أمن وإستراتيجية

مكافحة التجسس في المخابرات … المعلومات الاعتراضية

بشير الوندي

المعلومات الاعتراضية هي معلومات من اختصاص الاستخبارات المضادة او المكافحة ونعني بها ما يعرفه العدو عنا , وماذا تصله من معلومات من خلال اذرعه , وما يريد ان يعرفه عنا انظر ( مبحث ١٦ جمع المعلومات) , وهي احد انواع المعلومات وتصنيفات المعلومات الاستخبارية العشر والتي تناولنا الى الان ثمانية انواع منها , وهي المعلومات الذهبية في الجهد الاستخباري لانك عندما تعرف ماذا يعرف عنك او ماذا يريد, فحين تعرف ماذا يعرف عنك العدو فانت دخلت الى تفكيره .

ابهر النجاحات الاستخبارية

ان تطلع على مايفكر به العدو وان تحصل على معلومات سرية عنه هو بالتأكيد نجاح كبير , فمابالك لو اطلعت على مايخططه ضدك ؟ انه نجاح اكبر بالتأكيد , لكن النجاح الباهر هو ان تعرف مدى المعلومات التي يمتلكها عنك , وماهي المعلومات التي يحتاج الى استكمالها , حينها تكون قد دخلت الى عصب دماغه وحققت اكبر نجاح استخباري , والاخير هو مانعنيه بالمعلومات الاعتراضية .
فالمعلومات الاعتراضية تعني انك تعرف ماذا يعرف وماذا يريد ان يعرف , ومقدار المعلومات التي يمتلكها وتلك التي يسعى لمعرفتها , وبالتاكيد ستعرف كيف سوف يفكر وماذا يقرر , ومن اين يريد الحصول على تلك المعلومات وكيف ومن هي الجهة التي تحتفظ بتلك المعلومات ومن هم القادرون على تزويده بها ومن هم جواسيسه والى اين يريد ان يصل بتلك المعلومات وماذا ستفعل لتجعله يتحصل على معلومات تشوشه او معلومات مغلوطة تعطيه بالتالي تصورات خاطئة واجوبة مضللة لأسئلته التي يسعى وراء اجاباتها .
كل ذلك واكثر تستطيع ان تعرفه حين تتحصل على مفاتيح الكنز , اي ان تتحصل على مقدار المعلومات التي يعرفها عنك وعن النواقص التي يسعى لإتمامها .
فحين تحصل على هذا النوع الجوهري من المعلومات يكون بإمكانك ان تتلاعب بعدوك وبعملاءه وتنجح بتضليله وكشف جواسيسه او طرق تجسسه الفنية والالكترونية وتتمكن من غلق الثغرات , او ان تجعلها مواربة لتكون بمثابة فخاخ له ولعملاءه لتصبح وعاءاً يغترف منه معلومات كاذبة وفاسدة عنك.

فوائد المعلومات الاعتراضية

للمعلومات الاعتراضية فوائد جمّة نلخصها فيما يأتي :
1- تتيح لنا ان نعرف كم المعلومات التي تحصل عليها العدو عنا , مما يجعلنا قادرين على تغيير مانريد منها دون ان يستطيع تحديث معلوماته .
2- يتيح لنا ان نعرف نواقص معلومات العدو عنا , وفي هذه الحالة نستطيع ان نملأ تلك النواقص له بما نشاء من معلومات مزيفة خادعة .
3- ان معرفة مايمتلكه من معلومات سرية يجعلنا ندرك الاماكن التي تسربت له منها تلك المعلومات وكيف تسربت , فلو كان لدينا فيلق في الجبهة فيه عدة فرق وتتفرع منها عدة الوية , واكتشفنا ان جل المعلومات التي يعرفها العدو تتعلق باللواء 54 مثلاً , فهذا يعني ان المعلومات الاعتراضية تدلنا على ان الجاسوس هو في اللواء 54 دون غيره , وحين ندقق المعلومات اكثر ونوعيتها سنعرف ان الجاسوس موجود في القلم السري او في الاعاشة او غير ذلك .
4- تتيح المعلومات الاعتراضية لنا ان نتصرف كما نشاء بعدة اتجاهات , سواء بأن نسد الثغرات , او ان نجعلها مواربة كي نسقط الجاسوس في الفخ ونجبره لكي يصبح عميل مزدوج , او ان لانمسكه ولكن نضخ للعدو عبره معلومات مزيفة ليصل الى نتائج خاطئة .
5- تتيح لنا معرفة النواقص التي يسعى اليها العدو أن نصعّب عليه الوصول اليها , او ان نتيح له ايضاً ان يستكملها بمعلومات مزيفة .
6- تتيح لنا معرفة مدى عمق تفكير العدو ومايبغيه ونكشف خططه المستقبلية.
7- تتيح لنا معرفة طرق تجسس العدو علينا ومعرفة نقاط ضعفنا .
8- تجعل الجهاز الاستخباري اقوى وامنع , وتجعله اكثر حرصاً على امن معلوماته وامن افراده وامن مستنداته واسراره وتضيء الضوء الاحمر في الاجهزة الاستخبارية وتجعلها تصحو من غفوتها او استرخائها.
9-ان المعلومات الاعتراضية تتيح للجهاز الاستخباري الابتكار في التضليل والقوة في القرار .
———————-
الصمت المطبق
———————-
ان اهم خطوة واخطر اجراء يتخذه الجهاز الاستخباري حين يتحصل على معلومات اعتراضية من العدو هو الصمت المطبق , فيجب ان ينحصر خبر اكتشاف المعلومات الاعتراضية في اضيق حلقة لدى الجهاز الاستخباري , اي ان لاندع العدو يعرف شيئاً عن معرفتنا بخططه تجاهنا او بأننا علمنا بنوعية المعلومات التي يسعى اليها او معرفتنا بالنواقص التي يسعى لإستكمالها او المعلومات التي يبغي تحديثها , انظر (مبحث الصمت الاستخباري ١٠٠), وفي بعض الاحيان تضطر الاجهزة الاستخبارية الى تلقي ضربات من العدو وتجعله ينتشي بشعور النصر بمنتهى ضبط النفس كي لايشعر العدو انها تعلم اية معلومات اعتراضية عنه .
فالصمت الاستخباري عمل دقيق وسري للغاية حتى داخل الدوائر الاستخبارية , وهو على شكلين , سلبي دفاعي كأن تسكت عما يفعله جواسيس العدو او تغض النظر عنهم لغرض تحقيق فائدة أكبر من خلال انتاج معلومات مشوهة نلقيها اليهم كي ينقلونها الى الجهة التي جندتهم باعتبارها حقائق من اجل ارباك العدو.
او ان يكون ايجابي هجومي يتمثل بادارة مصدر مهم او وسيلة الكترونية او فنية باتجاه او قرب هدف استخباري كبير ( كالتجسس على هاتف يعود لقيادي في داعش ) , فالصمت الاستخباري الايجابي الهجومي , يتم فيه التعامل بسرية شديدة للغاية مع مصدر هام وخطير يكون فيه بمثابة كنز لاتجوز المغامرة باتاحة معلومات عنه او عن نتاجاته داخل الجهاز الاستخباري .
وفي كلتا الحالتين هو أمر دقيق ومعقد ويحتاج الى وعي مفرط يزن الامور, فالصمت الاستخباري في اعتراض المعلومات عمل نوعي لاتتاح معلوماته ومفرداته الا لعدد محدود للغاية داخل الجهاز الاستخباري.
ان مايهم اجهزة الاستخبارات ان تتقن فن ضبط النفس والصبر المحكم في الاحاطة بمصادر العدو ومحاولة توجيهها من اجل غاية اكبر واوسع واهم , فالصمت الاستخباري هو الكمون لمصادر العدو والتغافل عنها كي تشعر بالأمان , من اجل اهداف اكبر لايمكن تحقيقها باعتقالهم او بتخريب مخططاتهم.
