أحوال عربية

مصر ..لماذا يرفض البعض تعديل الدستور ؟

وائل رفعت سليم

الدستور من وجهة نظري هو ( اداه لضبط سلوك المجتمع من خلال بسط سلطان القانون لإقامة منظومه للعدل تدعم الاستقرار والتحول الديمقراطي والتغيير السلمى بهدف تطوير اداء الدولة والارتقاء بخدماتها لحل مشكلات المجتمع وتنميته تنمية جادة هادفه تعود آثارها على المواطنين بتحقيق الامن والرخاء والتقدم الدائم والمستمر )
ومن هذا المنطلق كنت ضد قرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد 25 يناير بدعوته لتعديلات دستورية علي عشرة مواد دستورية في دستور 1971 حتي يكون صالحاً لاستخدامه فيما عرف باستفتاء 19 مارس 2011 الذي تضمن وصفاً لخارطة الطريق تتلخص في إجراء انتخابات برلمانية تتبعها انتخابات رئاسية ، وبالتوازي يقوم البرلمان باختيار لجنة تأسيسية من مائة عضو تقوم بكتابة دستور جديد لمصر ، وهو ما اعتبرته خطوة لإطالة أمد بقاء المجلس العسكري في حكم مصر ، وان الطريق الأسرع والأفضل لمصر حينها هو وضع دستور جديد للبلاد ثم تأتي الانتخابات البرلمانية يتبعها الانتخابات الرئاسية وبالفعل شاركت في التصويت وصوت بلا لهذه التعديلات ، إلا أن النتيجة العامة جاءت بنعم فصدر الإعلان الدستوري في 30 مارس 2011، ثم لحقه التعديل الثاني في 19نوفمبر2011 .
ثم وقفت ضد الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره الرئيس السابق محمد مرسي في 22 نوفمبر 2012 ورفضت فيه تحديداً مادتين :- أولهما – جعل القرارات الرئاسية نهائية غير قابلة للطعن من أي جهة أخرى ( كالمحكمة الدستورية ) منذ توليه الرئاسة حتى إقرار دستور جديد وانتخاب مجلس شعب جديد . ثانيهما – تحصين مجلس الشورى واللجنة التأسيسية بحيث لا يحل أيا منهما ( كما حدث لمجلس الشعب الخاص بمبارك ) .
وعلي آثر ذلك ساندت دستور 2014 واعتبرته جيد بنسبة 70% إلا أنه يحتاج إلي إرادة جادة للتطبيق ، وبحكم الطبيعة القانونية لشخصي كتبت مقال من جزئيين بعنوان (شرعية العسكر في مصر بين البقاء والزوال ) نشر بجرية ( عدن الغد ) كان أقرب للورقة البحثية عن كونه مقالاً او عملاً أدبياً يبحث في شرعية الحكم ومشروعيته من خلال تحليل لتاريخ مصر المعاصر مستندا علي مفاهيم قانونية وأراء فقهية ، ومرتكزاً علي كون الشرعية بيد الشعوب تمنحها متي تشاء وتسلبها متي تشاء متى لم تلتزم تلك الأنظمة بشرعيه ومشروعيه قراراتها تجاه شعوبها .
ومن هنا أقول أن التعديلات التي يسعي نظام الرئيس السيسي لإحداثها علي دستور 2014 كارثية بكل ما تحمل من معني والتي لم يعلن عن مضمونها بشكل كامل !! ولم يعلن عن أسبابها وأهدافها ؟؟ وبالمخالفة للمادة 226 من دستور2014 وإنما تواترت للرأي العام من تسريبات صحفية أو برلمانية أو من سياسيين قربين من النظام ويمكن تفسير أهم وأخطر بنودها من الناحية القانونية والسياسية علي النحو التالي :-
التعديل الأول :- تمديد الفترة الرئاسية الثانية لتنتهي في 2024 بدل 2022، وإتاحة الفرصة لإعادة الانتخاب أكثر من مرة ، بالمخالفة لنص المادة 140من دستور 2014والتي تنص علي ( يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات ميلادية ، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه ، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة – إلي آخرة ، وهذا التعديل ينهي فكرة التداول السلمي للسلطة وغلق آمال ضخ دماء جديدة في السلطة لديها أفكار أو أراء من الممكن أن تعمل لإصلاح حال المصريين .
التعديل الثاني :- التوجه نحو إضافة مادة تتعلق بتوسيع صلاحيات الجيش المصري لحماية مدنية الدولة والحياة الديموقراطية .
التعديل الثالث :- هو وضع مادة انتقالية في الدستور تنصّ على إنشاء ما يسمى المجلس الأعلى لحماية الدستور ، تكون له صلاحيات واسعة في الحفاظ على هوية الدولة”، وحماية الأمن القومي للبلاد في حال تولي قيادة سياسية جديدة ، علي أن يكون السيسي رئيسا لها سواء كان في السلطة أو خارجها .
وهذان التعديلان تحديداً لهما عدة نقاط يمكن أن يبني عليها لمعرفة السبب في التوجه نحو هذه الخطوة تتمثل في الآتي :- 
من المعروف أن الأجهزة الأمنية الكبرى ترصد حركة الشارع وأراء الشعب في الحكومة والرئيس والثابت لديهم أن شعبية الرئيس السيسي في أدني معدلاتها منذ 2013 وأن هناك حالة من الغضب والسخط بين الناس ترصدها الأجهزة الاستخباراتية وتؤكد علي خطورة هذه الحالة واحتمالية تفجرها في أي لحظة ، وربما يتكرر سيناريو 25 يناير مع الضغوط الاقتصادية التي يتعرض لها المصريين في حياتهم المعيشية ، وزيادة معدلات الحوادث ، وارتفاع سوء المعاملة من قبل الشرطة تجاه المواطنين ، ورفض الناس لأحكام القضاء التي يغلب عليها طابع سياسي ، وتوجيه الإعلام نحو الصوت الواحد الموالي للنظام فقط ، مع التردي العام للخدمات الحكومية كافة ، فيأتي رئيس مدني أو برلمان لا يمثل القائمين علي الحكم ، وهو ما يستدعي وجود جهة تحمي الدولة ولو لفترة محدودة وفق رؤيتهم ، ووفق ما كشفته صحيفتي الجارديان البريطانية والنيويورك تايمز الأمريكية أن رئيس المخابرات اللواء/عباس كامل ونجل السيسي محمود هما من يقومان بإدارة التعديلات الدستورية بالتعاون مع بهاء الدين أبو شقة رئيس حزب الوفد لتمكين الرئيس من الاستمرار في الحكم وأن تعذر ذلك لأي سبب من الأسباب لا تستبعد طرح فكرة تولي أبنه محمود أو قائد آخر من الجيش يدعمه المجلس العسكري و من خلفه السيسي برئاسته للمجلس الأعلى لحماية الدستور ، للحفاظ علي توازنات المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وكذلك الحفاظ علي اقتصاديات الجيش ، وإلا ما الداعي ليذكر أن هذا المجلس برئاسة السيسي سواء ظل في الحكم أو غادره !!! ، وعليه يتضح أن المجلس العسكري حينما تعاطف مع ثورة 25يناير وساعد في الإطاحة بالرئيس الأسبق مبارك لم يكن تعاطفاً منطلقاً من الإيمان بالإصلاح وإنما من رفضه أن ينتقل الحكم إلي شخص مدني حتي لوكان هذا الشخص جمال مبارك ، ومن ثم تصبح ضبابية المشهد الحالي في مصر هي العنصر المسيطر علي عقل من يقوم بأجراء هذا التعديل لذا يعمل الآن علي إيجاد تدبير وحماية له من المستقبل الغير مقدر لعواقبه وفي ذات الوقت يصبح أي شخص قادم بعد السيسي لرئاسة مصر لا حول له ولا قوة فلا يستطيع أن يخرج عن نسق رسم له مسبقاً بمفهوم المصريين ( رئيس شخشيخة ) . 
التعديل الرابع :- إلغاء المادة 241 الخاصة بالعدالة الانتقالية ، والتي تنصّ على التزام مجلس النواب بإصدار قانون للعدالة الانتقالية . وهو ما يرفضه القائمين علي الحكم لما سيشكله هذا القانون من مسائلة لشخصيات سياسية وعسكرية واقتصادية كبري توالت منذ حكم مبارك وحتي الآن .
التعديل الخامس :- وتشمل تعديلات على طريقة تعيين القضاة ، والغاء رقابة مجلس الدولة علي القرارات والقوانين التي يصدرها رئيس الجمهورية . فمن المعلوم أن مجلس الدولة حينما يراجع القرارات والقوانين فأنه يمنحها المشروعية وفق اتفاقها وقواعد القانون وبالتالي هذ التعديل سيسحب مشروعية هذه القوانين وسيمثل نهاية لمجلس الدولة والغاء دوره للأبد ، وربما يكون هذا هدف في حد ذاته وبخاصة بعد موقف المجلس من قضية جزيرتي تيران وصنافير المصريتان وبالتالي نزع سلطته في الرقابة علي القرار الإداري الصادر من ممثلي السلطة التنفيذية والتشريعية ، ولا أستبعد تحويل دور مجلس الدولة في المستقبل لقضاء تأديبي فقط لموظفي الدولة بعد ما يتردد من نيه لإلغاء نظر مجلس الدولة لقضايا ( إيقاف تنفيذ القرار الإداري والإلغاء للقرارات الصريحة والسلبية والضمنية والتي تصدر من ممثلي الجهات الإدارية ) وربما أيضاً القضايا المطالبة بحق ما في العقد الإداري أو بالتعويضات في البدلات لموظفي الدولة والتي تصرف من باب التعويضات في الموازنة العامة للدولة . 
التعديل السادس :- إلغاء مادة تحصين شيخ الأزهر من العزل ( وهذا المقترح تحديداً يدور حتي تاريخه بين التأكيد علي صحته ، وبين نفيه كلياً ، وبين تدخل وسطاء من خارج مصر لإيقافه ) وأن كان التفكير فيه يؤكد علي ما كشف عن وجود خلافات بين الشيخ أحمد الطيب والرئيس السيسي ، والتي تصاعدت حدتها خلال الاحتفال الرسمي بالمولد النبوي ، ومهاجمة الطيب في كلمته لمن أسماهم بالمطالبين باستبعاد السنة النبوية تحت غطاء تجديد الخطاب الديني ، وتنص الفقرة الأخيرة من المادة 7 بدستور 2014 علي الآتي :- (وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل ، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء ) .
التعديل السابع :- إلغاء نص التزام الدولة بالإنفاق على التعليم والصحة بنسب محددة من الناتج القومي الإجمالي . وتنص المادة 18 من دستور 2014علي الآتي :- ( ،،،،،،، وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3 % من الناتج القومي الإجمالي تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية — إلي آخرة ) 
وتنص المادة 19 من دستور 2014 علي الآتي :- ( ،،،،،،، وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم لا تقل عن 4 %من الناتج القومي الإجمالي تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية — إلي آخرة ) وهو ما يعني استمرار الحكومة في توجهها نحو الخصخصة الصحية والتعليمية وما سيترتب علي ذلك من استكمال تدهور الصحة والتعليم وخدماتهم ومرافقهم والمواطن وهو الخاسر الأكبر وبالتالي لا يمكن الانتقال بالدولة المصرية خطوة نحو التقدم والتنمية الحقيقية بغير تدبير ميزانية عالمية لتطوير الصحة والتعليم .
التعديل الثامن :- استحداث غرفة مجلس الشيوخ غرفة ثانية في البرلمان المصري ، وهي رسالة شديدة الدلالة بموت ثورة يناير التي كانت السبب في إلغاء مجلس الشوري ، وفي ذات الوقت يكون المقعد في هذا المجلس مكافأة للأتباع والأنصار والموردين . 
التعديل التاسع :- تقليص عدد أعضاء مجلس الشعب ، بالإضافة إلى تقليص صلاحيات أساسية لمجلس الشعب في تشكيل الحكومة وسحب الثقة منها ومحاسبة رئيس الجمهورية وهي ردة لما قبل مبارك .
ومن الملاحظ أن ما يحدث مخالف لنص الفقرة الأخيرة المادة 226 من دستور 2014 سواء من حيث الإجراءات أو المضمون ، لكونها تحصن المواد المتعلقة بمُدد الرئاسة ، والحقوق والحريات وتنص علي الآتي :- ( وفي جميع الأحوال لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بمبادئ الحرية، والمساواة المنصوص عليها في هذا الدستور ما لم يكن التعديل متعلقاً بالمزيد من الضمانات ) .
ويتسأل سأل لماذا الرغبة في التعديلات الآن ؟ فتأتيك الإجابة بأن السيسي قام بتحييد الدول الغربية المتحدثة بحقوق الإنسان والمطالبة بها ولو شكلياً وذلك بشراء صفقات ضخمة من السلاح وتقديمه لتنازلات تتعلق بالقضية الفلسطينية بل خلق حالة تزاوج بين نظامه الاستبدادي وبين الصهاينة ليصبح التوقيت هو الأفضل الآن لتنفيذ صفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية برمتها وإدارة ترامب أعلنت بكون التنفيذ الجاد سيبدأ في شهري مايو أو يونيو 2019 ومن ثم يصبح الثمن هو بقاء النظام العسكري للأبد وفق تأصيل دستوري برضاء غربي .
ومن كل ما تقدم يتضح بجلاء أن هذه التعديلات فخ يوضع لمستقبل مصر وأولادها الحالمين بالعدالة الاجتماعية والدولة المدنية ، بل لا أبالغ أنه ينتقل بهذه التعديلات من نظام جمهوري أو برلماني مفترض الوجود أو التطبيق إلي نظام عسكري صريح يتناوبه العسكريون فقط مستنداً إلي شرعية دستورية ، والثابت أن نظام الحكم لا يسعي إلي تعزيز شرعيته أو حتي مشروعيته بسبل ديمقراطية بتطوير المحتوي السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الخدمي أو حتي القانوني ، فقط هو تعزيز البقاء في السلطة بالقبض علي مفاصل القوة في المجتمع بالإمساك بكل السلطات ( التنفيذية والتشريعية والقضائية ) وذبح فكرة التداول السلمي للسلطة ، ويدعم ذلك بإنشاء جماعات منعزلة عن المجتمع قيماً وفكراً وثقافه تعتمد على ارتباطها بمصالح المال والسلطة ، وأتباع نهج سياسه افتعال الأزمات وتأجيجها لبث الرعب لدي الشعب ، وكلها طرق استبداديه للتمكين من المجتمع والسيطرة عليه في ظل غياب منظومه للعدل ورؤيه اقتصادية أو اجتماعية أو خدمية تعتمد على التنمية الشاملة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق