رأي

مزايا و مخاطر المرحلة الانتقالية

سمير بنت عبد الله

 تعيش الجزائر هذه الايام نقاش واسع حول الكيفية التي يجب اتباعها للخروج من الازمة و ما هي الآليات التي وجب السير وفقها للوصول لبر الامان و احداث انتقال ديمقراطي يعبر عن الارادة الشعبية و يتحق معه مبدأ السلطة للشعب.
من بين الحلول المقترحة نجد فكرة الدخول في مرحلة انتقالية طويلة الامد ،و ذلك بانشاء مجلس تأسيسي معين توكل له صلاحية اجراء تعديلات دستورية عميقة و هو ما يفتح الباب واسعا أمام فتح طابوهات الهوية و التحرر و المساواة بين الرجل والمرأة و تعديل قانون الاسرة لتضمين أفكار ترفعها أقلية في الدستور لا تتوافق مع التوجهات العامة للشعب الجزائري و تخالف عاداته و تقاليده و تدخلنا في متاهات تعقد الازمة و تطيلها أكثر مما يتحمل الوضع الاقتصادي و الاجتماعي للبلاد الذي يفرض علينا سرعة إيجاد مخرج للأزمة في أسرع وقت ، و عليه هذه المبادرة التي تسوق لها أقلية تريد استغلال الأزمة السياسية لتحقيق مكاسب قانونية بدسترة أفكار غريبة لا تتقاطع مع هوية ،و عادات و تقاليد المجتمع الجزائري مرفوضة كليا لأن ما رفضه الشعب الجزائري خلال كل المراحل و المواعيد السياسية الاعتيادية و الطبيعية لا يمكن بأي حال من الاحوال القبول بتمريره باستغلال مرحلة استثنائية كتطبيق لمثل مصائب قوم عند قوم فوائد.
من جهة أخرى يطرح البعض فكرة انشاء لجنة مستقلة لمراقبة الانتخابات يتم تعيين رئيسها و أعضاؤها بعد حوار تحت وصاية رئيس الدولة عبد القادر بن صالح و الذهاب مباشرة لاجراء انتخابات رئاسية لانتخاب رئيس جمهورية ،إن كان من عيوب فكرة المجلس التأسيسي طول مدة المرحلة ،فان هذه الفكرة جد متسرعة و تحمل مخاطر جمة في خضم عدم تحرر الاعلام الذي يخضع للوصايا و نزاهته و تغطيته الموضوعية هي أحد عوامل شفافية و نزاهة الانتخابات ، فقبل أن نحرر الصندوق علينا تحرير الاعلام من قيوده ،من جهة أخرى كيف لسلطة هي امتداد لحكم بوتفليقة لم تستمع لصرخات الشعب في الشوارع بالملايين أن نثق فيها بقبول نتائج انتخابات في صناديق يؤطرها قضاة  يخضعون لسلطة وزير مع و قف التنفيذ يؤتمر بأوامر رئيس حكومة من بقايا العصابة الوفي جدا جدا لرئيس الجمهورية السابق عبد العزيز بوتفليقة و محل ثقته بدليل كان وزير حكومة ثان مواز لأحمد أويحيى فكلنا يتذكر تكليفه بالاشراف على معاينة و تدشين عدة مشاريع في مختلف القطاعات لا علاقة لها بوزارته،من جهة أخرى أصحاب هذه المبادرة متحمسين و مندفعين و كأنها هي المفتاح السحري لضمان نزاهة و شفافية الاقتراع الذي غاب عن جميع مواعيد الانتخابات التي عرفتها الجزائر ،فيكفي أن نذكر المثل الشائع “إن أردت دفن قضية كون لها لجنة” ، ثم هل يمكن أن نثق في نظام حاول تمرير انتخابات الرابع جويلية دون إحداث هذه اللجنة ؟ إذ تعتبر هذه السقطة دليل على نية خبيثة للالتفاف على مطالب الحراك الشعبي و  الهروب للامام من قبل بقايا النظام لحاجة في نفس القايد صالح لو لا أن الشعب العظيم الذي أسقط مشروع العار الذي كان سيدفن مطالب الحراك الشعبي للأبد لو تم تعيين خليفة لبوتفليقة ،فكل من يعارض بعدها سيتم مواجهته بالخروج عن الارادة الشعبية الممثلة في رئيس الجمهورية الشبه منتخب، التي كان سيتم تخييطها يوم الرابع جويلية.
أما الطرف الثالث الذي أنتمي إليه أنا فهو يقدم حل وسطي لا تشوبه سرعة و تسرع و لا طول مدة التي ستكون بين ستة أشهر و أقل من عام على أقصى تقدير، و تهدف بشكل عام إلى احداث قطيعة مع النظام السابق و رموزه بالدخول في حوار برعاية الجيش الوطني الشعبي  الضامن الوحيد لتحقيق مخرجاته و قراراته و تجسيدها على أرض الواقع و التي تشمل تعيين شخصية و طنية مقبولة نسبيا لدى الشعب يتم التوافق حولها من خلال حوار موسع يشمل كل الطبقة السياسية و النقابات و الجمعيات و النخبة بشرط أن لا تكون قد ساهمت من قبل في تعفين الوضع و دفعه للتأزم بالاصرار على ترشيح الرئيس السابق لعهدة خامسة أو شاركت في مناورات للابقاء على أذرع العصابة ملتفة على رقبة الشعب ،ثم المرور لتشكيل حكومة توافقية ترأسها كفاءة وطنية مشهود لها بمعارضتها للنظام السابق و وزراء من النخبة مواقفهم و أراؤهم تتخندق في صف الشعب ، و لن يكف هذا لتحقيق ضمان نزاهة الانتخابات إلا بمراجعة سريعة لقانون الانتخابات و تحيينه بما يتوافق مع الدفع في اتجاه يكفل حرية المواطن في التعبير عن صوته بكل شفافية.
إن كانت مبادرة المجلس التأسيسي شبه مفصول في أمرها بالرفض ،فإن الجدال يحتدم حول مبادرة المرحلة الاننقالية التوافقية و الذهاب مباشرة للانتخابات بتعيين لجنة مستقلة و يتمحور الجدال حول مبدأ الحل في اطار الشرعية الدستورية أو البحث عن حلول سياسية ذات مقاصد واهداف يرمي لها الدستور في حد ذاته،فمما يعيبه الطرف الاخر على مرحلة انتقالية توافقية هو أن المادة 7, و المادة 8 لا يمكن تطبيقهما الا بالانتخابات كما يبين الدستور و هذا صحيح فعلا ،لكن الهدف العام هل هو الانتخاب و التطبيق الحرفي للمادتين أم المقصد الشامل و الجوهري الذي يهدف له الدستور في المادتين هو تحقيق إرادة الشعب ؟ و الاجابة على هذا السؤال بسيطة فالهدف هو تحقيق مقصد الارادة الشعبية و السلطة للشعب و هذا لن يتأتى الا بالمرور للحلول السياسية التي تضمن ايجاد شخصية وطنية متوافق حولها تعبر عن إرادة الشعب ،لن ينته الامر هنا و ندخل في قضية رفض التعيين و من هي الشخصية التي يتوافق حولها الشعب ،و هنا يتم الرد بالمثل من هي الشخصية التي يتم التوافق حولها لقيادة اللجنة المستقلة و كيف يتم القبول بتعيين رئيس لجنة و اعضائها في مقابل رفض تعيين شخصية وطنية لقيادة مرحلة انتقالية توافقية،فإن قبلنا بمبدأ التعيين فالافضل أن نذهب لمرحلة انتقالية توافقية لأنها تضمن عدة عوامل تساهم في إنجاح الانتخابات الرئاسية القادمة منها ايجاد جو عام هاديء بالاستحابة لمطالب الشعب و من جهة كسب ضمانات قوية لتحقيق مبدأ السلطة للشعب و انتخابات حرة و نزيهة  ، و هي القطيعة مع بقايا حكم بوتفليقة و تعطيل كل ادواته بتعيين شخصية و طنية كاستجابة مباشرة لمطلب أساسي للحراك الشعبي بذهاب رموز النظام السابق بما فيها نور الدين بدوي الذي تستخلف حكومته بحكومة توافقية ، اجراء تعديلات جزئية على قانون الانتخابات ، ثم احداث لجنة مستقلة لمراقبة الانتخابات ،و هنا يظهر الفرق واضح بين من يخاف  الالتفاف على مطالب الحراك الشعبي بالتأكيد و الاصرار على توفير عدة شروط لتجسيدها واقعا و بين من يحمل في يده لجنة مهرولا للارتماء في أحضان بقايا العصابة ،بحجة عدم الخروج عن الشرعية الدستورية التي داسها بوتفليقة في أكثر من مناسبة ، آخرها تعديل المادة 88  المنتخب عليها شعبيا بالمادة 102 التي فرضها المعزول عن طريق برلمان الكادنة الموجه من جهات عليا كما صرح رئيس المجلس الشعبي الغير وطني ،هذه المادة “102” المدرجة في الدستور بغير ارادة الشعب هي نفسها التي يستند بها بشرعية حكم رئيس الدولة،فلماذا يتم التمسك بالدستور عندما يتعلق الامر برغبة المواطن في الخروج عنه ؟.
إن الجزائر تعيش مرحلة استثنائية تتطلب حلولا سياسية بعيدا عن متاهة الدستور الذي أصبح عاجزا عن ايجاد مخارج قانونية لحالة شاذة خاصة بعد أن تم تأجيل الانتخابات الرئاسية ،كما أن مظاهرات الأمس الجمعة جاءت ردا على المبادرة التي حملها  خطاب رئيس الدولة عبد القادر بن صالح بالرفض المطلق ليتأكد أن عبد القادر أصبح غير قادر على أن يأتي بالجديد ليقنع الشعب ،فمن رفض الشعب دعوته للانتخابات الافضل له الرحيل ، فحتى معنويا لا يمكن القبول بأن يشرف رمز من رموز النظام على مرحلة يأمل منها الشعب في تجسبد الانتقال الديمقراطي الحقيقي بعد حراك دخل شهره الرابع ،فعلى الرئيس السابق لمجلس الأمة أن يرحل لأنه وجوده في المرادية أصبح جزء من الأزمة، لا أحد مفاتيح الحل و لا حتى عامل ايجابي ليساهم  في ارساء قواعد و أسس أهم مرحلة مستقبل الأمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق