلوغ مرحلة تهديد الأمن القومي لأي من تلك الدول .المراقب من زاوية الحياد ينظر إلى ما يجري من سجالات إعلامية بين الطرفين، وبغض النظر عن أحقية أيٍ من منهما ومبرراته في التدخل بشؤون الدول الأخرى، على أنه صراع بين اللاعبين الكبار في المنطقة.العراق هو اكثر البلدان تأثراً من تلك الدوامة, والدخول بين هذين القطبين من شأنه تعريض مصلحة البلد للخطر, خصوصاً بعد خروجه من معركة الإرهاب, وما سببه ذلك من دمار للبنى التحتية, وما خلفته من آثار سلبية على المجتمع والوضع العام بأجمعه.إن بداية النجاح تكمن في معرفة الإنسان لحجمه الطبيعي, قياساً بغيره من عمالقة الفكر والسياسة والسلاح, والحالة العراقية ليست كغيرها من الحالات، فهي بالرغم من إعتمادها الآلية الديمقراطية في الوصول للحكم, وهذا ما لا يوجد في الجوار الإقليمي العربي، إلا أنها تشهد حالة من التشرذم في الخطاب السياسي، الأمر الذي يعرقل جهود الحكومة في إصلاح الشأن الداخلي، ووضع العراقيل أمام السياسة الخارجية الرامية لتحسين العلاقات مع مختلف دول العالم.هذا التشرذم ليس وليد اللحظة ، لكن السجال الإعلامي الأخير بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية كشفت الكثير منه، حيث التباين الواضح بين الخطاب الرسمي للدولة وبعض الجماعات, التي سوقت نفسها كممثل لمكونات عراقية وبنفس الوقت تميل لأحد القطبين على حساب الآخر، فلا مبرر لأن يكون احدهم أمريكياً أكثر من ترامب نفسه.. يقابله من جهة أخرى شخص آخر يتقمص شخصية الإيراني المخلص أكثرمن الإيرانيين انفسهم!في خضم هذا الإداء يحق للمتابع أن يتساءل عن مدى إيمان هؤلاء بدستور بلدهم, الذي اقسموا على العمل به.. إذ ما علمنا إنه يؤكد على عدم التدخل بشؤون البلدان الأخرى؟ أليس من مصلحة العراق الإبتعاد عن سياسة المحاور؟ ألم يكن الإهتمام بالشأن الداخلي لترميم بناءه المتهالك ضرورةً لابد من العمل عليها؟ أمر آخر لا بد من الإشارة إليه يتعلق بمستوى الإدراك السياسي والقدرات اللوجستية التي يتحلى بها المتخاصمان والتي تجعلهم في غنىً عن مزايدات البغال المتهورة في سوق الخيول .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق