رأي

مفارقات الحراك

حمزة لعريبي

إن لم تخنّي الذاكرة فقد خرج الشعب الجزائري في الثاني والعشرين من فيفري بهدف إنهاء الديكتاتورية وتفرعن العصابة وإعادة الاعتبار للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وإن قلت إعادة الاعتبار فأعني بذلك النضال من أجل تجسيد كل كلمة في الشعار، وإن لم تخني الذاكرة أيضا فقد خرج الجزائريون يرددون شعار “سلمية سلمية” للتعبير عن سلميتهم وابتعادهم كليا عن التخريب والشجارات والمواجهات وعن كل أشكال العنف، وقد خرج الجزائريون دفاعا عن وطنهم الذي شعروا وأنه اغتصب من طرف عصابة عاثت فيه فسادا وهدمت أسس الدولة الجزائرية وخرجوا منادين بمحاسبة كل من سرق واختلس وتسبب في تبلور أزمة من الأزمات التي مرت ولازالت تمر بها الجزائر ومحاسبة كل من تآمر ويتآمر ضد السيادة الوطنية.
أتساءل اليوم، أين الديمقراطية وأين حرية التعبير التي ينادي بها الجزائريون وقد أصبح كل من يدلي برأيه ووجهة نظره الشخصية ويعبر عنها بكل عفوية ملقب بالذباب فقط لأنه خالف أساطزة البث المباشر؟ أين الديمقراطية وقد أصبح من يثبت على مبادئه ومن يدافع عن قناعاته بكل صراحة يسمى من طرف من نصبوا أنفسهم أولياء الحراك ووطنيين أكثر من غيرهم “آكل كاشير”؟ أين الديمقراطية إذا أصبح الشارع ملكا للبلطجية الذين يدافعون عن أفكار “أساطزتهم” بل ويلبسونها حتى لو كلفهم ذلك الطعن في المؤسسة العسكرية وقياداتها؟ أتساءل أين السلمية وشعار “خاوة خاوة” إذا كان الحراك قد أخذ منحى آخر وأصبح أعوان الأمن المكلفين بتأطير المسيرات وتأمينها عرضة للاستفزاز بدءا بانتهاك حرمة بدلتهم النظامية والصعود على شاحنتهم مرورا إلى مطالبتهم بالرحيل من الشارع وسبهم وشتمهم في عز أيام الشهر الفضيل؟ أتساءل أين نية الجزائريين في محاسبة المتآمرين على الجيش والوطن إذا كان البعض يطالب بإطلاق سراح هذا وذاك ممن ثبت ضلوعهم في الاجتماع المشبوه الذي أدلى بشهادته بشأنه واحد من الرجال النزهاء والشرفاء والمخلصين لهذا الوطن؟ أتساءل أين العدالة التي خرج الجزائريون يطالبون بإعادة الاعتبار لها إذا كان البعض يطالب بإطلاق سراح من ثبت تورطهم في قضايا فساد وتآمر؟ أتساءل أيضا أين النضال من أجل “جزائر جديدة” إذا كانت الرايات المرفوعة بكثرة في ساحة البريد المركزي الذي اتخذ كمكان رمزي للحراك رايات عرقية لا وطنية؟ أتساءل إذا كان الجزائريون قد خرجوا من أجل مطالب في صالح الوطن فما علاقة اللافتات التي تدعو إلى حرية المرأة وحرية المعتقد وغير ذلك من المطالب التي تمت شخصنتها؟
أتساءل يوميا إن لم يكن كصحفي فكمواطن لابد من أن يفهم حقيقة ما يجري في الجزائر خاصة في الأسابيع الأخيرة، لأن الحراك الذي بدأ عنبا قد تحول إلى خمر، وأخشى أن يثمل الشعب ويدخل البلد “في حيط”.

وسيط تداول
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق