ثقافة

مقال وترجمة ل جوناثان سويفت

روائع المقال تأليف : هوستون بيترسون ترجمة: يونس شاهين الثالث :

خالد محمد جوشن

اليس من سخرية القدر ، ان يؤخذ ” رحلات جليفر ” وهو اكثر السجلات التى كتبت عن الجنس البشرى وحشية ، على انه كتاب للاطفال ، وان كتابا ساخرا اخر من كتب سويفت اسمه ” قصة برميل ” يحتوى على هذه العبارة ان انبل شيئين ” هما الرقة والنور ”
ان جوناثان سويفت ( 1667- 1745) بما كان يتميز به من قوة الكفاح فى سبيل الوصول الى السلطة ، كان يمكن ان يكون من اكبر السياسين فى زمانه ، ولكن افتقاره الى المركز الاجتماعى والثروة والمرونة فى طباعه ، جعل منه رجلا من رجال الكنيسه ، كاسقف لكاتدرئية سانت باتريك فى دبلن
وجعل منه فنانا ساخرا فى النثر والشعر ، ومن اعظم فنانى هذا الاسلوب فى العالم ، الى جانب ما كان يكتبه بين الحين والحين ، من كتابات بالغة العنف فى السياسة
وقد ابتلى طوال حياته بمرض غامض لعله التهاب فى التجاويف الداخلية للاذن ، مما كان يسبب شعورا بالغثيان والدوار ، وقضى السنين الاخيرة من حياته فى ظلام عقلى .

وترك كل ما يملك لتاسيس مؤسسة للامراض العقلية ، وقد كتب العبارة الاتية :- باللغة الاتينية لتوضع على قبره – هنا يرقد جوناثان سويفت حيث لا يستطيع الغضب العنيف بعد الان ان يمزق قلبه .
والان الى مقاله عن
فن الكذب فى السياسة

يقال لنا ان الشيطان هو ابو الكذب ، وانه كان كذابا منذ بدء الخليقة ، وعلى هذا فالاختراع عريق بما لا يقبل الجدل ، زد على ذلك ان اول مقال له كان سياسيا خالصا ، استخدمه فى تقويض سلطة اميره ، واغراء ثلث رعاياه بالخروج عن طاعته ، وقد طرد لذلك من السموات العلى.

وبالرغم من ان الشيطان هو ابو الكذب فانه يبدوا كغيره من كبار المخترعين قد فقد الكثير من شهرته بما ادخل على اختراعه من التحسينات المستمرة

اما اول من جعل الفن كذبا ، وطوعه للسياسة ، فقد عجزت عن الكشف عنه من دراسة التاريخ ، وذلك بالرغم من بحثى الدقيق المتواصل .

الناس فى العصور الحديثة اضافوا الى فن الكذب اشياء اعظم اثرا ، باستخدامهم هذا الفن للوصول الى السلطة والاحتفاظ بها ، الى جانب الانتقام لانفسهم بعد فقدهم للسلطة ، كما تستعمل الحيونات نفس الاداة التى تمضغ بها فى عض من يدوس عليها باقدامه.

وفن الكذب يستطيع ان يحيل المراكشى الاسود الى ابيض ناصع ، وان يصنع من الكافر قديسا ، ومن الخليع الفاجر وطنيا ، ويستطيع ان يضفى الذكاء على وزراء الخارجية ، وان يرفع او يخفض من شان شعب باسره

وانى لافكر فى بعض الاحيان ، لو ان هناك رجلا يمتلك بصيرة الكشف عن الكذب ، فاى متعة عظيمة تكون عند هذا الرجل بمراقبته لاسراب واشكال الكذب من مختلف الاحجام والالوان والتى تحوم حول رؤس الناس

ان هناك امرا هاما يختلف فيه الكاذب السياسى عن غيره ممن يشاركونه هذه الملكة ، الا وهى انه يجب ان تكون له ذاكرة قصيرة ، وهو امر لاغنى عنه ، لاضطراره لمناقضة نفسه تبعا للمناسبات العديدة التى تجابهه فى كل ساعة ، والتى لا يجد فيها مناص من حنث ايمان الولاء للجانبين من كل خصومة وطبقا لما يرضى به الناس ، الذين ينعامل معهم فى وقت معهم

وفى وصف فضائل ورزائل الجنس البشرى من الانسب فى كل مقال نكتبه ان نضع نصب اعيننا رجلا ذو شهرة ومكانة كنموذج نستلهم منه حوارنا
وقد التزمت دائما بهذه القاعدة وامام مخيلتى الان رجلا من العظماء مشهور بهذه الملكة التى يدين بممارستها المستمرة التى ظلت عشرين عاما الى شهرته ،باعتباره أكبر راس فى انجلترا ، لمعالجتة المشكلات الدقيقة الحساسة ، وفى اعتقادى ان السر فى نبوغه وعبقريته ما هو الا ما فى جعبته من الاكاذيب السياسية ، التى لا ينبض لها معين ، والتى يطلقها كلما فتح فمه بالكلام ، ثم ينساها وينقضها فى سخاء يحسد عليه فى النصف الساعة التالية
انه لم يفكر فى حياته مرة ان كانت القضية المطروحة عادلة او باطلة ان ما يعنيه دائما هو ان كانت اللحظة تتطلب منه ان يدافع عنها او يعارضها او كان ميل من يتحدث اليهم يشير الى هذا او ذاك
وان رايت من المناسب ان تكون ملكيا اكثر من الملك وان تحاول ان تجد تفسيرا لما يقول ولو كان تفسيرا عكسيا على غرار ما نفعل بالاحلام فستجد انك لا زلت حيث كنت ، من حيرتك ، وانك ان صدقته او كذبته فستكون مخدوعا فى الحالين ، والحل الوحيد هو ان تفرض انك سمعت بعض الاصوات المدغمة ، التى لا معنى لها على الاطلاق ، الى جانب ان هذا الفرض سيجنبك كذلك مايمكن ان تحس به من اشمئزاز شديد من سماعك لتلك الايمان التى يعزز بها طرفى كل قضية

وان كنت ارى فى نفس الوقت ان ليس من العدالة ان توجه اليه تهمة الحنث فى قسمه ،حين يشهد الرب والمسيح على القول ونقيضه ، اذا انه كان امينا
لانه لا يؤمن باى منهما
ان بعض الناس قد يظن ان موهبة او كفاية مثل هذه لا تستطيع ان تحقق نفعا كثيرا لصاحبها او لحزبه ، بعد كشف امرها ، وصار لها سمعة سيئة بين الناس ، ولكن هذا خطأ فاحش فالنادر من الاكاذيب هو ما يحمل علامة صاحبه ، واشد اعداء الصدق عهرا يمكنه ان يطلق الفا من الاكاذيب دون ان يعرف احد انه المسؤل عنها

ذد على ذلك ان لكل مؤلف قراءه مهما سفل او سفه ،وهذا ينطبق كذلك على الكذابين مهما بلغ كذبهم ، فلكل منهم مصدقيهم ، وكثيرا ما يحدث انه حين يصدق الناس كذبة ما لفترة ساعة فقط ، يكون مفعولها قد سرى ، ولم تعد فى حاجة الى فرصة اخرى ،
فالباطل يطير ، والحق يحجم فى بطء وراءه ، وعلى ذلك حين يتاح للناس ان يروا الحقيقة ويشفوا من خداعهم ، يكون الاوان قد فات ، وتكون القصة قد انتجت اثارها فمثل ذلك كمثل الرد القاطع ، الذى يخطر لرجل ، بعد ان يكون الحديث قد تغير مجراه ، او يكون المجلس قد انفض
او كمثل دواء اكيد المفعول يكتشفه الطبيب بعد موت المريض

وعندما افكر فى الميل الطبيعى عند الكثيريين للكذب وعند الغالبية العظمى من الناس للتصديق ، تعترينى الحيرة من ذلك المثل الذى نجده على كل لسان بان الحق لابد له ان يعلوا على الباطل فى النهاية ، وان كان ذلك سيحتاج الى بعض الوقت
والى المقال القادم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق