أحوال عربية

مقتل خاشقجي : فعل كيدي ام مشروع بوليسي قمعي

عوني القلمجي

بداية لن اضع نفسي في موقع الدفاع عن جمال خاشقجي، فالرجل، بالنسبة، لي قريب او جزء من العائلة الحاكمة في السعودية. والنظام السعودي، الذي يتخذ من الدين الاسلامي الحنيف ستار له، هو في حقيقته نظام دكتاتوري تسلطي يشابه، ان لم يفوق الانظمة الدكتاتورية قساوة وظلما. ما يهمني في مقتل الخاشقجي كونه يمثل نموذجا صارخا لسياسات الانظمة الدكتاتورية والتسلطية والقمعية، التي اوصلت بلداننا الى الدرك الاسفل، وحرمت شعوبنا من الحرية والتقدم، ومن تبوأ مكانها اللائق بين شعوب العالم المتحضر.
قبل ما يقارب القرن من الزمان، قال الزعيم الايطالي الفاشي بينيتو موسيليني ” كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي” هذه المقولة توسع معناه في زمن الانظمة الدكتاتورية والتسلطية، لتكتمل في مشروع بوليسي قمعي يكون دليل ومرشد لمواجهة اعداء السلطة، بصرف النظر عن اهدافهم وميولهم وانتمائاتهم وعقائدهم ودرجة خطورتهم. ولتفعيل هذا المشروع اقامت هذه النظم اسس متينة يقوم عليه، واجهزة امنية واستخباراتية يستند اليه، واجهزة اعلامية تبرر الاساليب القمعية التي يقوم بها. ومن المؤسف حقا ان تلقى هذه الانظمة الدكتاتورية والتسلطية، تاييدا ودعما وحماية من قبل الدول الغربية، التي تتباهى بالديمقراطية، لمجرد تامين مصالحها السياسية والاقتصادية، وتكريس مشاريعها العدوانية، والتحكم بثروات هذه البلدان واموالها، حتى اصبح هذا المشروع البوليسي، بالنسبة لهذه الانظمة القمعية، يتقدم على جميع مشاريعها الاخرى.
ضمن هذا السياق تم قتل الصحفي جمال الخاشقجي داخل القنصلية السعودية في تركيا، فهو بمثابة الاعلان لكل معارض يتوهم بانه في مامن من اجهزة المملكة القمعية، او يتمكن من حماية نفسه في هذه الدولة او تلك، وهي ايضا انذار لكل من تسول له نفسه الوقوف ضد سياسات المملكة داخل السعودية، وهي اخيرا رسالة الى كل المعارضين لنظام الحكم تقول، بان سيف الدولة ليس له حدود او ضوابط ،ويشمل حتى المعارض بالكلمة. فالمتابع لكتابات الخاشقجي ونشاطاته لا يرى فيها اي خطر يستحق مثل هذا العقاب. حيث لم تتعدى الانتقادات التي وجهها للنظام غير النصح والارشاد، فهو كما صرح مرارا وتكرارا بانه ليس معارضا او معاديا، بل ان البعض اعتبر جمال خاشقجي جزء من هذا النظام، كونه تقلد مناصب ووظائف رسمية عالية، وصف على اساسها بانه”ناطق غير رسمي للملك سلمان”. حيث دافع عن سياساته

الخارجية، وخاصة الإقليمية، ومنها الموقف من التوسع الإيراني والمعارضة السورية، اي ان الخاشقجي، في نهاية المطاف” كان مؤيدا ومساندا للملك سلمان وللمملكة، سوى انه تحفظ على بعض سياسات ابنه وولي عهده محمد.
اما نشاطاته التي حاولت اجهزة النظام تصويرها، وكانها سلاح دمار شامل موجه لاسقاط الملكية، فهي اقتصرت على توجه سياسي غير عدائي، عبر عن مضمونه في مقابلات تلفزيونية بشعار “انا لست معارضا وانما اريد سعودية افضل” وقيل، والعهدة على الرواة، بان الخاشقجي قرر تاسيس مشروع باسم “الديمقراطية في العالم العربي” يرمي الى تحديث النظام السعودي واستبدال الملكيّة المطلقة بنظامٍ أكثر تمثيليّة من العائلة المالكة، وان يكون الخاشقجي واجهة لهذا التغيير.
اما الاحاديث الاخرى حول امتلاك الخاشقجي اسرار محرجة، على حد تعبير جون برادلي، الذي عمل الى جانب خاشقجي في الإعلام السعودي، مثل العلاقة القديمة بين المملكة وتنظيم القاعدة ومع اسامة بن لادن وهجمات 11 ايلول. فهي مجرد اقاويل لا تستند الى ادلة او شهود، ما عدا وجود الخاشقجي لسنوات طويلة مستشارا للامير السعودي تركي الفيصل، عندما شغل مدير المخابرات السعودية، وعندما كان سفيرا في امريكا. وفي كل الاحوال فمثل هذه الاسرار قد افتضح امرها منذ زمن طويل.
ان جريمة من هذا النوع وبهذه البشاعة، وعدم الاكثراث لردود الفعل، سواء من قبل دول العالم او الراي العام، تنبيء بان نظام الحكم في السعودية يسير بنفس اتجاه السلطة في دولنا التي تعتمد على حكم الفرد الواحد، بدل حكم الحزب او القبيلة او العائلة، ليقوم بتنفيذ متطلبات المرحلة القادمة التي تسمح لامريكا والكيان الصهيوني، على وجه الخصوص، بالهيمنة على المنطقة، وانهاء الحركات الوطنية التي تسعى للبناء اوطانها، وتصفية القضية الفلسطينية نهائيا، عبر ما سمي بصفقة القرن او غيره من مشاريع تهجير الشعب الفلسطيني الى الدول المجاورة. وبالتالي فان مثل هذه السياسية التصفوية لابد وان يكون الحاكم الجديد مستعدا لها، كونها ستلاقي بكل تاكيد معارضة شديدة من قبل شعوب المنطقة، وهذا ما يفسر الحملات الاعلامية الضخمة التي تصدرتها 25 شركة مختصة لتسويق الحاكم الجديد، ووصفه بالرجل القوي والمصلح والمجدد، والذي سيحرر 32 مليون سعودي من بينهم 16 مليون امراة، من العهد القديم المتزمت والمتشدد.
على هذا الاساس فان من يعتقد بان محمد بن سلمان سيستبدل بامير اخر جراء مقتل الخاشقجي، او ان هناك مؤامرة لتدمير السعودية يخالف واقع الحال. خاصة وان امريكا والكيان الصهيوني اخذوا على عاتقهم تثبيت حكم الطاغية الجديد وليس العكس. والا ما معنى اعتراف المملكة امام العالم ببيان رسمي هزيل بقتل الخاشقجي
داخل السفارة، على عكس ما صرحت به القنصلية بانه خرج منها؟ وما هذا الاستخفاف بعقول الناس حين اشار البيان بان مقتل الرجل حدث بسبب اغلاق فم المقتول من قبل موظفي القنصلية، وان جثته نقلت عن طريق متعاون محلي خارج السفارة؟ اليس هذا الاعلان السخيف قد تم الاتفاق عليه بين الحاكم الجديد وصديقه رئيس امريكا دونالد ترامب لايجاد مخرج من هذه الورطة؟ ثم ما معنى ان يكون محمد بن سلمان رئيس اللجنة التحقيقة في متابعة هذه الجريمة، اذا كان راسه مطلوب في القريب العاجل؟ واذا كان الامر غير ذلك فهل سيمثل هذا البيان او الاعتراف مخرجا قانونيا رصينا امام دول العالم والراي العام، وهو بهذا الضعف والمهزلة؟
نعم هناك راي لعدد من اقطاب الادارة الامريكية ضد السعودية في عهد بن سلمان، تقول من الصعب الوثوق بالنظام السعودي، على حد تعبير سفير امريكا في تل ابيب، وتعبير ل لنزي كراهام عضو مجلس الشيوخ الامريكي بقوله ارحل عن الحكم او السلطة. ونعم ايضا بان هناك راي داخل اميركا، وبلغة واضحة تتهم بن سلمان بقتل الخاشقجي، لكن ترامب الذي لا يزال الرجل القوي في امريكا لن يعير اهتماما لمثل هذه الاراء، حيث كان الاكثر من غيره في تسويق محمد بن سلمان، جراء الدعاية الضخمة التي احاطت بصفقة بيع السلاح للسعودية، والحصول على نصف ترليون دولار خلقت فرص عمل كان المجتمع الامريكي بامس الحاجة اليها. ناهيك عن ابن سلمان على حد تعبير الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى سايوم هندرسون “لا يهاب غيظ امريكا فواشنطن تعطيه ما يريد”. ويضيف ان ابن سلمان “طورعلاقة وثيقة جدا مع ادارة ترامب لدرجة حصل منها على كل ما يريد وما يشتهي تقريبا”.
باختصار شديد، فان جريمة قتل الخاشقجي تؤكد بما لا يدع مجال للشك، بان ولي العهد قد قرر اسكات اي صوت يقف ضد طموحه بان يصبح ملكا، فتبوأ مثل هذا المنصب سيلاقي معارضة شديدة داخل الاسرة الحكامة، التي تعودت ان تنتقل الملوكية من الاخ الكبير الى الاصغر منه، على خلاف ما فعله الملك سلمان بتولية ابنه العهد واقصاء اخوه محمد بن نايف. اي اصبحت الملوكية متوارثة من الاب الى الابن. وقد ادرك الخاشقجي هذه المسالة وتحفظ على هذا التوجه، خاصة وان ابن سلمان قد جمع سلطة الامراء في المناطق وفي الجيش والحرس الوطني وفي الاقتصاد، بسلطة مركزية تحت قيادته، وفرض سيطرته التامة على كل مرافق المجتمع، من اقتصاد وبنوك ووزارة الدفاع والداخلية والاعلام، الامر الذي يتعاكس وطموحات الخاشقجي، الذي يسعى لان يكون له مكان مرموق في عائلة ال سعود، وهذا ما يفسر وصف الخاشقجي للاصلاحات التي قام بها ابن سلمان والموقف من رجال الدين، اصلاحات ترقيعية من اجل تحقيق هدفة الملكي، وان هذه الاجراءات ستكون على حساب
الاصلاح الحقيقي، التي يسعى اليها الخاشقجي، والمتمثلة اساسا باطلاق الحريات العامة وحرية الصحافة والرأي، وفسح المجال لمشاركة فئات من الشعب في السلطة والقرار. ناهيك عن مشاركة الخاشقجي في تقييم ابن سلمان، كونه فتى نزق ومكابر ومتغطرس لا يصلح لادارة دولة من وزن المملكة العربية السعودية.
الملك القادم ابن سلمان اراد ان يقول، بان الخاشقجي لن يكون الاخير في مسلسل تصفية اي معارض، حتى اذا كان من ذوي القربى، وان شعار عهده ليس كما قال الفيلسوف الفرنسي رينه ديكارت “انا افكر اذن انا موجود” وانما من يفكر فهو مقتول. وما ينطبق على السعودية ينطبق على كل الانظمة الدكتاتورية والسلطوية والعميلة في اي بلد من بلداننا العربية.