أحوال عربية

مستقبل ولي العهد السعودي!

ساهر عريبي
ـــــــــــــــ
أثارت قضية مقتل الصحفي السعودي البارز جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول مطلع شهر أكتوبر الجاري, أثارت موجة من التوقعات بقرب عزل ولي العهد السعودي محمد بن سلطان من منصبه , بعد أن وجهت أصابع الإتهام اليه في الوقوف خلف هذه العملية المخابراتية عبر إصدار اوامر بتصفية الصحفي الناقد في عملية قتل بشعة جرت في مكان يفترض ان يتمتع به المواطن السعودي بكامل الأمان والحماية, فتفاصيل عملية التصفية التي كشفتها السلطات التركية , وتطورات القضية منذ وقوعها تثبت وبما لايدع مجالا للشك بان بن سلمان هو من امر بقتل خاشقجي بهذا الشكل البربري.

فلقد نفت القنصلية السعودية في بادئ الأمر وجود خاشقجي داخلها وقد أكد على ذلك أيضا السفير السعودي لدى واشنطن, خالد بن سلمان ,شقيق ولي العهد الذي شدد على أنه ”لا يمكن وقوع مثل هذه الجريمة دون علم القياده“ ! وهذا يعني وبعد ان اعترفت السلطات السعودية بوقوع عملية القتل وبتخطيط مسبق , بأنها حصلت بعلم القياده بحسب خالد بن سلمان, الذي غادر الى الرياض لاحقا.

كما وان ولي العهد أكد هو الآخر على مغادرة خاشقجي لمبنى القنصليه ! وظلت السعودية واعلامها يصر على ذلك والى الحد الذي يلقي باللائمة في اختفاء خاشقجي على قطر وتركيا وايران وجماعة الأخوان! وحتى وصلت تسريبات السلطات التركية حول القضية الى الحد الذي أذعنت فيه السلطات السعودية وأقرت أخيرا بوقوع الجريمة البشعه وبتخطيط مسبق , معلنة التحقيق مع ثمانية عشر شخصا , من بينهم إثنين من الدائرة القريبة من بن سلمان وهما كل من مرافقه ماهر المطرب ومستشاره سعود القحطاني.

ومما يعزز كذلك من نظرية إصدار بن سلمان الأمر هو أن السعودية دولة شمولية يتمتع فيها ولي العهد بسلطات مطلقة , وقد ظهر ذلك جليا عبر إقصاء إثنين من ولاة العهد قبل حصوله على هذا المنصب, وشنه موجة اعتقالات واسعه داخل البلاد طالت امراء ورجال دين وناشطين واحتجازه لرئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وإجباره على الإستقاله. ولذا فلايمكن تصور قيام أفراد من تشكيلات سعودية مختلفه بتنفيذ عملية تتطلب دعما لوجستيا خاصا وتستهدف صحفيا معروفا ترك البلاد وهو ناقم على سياسات بن سلمان, لا يمكن تصور وقوعها دون اوامر مباشرة منه. وقد سبق لمستشاره القحطاني ان اكد سابقا بأنه لا يفعل أي امر من تلقاء نفسه وإنما ينفذ اوامر سيده.

لكل ذلك تعالت الأصوات المطالبة بعزل محمد بن سلمان فيما تزايدت توقعات المحللين بقرب رحيله, وخاصة بعد ان شنت وسائل إعلام امريكية حملة شرسة وجهت خلالها سهامها الى بن سلمان محملة إياه المسؤولية وكذلك فعل أعضاء في الكونغرس الأمريكي ومحللون ومسؤولون سابقون , بل وحتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في آخر تصريحاته. إلا انه وبرغم كل هذه الهجمة والكم الكبير من التوقعات فلايبدو ان مستقبل بن سلمان على المدى القريب مهدد!

فعند النظر الى ردود الفعل الدولية فيلاحظ بان معظمها حذر ولا يرقى الى مستوى رد الفعل على مثل هذه الجريمه! فالدول الكبرى امثال فرنسا وبريطانيا وحتى امريكا دانت العملية لكنها لم تدن بن سلمان وهي بإنتظار نتائج التحقيق قبل إتخاذ أي موقف! واما روسيا فقد ذهبت بعيدا في موقف مفاجئ عندما اعلن الكرملن عدم وجود سبب يدعوه للتشكيك بالرواية السعودية! بالرغم من تغيرها المستمر والكذب الذي صاحبها! وبالرغم من أن جثة خاشقجي لا يزال مجهولا مصيرها.

وأما ردود الفعل الآنية فلم تتجاوز مستوى الغاء تأشيرات المشتبه بهم بالقضية وفقا لرواية السعودية او تجميد بعض صفقات الأسلحة وكما اعلنت فرنسا وألمانيا وكندا . ولذا فلا يبدو أن العالم يميل نحو تحميل ولي العهد المسؤولية حتى وإن سلّم بضلوع مستشاره المقرّب في تنفيذها, بل ان الدول الكبرى تبحث اليوم عن أي عذر لتبرئة بن سلمان ولا تريد تحميله المسؤولية عبر ادلة عقليه, بل إنها تريد دليلا ماديا محسوسا يثبت تورطه!

وهنا ياتي الدور التركي! فتركيا هي الوحيدة القادرة على ربط بن سلمان بشكل مباشر بالجريمه, عبر التسجيلات الصوتية التي حصلت عليها بطرق خاصة من داخل القنصليه! ولايبدو لحد الآن ان هناك دليل على وجود تسجيل لصوت بن سلمان ولكن التسريبات تشير الى تحميل مستشاره المسؤولية! ولا يعلم احد بوجود دليل مادي ضد بن سلمان لدى تركيا, لكن يبدو أن وجود مثل هذا الدليل ورقة ذهبية بيد تركيا.

ومع تصاعد لهجة الرئيس التركي رجب اردوغان ضد السعودية ومع محاولة بن سلمان مغازلة قطر وتركيا, فإن في ذلك قرائن على وجود دليل مادي سيؤدي الى الإطاحة ببن سلمان فيما لو جرى تسريبه الى مسائل الإعلام. لكن تركيا لاتبدو راغبة بذلك وهي حاضرة للقبول بالرواية السعودية التي تنفي تورط بن سلمان ولكن ذلك رهن بعدة امور.

وأولها ان تركيا ستسعى الى إستثمار هذه الورقة الى أبعد حدود خاصة وان ولي العهد السعودي الذي يطمح لحكم البلاد لعقود مستعد لتقديم اللازم لتركيا. وأما المطالب التركية فإنها تتمحور حول تعويضها ماديا وتقديم اعتذار رسمي عما لحق بها من إهانة وضرر عبر الإستهانة بها وتنفيذ الجريمة فوق أراضيها, وثانيها هو رفع الحصار عن قطر , وثالتا إطلاق سراح رجال الدين المعتقين في السعودية والمقربون من جماعة الأخوان المسلمين ولربما إلغاء تصنيف الأخوان كجماعة إرهابية إضافة الى امور ثانوية اخرى . واما المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية فهي لا ترغب برحيل بن سلمان, لأنه يعتبر اليوم رجل أمريكا في المنطقة, ويمارس دورا لم يمارسه أي مسؤول سعودي من قبل, سواء على صعيد العقود الإقتصادية مع الغرب او على صعيد معاداة ايران او التحالف مع إسرائيل او في شن حرب طويلة الأمد على اليمن والتي شغلت مصانع السلاح الغربية. أو على صعيد إجهاض كافة عمليات التحول الديمقراطي في المنطقه.

لكن تلك الدول تحاول اليوم استغلال هذه الحادثة للحصول على مزيد من المكاسب من بن سلمان ولتمرير مشاريعها في المنطقة. فهي أيضا تستخدم هذه الورقة للحصول على كل ذلك. لكن كل ذلك رهن بيد تركيا التي إن لم تلبي السعودية مطالبها فإنها ستطيح بولي العهد عبر تسريب الأدلة التي تدينه الى وسائل الإعلام وحينها لن تتمكن امريكا والدول الأخرى من حمايته, وخاصة بعد ان سقطت سمعته في الغرب. ولايبدو هذا السيناريو مرجحا , لأن ولي العهد السعودي وكالعادة يستعين بالمال للخروج من أي مأزق , وهو سيلبي كافة الشروط التركية وكذلك الغربية , ومنها تمرير صفقة القرن ومواجهة ايران وحلفائها في المنطقة, وسيتم الخروج بصفقة مقبولة يتم عبرها تحميل المسؤولية لهؤلاء الأشخاص ال 18 عشر ودون توجيه التهمة لولي العهد, وتعويض عائلة الضحية والقيام بسلسلة من الإجراءات الداخلية ومنها إطلاق سراح عدد من الناشطين مثل سمر بدوي ولجين الهذلول ولربما وليد أبو الخير ورائف بدوي.

وأما أهم سلبيات هذا الحل فهو أن بن سلمان لم يعد شخصا مرغوبا شعبيا وإعلاميا في الغرب, وهذا مايعني انه سيتوقف عن زيارة الدول الغربية وسيغيب عن الإعلام ولمدة غير قصيرة وبإنتظار نسيان القضية ووقوع احداث كبيرة في المنطقة تجعل من قضية خاشقجي امرا ثانويا , وتعيد بن سلمان للواجهة باعتباره زعيما لا غنى عنه في المنطقة لحفظ المصالح الغربية وتحويل المملكة الى دولة عظمى في المنطقة مثلما مايحلم السعوديون!

ساهر عريبي