ويتم تطبيق الصمت الاستخباري ضد التجسس التقني والفني كما يصلح على التجسس البشري , فقد يكتشف جهاز استخباري ان هنالك محطة تنصت او هاكرز معادي او غيرها من الوسائل , فيعمد الى التغافل والتغابي ويتصرف كأنه لم يكشف شيئاً , فيترك الهكرز يخترق رسائل الكترونية لقائد عسكري او استخباري , ويعمل على ضخ رسائل بمعلومات زائفة ليسرقها الهكرز ويرسلها الى الجهة التي جندته.
الا ان هنالك دوماً مخاطر من ان يكون الخداع هنا مزدوجاً , فحين تتمكن من زرع مصدر بالقرب من قيادي ارهابي , عليك ان تتوقع ان الارهابي قد يكشفه ويرسل هو الآخر عبره معلومات مضللة اليك , لذا لايتم الركون 100% الى اية معلومة الا بتحليل ودقة متناهيين.
ان المعلومات الاعتراضية هو عمل نوعي تكون كوادره محدودة وعملها سري حتى على افراد الجهاز الاستخباري , لان الفوائد التي تجنى منه تكاد تعادل – احياناً – كامل عمل الجهاز الاستخباري .
و يحقق الصمت الاستخباري فائدة ركون العدو الى مصادره وعدم تغييرها باعتبار انها غير مكشوفة وناشطة ومعلوماتها مؤكدة , فالجهاز الاستخباري الذي يطبق الصمت الاستخباري سيتيح للجاسوس ان يصل الى الاسرار (التي تم تزييفها), شريطة ان لايلقي بالاسرار للجواسيس والعملاء بسهولة كي لايشكّوا , فيقوم بادعاء سريتها ويوحي بحمايتها , لكنه يترك ثغرة ترضي غرور الجواسيس كي يعتقدوا انهم وصلوا للاسرار بجهودهم وبذكائهم فهنا يكون الصمت الاستخباري بمثابة ادارة لجواسيس العدو دون ان يشعروا .
ان معرفة حجم اسرارنا المسربة يجعل لدينا قوة كبيرة في سلوك الخيار المناسب , فاعتراض معلومات العدو يعني مشاركته معلوماته و ما يحصل عليه من جهده الاستخباري بشرط ان لا يعرف اننا نشاهد ذلك او نسمع او نفتح شفرته.
—————
صعوبات
—————
ان الحصول على المعلومات الاعتراضية هو عمل معقد وذكي ومكلف ويحتاج الى الصبر , فهو ليس منع العدو من اختراقنا او تزويده بمعلومات كاذبه عنا بل معرفة ما يعرف , ولا حدود للفائدة في هذا الامر ولا يمكن تحديد ثمن له , فالمعلومات الاعتراضية ثمينة و مهمة الى حد انك تفهم مبادراته وتصرفانه وماذا يخطط.
فالمعلومات الاعتراضية تتم في الغالب من خلال مصادر في تنظيم العدو الاستخباري او العسكري وهي مهمة للغاية لتدارك المخاطر ومعالجتها وغلق التسريبات انظر (مبحث ١٦ جمع المعلومات) , وهو غالبا ما يستحصل من مصادرنا في جانب العدو , اي المصادر البشرية او الذراع الفني , وبالتالي فهي من واجب مكافحة التجسس , وهي مهمة جدا لمعرفة خارطه العدو والمعلومات التي يستخلصها من خلال جهده الاستخباري انظر (مبحث ٤٦ احتواء مصادر العدو , ومبحث ١٢١ التسريب , ومبحث 125 مكافحة التسريب).
ان جهاز مكافحة التجسس الناجح هو مرآة التجسس , فكما ان كل جهاز استخباري يسعى للحصول على المعلومات عن العدو ويخطط لكيفية اختراق خزائن العدو المعلوماتية ويسعى لتجنيد العملاء , فانه يسعى في ذات الوقت لسد الثغرات التي قد يخترق العدو من خلالها امنه ومعلوماته السرية , فالسارق يعرف بحكم خبرته في فتح الابواب والخزائن أنّ بالامكان ان يتعرض للسرقة , لذا يكون خبيراً في حفظ مسروقاته فيعمد الى وضع الشراك واستخدام الحيل وكل مامن شأنه ان يمنع احداً من سرقته , وكلما كان حاذقاً في السرقة والاختراق , فانه يكون حاذقاً في منع اي احد من سرقته , ومن هنا فاننا نقول ان الاجهزة الامنية تعمل كل مابوسعها لكي تسد كافة المنافذ التي تتصور ان العدو سينفذ من خلالها وكأنها تنظر الى مرآة ترى فيها اعمالها وحيلها التجسسية.
فمكافحة التجسس لاتعني بالضرورة اغلاق منافذ العدو وعيونه , وانما يتعداه الى التفكير في كيفية تدوير العمل الاستخباري والاختراق وجعل عناصر ومصادر العدو تحت ادارتنا من بعيد لنحقق افضل حالات الجهد الاستخباري المضاد.
————-
الاحتواء
————-
عند معرفة الجهاز الاستخباري بالمعلومات الاعتراضية التي تؤكد وجود جواسيس , فإنه يتخذ مجموعة اجراءات هي :
1- التأطير: ونعني به انتاج معلومات فيها مقدار من الصحة لكنها مؤطرة اما بالتغليض او التضليل او الخدعة , اي ان اصل المعلومة صحيح , ولكن فيها مغالطات واخطاء وزيادة او نقصان متعمد ومضخم , كأن نقول انه قد تم ارسال الوحدة كذا الى المنطقة كذا ,وهذا يكون صحيحاً لكن نضيف اليه التضخيم في القوة وانواع اسلحتها والصنوف المتجحفله معها وهكذا قد تكون القوه من 100 مقاتل لكننا نؤطرها باضافات كثيرة ومختلفة.
2- التدوير : انتاج معلومات بأساليب مختلفة وبخبر واحد, اي تكرار الخبر بعدة صور وقصص مختلفة بغية تأكيدها في عقول مصادر العدو, كأن نقول ان تلك القوه تمركزت قرب الموصل , ونعود ونقول انها قرب الحويجة ومن ثم ينتشر الخبر بان القوة على مشارف الرطبه وهكذا يتم تدوير الخبر عده مرات.
3-التأثير :بانتاج اخبار مؤثره وجاذبة تفتح شهية شبكة معلومات العدو, ومثاله طرح معلومات ملفتة للانتباه كأن نقول ان القوة الفلانية قد تم تكليفها بمهام البحث وقتل خليفة البغدادي , مما يجعل العدو يبحث عن هذا الخبر ويستنفر شبكة معلوماته اليها فتتحرك سواكن العدو مما يمكننا من كشفه.
4- الانذار او الاستنفار: ويتم باطلاق معلومات صحيحة فيها خوف ورهبة للعدو, ومثاله اطلاق معلومات حقيقية مخيفة للعدو , كخبر عن انتاج صاروخ او مناورات عسكرية و تدريبات او صفقات وغيرها.
ان تلك الاساليب الاربعة تشبع العدو بالمعلومات المربكة والمختلفة والمحيرة مما يربك مركز تحليله من خلال تزويده بكم هائل من المعلومات المختلفة والمتنوعة التي تثقل تفكيره وتضيع عليه قدره الفهم.
———————–
التسريب الشامل
———————–
ان تسريب الاسرار المغلوطة التي يقوم بها الجهاز ضمن خطط الخداع تتم بشكلين اساسيين :
1-التسريب الموجه : وهي عملية نشر وتسريب يقوم بها الجهاز ذاته على نفسه بشكل مسيطر عليه ومضلل , الغرض منها ايهام العدو بانه يحصل على معلومات هامة وهي بالحقيقه معلومات موجهة ومنظمة.
2-تسريب المصيدة: يقوم به الجهاز بنفسه بغية كشف جواسيس محتملين , فيقوم الجهاز بتزويد شخص ما من الجهاز بمعلومة ما على انها سرية جداً وحصرية , ويراقب وصولها الى العدو (مثالها توقيت هجوم ) , فان وصلت المعلومة الى العدو فهذا يعني الايقاع بالخائن .
اما اذا كان التسريب واسعاً وعمودياً اي انه تسريب شامل , حينها يتم اعتماد فريق عمل من خبراء مكافحة التجسس ولاسيما من المتقاعدين , لتقييم عمل التسريب وحجمه ومعطيات المعلومات الاعتراضية وقد يلجا الى المصيدة او التسريب الموجه لفتره من الزمن , وقد يغير في الاجراءآت ومقررات الجهاز اوقد يصمت (اوتصمت اللجنة التحقيقية ) لفترة من الزمن لتجعل كل شيء طبيعي وعادي حتى لا تثير عوامل التسريب , فكلما كان التسريب جزئياً , كانت مكافحته وكشفه وتحديده اسهل والسيطرة عليه اسرع .
ان اجراءت مكافحة التسريب لا تختلف عن مكافحة التجسس بالاطار العام (راجع مبحث 39 مكافحة التجسس) , فمكافحة التسريب لاتقف عند معرفة التسريب ومحله بل تمتد الى معرفة الى من يصل هذا التسريب ومن امر به .
————
خلاصة
————
ان يوم الحصول على المعلومات الاعتراضية في اي جهاز استخباري هو يوم له مابعده , والمهم ان لايرتبك الجهاز , لان المعلومات الاعتراضية هي بمثابة مفاتيح لنجاحات كبيرة من الممكن تحقيقها بالحنكة والصبر والسرية . وكما في احد افلام الممثل الشهير ميل غيبسون عندما كان يستطيع سماع افكار الناس , والله الموفق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق