إقتصاددراسات و تحقيقاتفي الواجهة

محاربة الفساد … الفساد المالي وكيفية معالجته

سربست مصطفى رشيد اميدي

في مقال سابق تناولنا ماهية الفساد الأداري والمالي وأسباب ظهوره وازدهاره. وحيث ان هذه الأسباب كثيرة ومتشعبه وتختلف تبعا للظروف السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية لكل دولة. وفي هذا المقال نحاول ان نبحث اهم الطرق والاليات لمعالجة أسبابه والحد من شيوعه، وكذلك محاولة الحد من تأثيره المدمر على مختلف نواحي حياة المواطن وتأثيرها على وظائف الدولة.
وحيث ان للفساد أوجه متعددة ومتشعبة واهمها اعتبار الفساد مشكلة اقتصادية. واعتباره مشكلة سياسية وحتى امنية، واعتبار الفساد أيضا مشكلة إدارية وتنظيمية وكذلك اعتبارها مشكلة قانونية. وأيضا باعتبارها مشكلة اجتماعية وحضارية. لذلك فأليات معالجة ظاهرة الفساد في المجتمعات الراهنة يجب ان تنطلق وتتناول من هذه المحاور وان كانت الدول تختلف مع بعضها البعض تبعا للظروف السياسية والاقتصادية والبنى المجتمعية فيها ومدى رسوخ سيادة القانون ومبادئ النزاهة والشفافية فيها.
فاعتبار موضوع الفساد مشكلة اقتصادية فان اسباب ذلك كثيرة، وتختلف تبعا للنظام الاقتصادي والسياسي السائد في البلد. كدفع الرشاوي لأجل عدم تأخير الخدمات العامة سواء من قبل شركات القطاع الخاص او من قبل مؤسسات الدولة، او لغرض تخفيض التكاليف والضرائب وتخمين سعر البضائع والعقارات بسعر اقل بكثيرمن السعر الحقيقي، وهكذا هو الحال بالنسبة للرسوم الجمركية او ادخال مواد وبضائع فاسدة او ليست وفق المواصفات المطلوبة. او فساد المسؤولين الكبار والذين قد يحصلون على مبالغ طائلة لغرض تسهيل حصول الشركات والافراد على عقود وامتيازات، او تسهيل حصول ذويهم وبأموال بخسة على موارد وممتلكات الدولة لدى اجراء عمليات (الخصخصة). اما تأثير الفساد من الناحية الاقتصادية على اية دولة ودور المؤسسات والشخصيات الفاسدة فيها انما هي بناء مصالحهم الشخصية والسياسية والحزبية وتقوية مراكزهم على حساب الدولة وشعبها، وبالتالي تتحول الدولة الى حالة عدم إمكانية أدائها لمهامها التي أسست من اجلها وتتحول الى دولة فاشلة، وتكون دور الشركات والمؤسسات التي تتضخم على حساب الدولة فتصبح كأنها دويلات داخل الدولة الواحدة. وبالنتيجة قد تتفكك هده الدول، ولكن ليس بالضرورة انت تكون الدول الوليدة عنها تكون دول ناجحة ومتطورة، وأيضا نتيجة ظروف أخرى كالظروف السياسية والتوازنات الأقليمية والدولية كما حدث في السودان حيث ان دولة جنوب السودان بقيت تعاني مثل السودان من الحرب الأهلية والفقر والفساد.
وحيث ان محاولة الحد من تأثير الفساد في الجانب الاقتصادي عملية صعبة ومعقدة لان شبكات الفساد تمد جذورها عميقا في مؤسسات الدولة وفي المؤسسات والشركات والمصارف الخاصة المرتبطة بنشاط الدولة الاقتصادي. ونتيجة ذلك تتأسس طبقات اقتصادية وإجتماعية طفيلية تتكون من خليط وتحالف عجيب من تجار ومقاولين ومسؤولي الاحزاب السياسية ورجال الدين وكبار الموظفين. لذلك فان محاربة الفساد وتجفيف المنابع الاقتصادية لها يتطلب وضع خطط رصينة وجرأة في التعامل مع هذا الملف، لذلك نشير هنا الى اهم قضايا واليات معالجة اثار الفساد في الجانب الاقتصادي واهمها: –
1- تفعيل دور القطاع الخاص:
ان دور القطاع الحكومي او العام يجب الا يدخل في نشاطات اقتصادية يومية وقيامها بدور المنافس للقطاع الخاص، وانما يتحدد دورها في تخطيط وتنظيم الاقتصاد الوطني وتوفير الأسس القانونية للنشاط الاقتصادي الخاص للشركات والافراد، وتوفير البنية التحتية اللازمة لها من طرق المواصلات وتوفير الخدمات المصرفية اللازمة لتسهل تنقل الأموال واجراء المعاملات التجارية، وإصدار تشريعات قانونية لازمة لتسهيل عملية الاستثمار وجلب الأموال وتنظيم الضرائب بشكل عادل، وأيضا وضع سياسات جمركية لازمة تحمي وتشجع المنتوج الوطني الزراعي والصناعي. وأخيرا الدخول في نشاطات اقتصادية في المجالات التي لا يستطيع القطاع الخاص من الدخول فيها وادارتها، اما فيما عدا ذلك فتعتبر وسيلة للفساد والكسب الخاص على حساب الدولة والمواطنين، حيث ان النشاط الاقتصادي للحكومة تحتاج الى طواقم إدارية ضخمة وتكون ذلك وسيلة فعالة وحيوية لأجل نشوء طبقة فاسدة من الموظفين سواء في المناصب العليا اوالكوادر الوسطية او حتى من الموظفين في المناصب الادنى. وبذلك فان تشجيع القطاع الخاص وتنظيم نشاطه بالقوانين والإجراءات المنظمة وترشيق الحكومة وتخليها عن أي نشاط اقتصادي مكلف هي في مقدمة الوسائل لمحاربة الفساد الحكومي والحد من اثاره الاقتصادية المدمرة. فمثلا صرفت مئات المليارات من العملة الصعبة على موضوع توفير الطاقة الكهربائية من قبل الحكومة المركزية وحكومة الإقليم ومنذ عشرات السنين، وتصرف رواتب عشرات الالاف من الموظفين في وزارة الكهرباء في بغداد واربيل ولا زالت توفير الطاقة الكهربائية للمواطنين للأسف بهذا الشكل، ويعبر بوضوح عن الفشل الحكومي في هذا المجال للحكومة العراقية وحكومة الاقليم.
2- اعداد الميزانية العامة:
ان اعداد الميزانية المالية السنوية هي التي تنظم الإيرادات وتحديد مصادرها والنفقات وابواب صرفها. حيث تعتبر بمثابة (الدستور) المالي للدولة. وفي العراق والاقليم فان الموازنة السنوية هي موازنات خيالية لكنها تخصص الأموال الكثيرة للموازنات التشغيلية للوزارات ومؤسسات الدولة والتي تنفق أغلبها على شراء السلع والبضائع والخدمات. أما الصادرات فتعتمد على الريع النفطي، وان هذه الميزانية تعتبر مصدر ثابت لعمليات الفساد التي يؤثر كثيرا على الاقتصاد الوطني. وان تنظيم الميزانية بشكل يقلل من الموارد المالية الضخمة التي تخصص الموازنات التشغيلية وبدل ذلك يفترض ان تعتمد على تشجيع الاستثمار وتحفيز الإنتاج الوطني سيكون سببا كبيرا في تجفيف منابع ظهوروتفشي وادامة شبكات الفساد في دوائر ومؤسسات الدولة والحد الى حد كبير من اثاره.
3- الغاء ومنع اللجان الاقتصادية او الأقسام الاستثمارية للأحزاب السياسية:
ان الغاء ومنع اللجان الاقتصادية او الأقسام الاستثمارية للأحزاب السياسية بقانون ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة لتلك اللجان،واحالة مسؤوليها الى القضاء للنحقيق في نشاط هذه اللجان، وتاثيرهم في عمل الوزارات. لكونها تقوم بالسيطرة واحتكار الكثير من العقود والمناقصات الحكومية لصالحها عن طريق وزرائها وموظفيها الكبار في الحكومة، او عن طريق ابتزازهم او تهديدهم بالاستجواب من قبل الكتلة النيابية لذلك الحزب في مجلس النواب. لان القيام بهذه الخطوة ستكون سببا اخر في تجفيف منابع الفساد في العراق. حيث ان الأحزاب السياسية الكبيرة أصبحت مراكز وكارتلات مالية ضخمة، ولم تعد وسيلة للتعبير عن الراي وتكوين الافكار والمشاريع وترويجها، والمطالبة بحقوق المواطنين، والعمل من اجل بناء الديمقراطية لمصلحة الوطن والمواطن.
4- حصر جباية واستيفاء جميع موارد الدولة من المنافذ الحدودية ومؤسسات الدولة لحساب وزارة المالية فقط:
حيث ان هنالك العشرات من الشركات او الشخصيات الحكومية والحزبية تسيطر على الكثير من المنافذ الحدودية والمطارات او ان شركاتهم تستفيد بشكل كبير من المؤسسات الحكومية والمناقصات والعقود التي تنظم عمل هذه المنافذ أو تعمل في وزارات ومؤسسات الدولة. وهذا يؤثر كثيرا على انحسار موارد الدولة، في حين تتضخم الأرصدة المالية لتلك الشركات والشخصيات الحزبية والحكومية بالمقابل، وهذا واضح في العراق والاقليم بالنسبة لجباية الرسوم الجمركية والشركات التي تعمل لصالح الوزارات الحكومية. لذلك فان حصر جباية هذه الموارد لصالح الحكومة ووزارة المالية حصرا، واستبعاد الشركات الخاصة والتي تعمل بطواقهم وموظيف حكوميين سيوفر للدولة موارد مالية كبيرة، وستكون سببا في انهاء عمليات الفساد لصالح تلك الشركات الطفيلية والشخصيات الحكومية والحزبية والشبكات التي تعمل معها.
5-اصلاح الأنظمة الإدارية والمالية والبرامج الحكومية:
كثيرا ما تكون الأنظمة الإدارية والمالية والمعمول بها عاملا اخر في تشجيع الفساد المالي والإداري من حيث عدم كفاءتها واعتمادها السبل البيروقراطية وتخلفها عن مواكبة التطور في عمل هذه الأنظمة، وتسهيلها لتسيير معاملات المواطنين، وتكون شفافة امام المواطنين ووسائل الاعلام ومراكز البحوث ومنظمات المجتمع المدني. وكذلك كون نظم الرواتب تفتقر الى العدالة او الى نظام الحوافز التي تعتمد التقييم الدوري لاداء الموظف وليس على أساس الولاء الحزبي او الطائفي كما هو متيع في العراق والاقليم. اما البرامج الحكومة فهي أيضا غالبا ما تفتقر الى وجود اساليب اصلاح حقيقية وانها تعتمد على ادامة الحال، وبالتالي استمرار شبكات الفساد وتكييفها لنشاطها حسب التغييرات الحكومية، دون ان تمس أي من هذه البرامج الأسس الإدارية والتعيينات وعمل لجان المشتريات ولجان التعاقد والاحالة وما الى ذلك. عليه فان اجراء عملية اصلاح حقيقية في النظم الإدارية والمالية عبر برامج حكومية تعتمد إيجاد معالجات حقيقية وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة لتكون مهامها هي تقديم الخدمة للمواطن أولا وثانيا تقديم المساعدة الإدارية والتسهيلات المصرفية وبناء البنية التحتية اللازمة لبناء وتشجيع عمل القطاع الخاص بحيث يكون مستقلا ولا يدور في فلك الأحزاب السياسية الحاكمة. حيث ان ذلك سيكون سبب مهما في الحد من انتشار وعمل شبكات الفساد في مؤسسات الدولة وفي نشاط القطاع الخاص خاصة القطاع المصرفي الدائرفي فلك السلطة.
اما محاولة الحد من الفساد باعتبارها مشكلة سياسية فهي أيضا تشمل جوانب عديدة ولعل في مقدمتها هي ان الأحزاب السياسية تفقد صفتها الأساسية وهي كونها تمثل سبيلا لتحشيد الراي العام لغرض العمل على تحقيق رؤى وسياسات تعتقد انها الطريق الواجب السير فيه وبإمكانها إيجاد الحلول اللازمة لمشاكل الدولة والمجتمع والمواطن، وباعتبارها أيضا وسيله للتعبير عن الآراء. بل تحولت الى مراكز مالية واقتصادية تحاول السيطرة على مقدرات البلد واستغلالها لصالح زعامات حزبية والتي قد تتحول من مراكز حزبية الى مناصب عليا في الحكومة وبالعكس. وهذه الزعامات تكون احيانا في اعلى هرم الدولة كما حدثت في العراق قبل 2003 وفي باراغواي في فترة حكم الرئيس ( الفريدو سترونسو) (1954- 1989) وفي زائير في فترة حكم (موبوتو سيسيكو) وهاييتي مثلا وغيرها، اما في العراق بعد 2003 فتم تقاسم (الغنائم) (الكعكة) (حسب تعبير البعض) من قبل الأحزاب المشتركة في الحكومة كل حسب حصته. وفي هكذا مجتمعات يفقد المواطن ولائه للوطن ويبحث عن سبل حصوله على لقمه العيش باي وسيلة كانت حتى وان اضطر للهجرة والخروج من بلده، او القبول بالنسبة لكثيرين للواقع المفروض ومحاولة الدخول في شبكات ومجموعات تعتبر أداة للفساد المالي والسياسي. ويكون الانضمام الأحزاب الكبيرة سببه الأول هو ضمان حصوله على وظيفة او عقد او امتياز لضمان حياته ومستقبل اطفاله. واحيانا يكون اللامبالاة نتيجة هكذا وضع حيث لا يهتم المواطن بطبيعة وحقيقة المشاكل التي تواجه المواطن او الوطن. كما كان هذا واضحا في العراق بعد فشل انتفاضة اذار 1991 وقمعها من قبل النظام السابق بقسوة بالغة، ومن ثم فرض عقوبات دولية صارمة على العراق من قبل مجلس الامن، عانى منها المواطن البسيط والطبقات الأدنى والوسطى، اما الدكتاتور وحاشيته فكانوا في هناء ونعيم ولم ترجف لهم جفن حول معاناة العراقيين. وهذا هو الحال أيضا الان في العراق فعلى الرغم من انتفاضة تشرين 2019 ضد الفساد وسوء الخدمات فقد جوبهت بعنف شديد، وزعماء الأحزاب الكبيرة مع ذلك مستمرون في نهب أموال الدولة بمختلف الوسائل ولا يزال يعتبرون اهل الحل والعقد في البلد. ولمواجه الفساد السياسي نشير الى بعض السبل واهمها: –
1- وجود معارضة سياسية متوازنة ومتماسكة:
ان مشاركة جميع او اغلب الأحزاب الكبيرة في الحكومة كما هو الحال في العراق والاقليم يؤدي الى ان يشترك الجميع في المساهمة او التغطية على عمليات الفساد المنظمة التي تجري في وزارات ومؤسسات الدولة، لغرض ضمان استمرارهم للمشاركة في الحكم. ولا يستطيع رئيس الوزراء حتى لو كان يملك النية في الحد من طغيان شبكات الفساد او معاقبة أي مسؤول حكومي او اقالة أي من الوزراء لان ذلك سيهدد تشكيلة حكومته والاسس التي قامت عليها وفقدان الدعم البرلماني لها. لذلك لا بد ان يكون تشكيل الحكومة من قبل مرشح الكتلة التي تفوز بالانتخابات والتي تحصل على اكبر عدد من مقاعد البرلمان، ويجب ان يقدم برنامجا حكوميا محددا فيها اهداف واضحة لحكومته ومفصلا حسب الفقرات ومدد تنفيذها والموارد المالية والبشرية المطلوبة، وان من يوقع ويوافق على هذا البرنامج يعتبر ضمن الائتلاف الحكومي وحسب رغبة المكلف بتشكيل الحكومة. ووان الكتل النيابية الاخرى التي لا توافق على البرنامج الحكومي فيشكلون ائتلافا معارضا يراقب ويتابع النشاط الحكومي وعمل الوزارات، ويكون بالمرصاد لتشخيص أخطاء الحكومة وفضح عمليات الفساد والقائمين بها، وتكون الانتخابات القادمة هي الفرصة القائمة لافهام الناخبين بعدم التصويت للأحزاب الحاكمة في حال فشلها. وبذلك تكون المعارضة السياسية القوية والمتزنة نتيجة ذلك هي السبيل الأهم في الحد من الفساد الحكومي اوميلها للاستبداد او التضييق على الحريات العامة والحريات الشخصية للمواطنين. ولكن كما نرى في العراق وفي الإقليم ان اغلب الأحزاب الكبيرة تشارك في الحكومة، وحتى التي هي خارج الاطار الحكومي قد تشترك فيها او يتم ترضيتها بإعطائها مناصب حكومية أخرى. فنرى بعض التيارات تشترك في الحكومة لكنها عند منتصف عمر الحكومة تقوم باعلان معارضتها لها واللجوء الى التظاهر علما انها كانت ولا زالت جزء من الحكومات المتعاقبة في العراق منذ ،2003 وان وزارتها حالهم حال الاخرين تشير بصددهم شبهات الفساد ونهب المال العام، ويعتبرون جزءا من الفشل الحكومي. لذلك فان وجود معارضة قوية تؤدي في النهاية الى وجود حكومة قوية، لانها تكون حذرة من اقتراف الأخطاء، اوترضية ومسايرة شبكات الفساد، وتعمل وفق السياقات القانونية والدستورية. وبالتالي تعمل لصالح المواطن الوطن.
2- الديمقراطية والحكم الصالح :
ان احدى اهم وسائل الحد من الفساد هي تطبيق الديمقراطية والحكم الصالح حيث يبقى الفساد محاصرا ومهددا في ظل الأنظمة الديمقراطية أكثر من أي نظام حكم اخر كالنظم الدكتاتورية اوالثيوغراطية. لان النظام الديمقراطي يوفر قدرا أكبر من الرقابة المالية والادارية ورقابة الراي العام، ويوفر اليات المحاسبة والشفافية وحرية النشر وتعبئة الراي العام. وان الديمقراطية ترتبط بالحكم الصالح الذي يقوم على معايير أساسية اهمها المساءلة والمحاسبة، وحكم القانون والتحكم بالفساد، وكفاءة الأداء الحكومي، والمشاركة، والشفافية، وحسن الاستجابة والمساوة وتكافؤ الفرص. فهي بذلك مع وجود حكم ديمقراطية ستشكل حصارا حقيقيا ضد الفساد ومنظومتها في اي مجتمع. لكن الفساد هو مثل الفايروسات التي تتعرض لمضادات فترة من الزمن، فتتمكن من استيعاب تاثير تلك المضادات وتتاقلم بعد ذلك لتقوم بإعادة تنظيمها ونشاطها من جديد. لهذا نرى ان البحث عن الثغرات القانونية والاجرائية والتلاعب بتكليف المواد القانونية هو السبيل الاسهل في ابعاد كبار اللصوص وسارقي المال العام من القصاص العادل. لهذا فان الديمقراطية وحدها لا تقضي على الفساد لان الديمقراطية كالية حكم تعتمد على كفاءة الاستخدام وان نتائجها تعتمد على نوعية المدخلات، من وجود خطط جيدة ومدروسة وبرامج علمية. لان الفساد في حقيقته ليست مشكلة سياسية واقتصادية فقط، بل انه في الحقيقة يحمل وجها اخر باعتباره مشكلة أخلاقية، مما ينبغي دراسته من هذه الناحية ايضا ووضع الحلول اللازمة لمواجهته. 3- دور مؤسسات الدولة المختصة والقضاء:
لابد ان لمؤسسات الدولة المختصة بأجراء المراجعات الدورية لأداء الوزارات ودوائر الدولة وخاصة لأداء الوحدات المالية لها ومدى مطابقتها للقوانين وللنظم والتعليمات ذات الصلة.لها الدور الكبير في الحد من عمليات الفساد في اجهزة ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص. حيث انها تستطيع تحديد مؤشرات وجود فساد في تلك المؤسسات، حيث لابد حينئذ من إحالة تلك الملفات الى القضاء الذي يفترض ان يكون محايدا ونزيها في التحقيق في قضايا شبهات الفساد وعدم التهاون في انزال العقوبات المطلوبة والقصاص العادل بالمسؤولين والموظفين الذين يثبت عليهم الضلوع في عمليات الفساد والمستفيدين منها من القطاع الخاص. لكن في العراق وعلى الرغم من احالة البعض من الوزراء والمسؤولين الكبار الى القضاء، لكن يتم التهاون والتساهل الكبير معهم فاما يتخلصون بسهولة من القصاص او تفرض عليهم احكام خفيفة وغريبة كالحكم على احدهم بغرامة 350 دينارا فقط مع ان هذه الفئة من العملة غير موجودة في العراق (ولا يعرف من الهم ذلك القاضي بذلك) واخر ب 250 دينارا فقط، او يفرج عن احدهم كونه شابا في مقتبل العمر، واخرا لكون كبيرا في العمر، في حين يحكم على موظف بالسجن لمدة سنة لثبوت اختلاسه مبلغا قدره اقل من مائة الف دينار. وفي بعض الدول هنالك مؤسسات خاصة لمتابعة وتدقيق النشاط المالي لمؤسسات الدولة وفعاليات القطاع الخاص كما في العراق حيث هنالك ديوان الرقابة المالية. وأيضا هنالك مؤسسات مستقلة لمحاربة الفساد المالي للوزارات ومؤسسات الدولة وموظفيها كما هو الحال في العراق حيث ان هيئة النزاهة مختصة بذلك والتي اسستها سلطة الائتلاف المؤقتة بموجب أمرها المرقم رقم (55) لسنة 2004، ومن ثم شرع قانون هيئة النزاهة رقم 30 لسنة 2011 لتكون هيئة مستقلة استنادا للمادة (102) من الدستور، وهي حسب قانونها تعتبر الجهاز المختص بتطبيق قوانين مكافحة الفساد في العراق.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق