رأي

مجموعة وجدة في الجزائر – ماذا بقي منها؟-

رابح لونيسي
ـــــــــــــــ

يتحدث الجزائريون كثيرا عن مجموعة وجدة، ويحملونها مسؤولية الكارثة التي وصلت إليها الجزائر بحكم أنها قادت إنقلابا ضد المؤسسات الشرعية للثورة في 1962 تحت قيادة زعيم المجموعة هواري بومين ومختفية تكتيكيا وراء شخصية بن بلة الذي تم تنحيته بعد ما أستغلوا فترة حكمه القصيرة لتوطيد حكم هذه المجموعة على مقدرات الجزائر، فلنشر أن هناك القليل جدا من المراجع أو المصادر التي تتحدث عن هذه المجموعة، ولنا الشرف أننا تناولناها بالتفصيل في كتابينا “الجزائر في دوامة الصراع بين العسكريين والسياسيين”، وكذلك كتابنا “رؤساء الجزائر في ميزان التاريخ”، أين أثبتنا أنها المجموعة التي استند عليها الرئيس بومدين أثناء حكمه إضافة إلى الضباط الفارين في الجيش الفرنسي، ونشير إلى أن هناك كتاب ظهر مؤخرا يحمل عنوان مثير هو “مجموعة وجدة” لصاحبه الصحفي محمد رزيق، وهو عبارة عن شهادة نقلها صاحبه عن أحد أبرز أعضاء المجموعة، وهو شريف بلقاسم، لكن بعد الإطلاع على الكتاب يصاب القاريء بخيبة أمل من الوقت الذي ضيعه مع الكتاب، فهو في الحقيقة مجرد عموميات لافائدة ترجى منه، مما يدل على مدى حرص أعضاء هذه المجموعة على إخفاء الكثير من الأشياء عنهم، كما نجد تلميح حول المجموعة في كتاب لمحمد يوسفي مدير الأمن الوطني في عهد بن بلة عنوانه “السلطة 1965-1978″، لكن ماكتبه محمد يوسفي مجرد دفاع عن بن بلة بعد الإنقلاب عليه، فمالمقصود بمجموعة وجدة؟ وكيف تطورت؟ وهل أنتهت هذه المجموعة أم عادت بقوة اليوم على يد أحد أبرز فروعها وهو ما أسميه ب”الفرع البوتفليقي لمجموعة وجدة” الذي يعد الفرع الوحيد المتبقي بعد نهاية الفروع الأخرى؟، ويبدو أن تتبع ما يحدث في جزائر اليوم أن وراءه هذا الفرع الذي يسعى للإستيلاء التام على الجزائر ومستقبلها، فكل فترة حكم الرئيس بوتفليقة منذ 1999خصصت لتوطيد حكم هذا الفرع على حساب الجزائر ومصالحها، بل العمل على توريث الجزائر بكاملها على أساس عائلي -أي الدم والقبيلة- مستعينا بالنظرية الخلدونية المبنية على العصبية القبلية.
إن النظام الجزائري منذ عام 1962 هو نظام تحت سيطرة هذه المجموعة، وتتمثل في مجموعة من العناصر التي عاشت في مدينة وجدة المغربية، وشكلت تكتلا هناك، ثم شرعت تخطط لأخذ السلطة بعد إسترجاع الجزائر إستقلالها، وقد أستفادت هذه المجموعة من معرفتها الدقيقة لنظام المخزن المغربي بحكم عمل الكثير من عناصرها الرئيسية أو الثانوية وتوابعها في الإدارة المغربية، فتعرفوا على كل حيل وأساليب النهب والسرقة وخلق شبكة علاقات وغيرها من الأساليب من أجل السيطرة والنفوذ، وهو ما نلاحظه اليوم عن مدى إستفادة الفرع البوتفليقي من السياسة الملكية في المغرب لتركيع الجزائريين وإذلالهم في الوقت الذي كانوا يفتخرون في الماضي بأنهم لايقبلون الأيادي، لكن للأسف تحول الكثير منهم في عهد بوتفليقة إلى مجرد شياتين ومتملقين لدرجة تقبيل صور الرئيس، فإن قلل مسؤولا مدحه للرئيس، فممكن جدا أن يقال، وقد ذهب البعض إلى القول بأن أحد أسباب إقالة السعيد بوحجة مؤخرا هو عدم إكثاره المدح للرئيس مقارنة بخلفه الذي مدحه 11مرة في خطاب لايتعدى بضعة دقائق.
أستندت مجموعة وجدة على زعيمها هواري بومدين، الذي أصبح قائدا للأركان العامة لجيش التحرير الوطني، وبالتالي تتحكم من خلاله على جيش الحدود الذي أصبح أكثر تنظيما وفعالية وأكثر قوة من ناحية العدة والعتاد عند الإستقلال مقارنة بمجاهدي الداخل وجبهة التحرير الوطني، التي استنزفت وتحطمت قواها من جراء الكفاح اليومي ضد الجيش الإستعماري .
وتنتظم مجموعة وجدة على شكل عنكبوتي، ومبنية على أساس الولاءات لأبرز عناصرها، فكل عنصر رئيسي وراءه مجموعة كبيرة من العناصر الموالين لها على شكل هرمي حسب أهمية كل موال، وتتكون العناصر الرئيسية من رئيسها هواري بومدين وأربع عناصر أساسية، وهم قايد أحمد وعبد العزيز بوتفليقة وشريف بلقاسم وأحمد مدغري، فتشكل هذه العناصر النواة الرئيسية في نظام بومدين أو ما يسمى في التنظيمات الحركية با”لنواة الصلبة”، فمجموعة وجدة في حقيقتها هو تنظيم سري دون الإعلان عن إسمه، وتشكل العناصر التي ذكرناها نواته الصلبة، التي تدور حولها الكثير من الأشخاص داخل مختلف مؤسسات الدولة، مما جعلها تتحكم في دواليبها، فمن هي هذه العناصر الأساسية؟ وكيف أثرت هذه المجموعة؟ وكيف تطورت داخل نظام بومدين ؟ .

قايد أحمد: يلقب ب”سي سليمان”، وهو من مواليد تيارت بالغرب الجزائري، وكان عضوا في حزب الإتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري الذي كان يرأسه فرحات عباس قبل إلتحاق هذه الجماعة إلى الثورة عام 1956، وترقى في المناصب حتى وصل إلى رتبة رائد، بعد ما أختاره بومدين لعضوية قيادة هيئة الأركان العامة عام 1960، وبعد إسترجاع الجزائر إستقلالها، تولى وزارة السياحة في حكومة بن بلة قبل أن يقيله هذا الأخير في إطار الصراع بين بن بلة ومجموعة وجدة بقيادة بومدين، وكان عنصرا رئيسيا في عملية الإنقلاب على بن بلة، ليكلفه بومدين بتولي وزارة المالية ثم التكفل بحزب جبهة التحرير الوطني، ونشير إلى أن قايد أحمد مفرنس تماما، وأصبح محل تهكم وتنكيت عند حديثه بالعربية، إلا أنه خطيب مفوه ومؤثر ومقنع باللغة الفرنسية .
وفي بداية السبعينيات، أختلف مع بومدين في توجهاته الإشتراكية، خاصة حول ميثاق الثورة الزراعية، ورفع قايد أحمد شعار “الأرض لمن يحبها” بدل شعار الثورة الزراعية “الأرض لمن يخدمها”، وفي هذا الإطار، علينا أن نشير أن قايد أحمد ينحدر من عائلة غنية جدا، وتمتلك مساحات شاسعة من الآراضي في نواحي تيارت، قدرها البعض ب3آلاف هكتار، وعندما طلب منه بومدين التخلي عن بعضها أو تأميمها في إطار تطبيق الثورة الزراعية، رد عليه أنه لن يفعل ذلك إلا بعد تخلى آخرين مثله في مجلس الثورة والحكومة عن ممتلكاتهم التجارية والصناعية، وهو الشرط الذي رفضه بومدين بدعوى أن الوقت لم يحن لذلك، وأن تطبيقه معناه الإصطدام مع حلفائه، وتعد هذه الأزمة بداية الشرخ داخل مجموعة وجدة، وبعد خلافه مع بومدين، انضم قايد أحمد إلى المعارضة في الخارج عام 1974، ثم توفى بشكل مفاجيء على إثر سكتة قلبية عام 1978، وقد أصر سكان تيارت على مرافقة قايد أحمد إلى مثواه الأخير، مما أثار غضب النظام، فأقال بومدين والي تيارت آنذاك لخضر بلحاج، كما عوقبت الولاية كلها بالإهمال وضعف المشاريع التنموية المخصصة لها مقارنة بولايات أخرى، مما يعطينا فكرة عن أساليب عمل النظام في الجزائر منذ عام 1962، والمبنية على الإنتقام والعقاب الجماعي ممن لا يرضخون لأوامره ورغباته .

أحمد مدغري: يلقب ب ” سي الحسين”، فهو يشبه تماما قايد أحمد في العديد من الأمور، فهو من مواليد سعيدة بالغرب الجزائري، وهو أبن أحد الأعضاء البارزين في حزب الإتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري بزعامة فرحات عباس، بل حتى هو كان متعاطفا معه، والتحق مدغري بالثورة بعد إضراب الطلبة عام 1956، والتحق بمدينة وجدة المغربية، ليشكل مع آخرين هذا التكتل االذي سيقرر مصير الجزائر بعد إسترجاع إستقلالها، وعينه بن بلة وزيرا للداخلية في أول حكومة جزائرية بعد إسترجاع الإستقلال، ويعرف عن مدغري تقديسه لفكرة بناء دولة قوية والعداء للحزب، وقد استقال من منصب وزير الداخلية في حكومة بن بلة، بعد ما حاول هذا الأخير تقليص صلاحياته، ويعد من أبرز العناصر المشاركة في الإنقلاب على بن بلة، وعاد إلى منصبه كوزير للداخلية بعد عام 1965، ويستمر فيه حتى عام 1974 ، أين أنتحر في ظروف غامضة حسب الرواية الرسمية للنظام .

شريف بلقاسم: يلقب ب ” سي جمال”، ويعتبر أكثر عناصر مجموعة وجدة ثقافة، وهو من مواليد عين البيضاء بالشرق الجزائري، لكنه عاش في الغرب الجزائري، والتحق بالثورة على إثر إضراب الطلبة عام 1956، وأقام في وجدة مثل زملائه الآخرين في المجموعة، وتولى وزارة التوجيه الوطني والإعلام عند الإستقلال، ثم أقاله بن بلة في إطار محاولته إبعاد حلفاء بومدين عن السلطة، ويعود إلى الحكم بعد إنقلاب 19 جوان 1965، الذي كان أحد أبرز مدبريه، وكلفه بومدين بالتحكم في أجهزة حزب جبهة التحرير الوطني، وأختلف مع بومدين في بداية السبعينيات حول العديد من التوجهات، وفسر البعض هذا الخلاف بنشر زوجته الفرنسية الأصل كتابا بعنوان “ليالي الجزائرالمجنونة”، أين تفضح فيه بعض ممارسات رجال النظام الأخلاقية والسياسية، واضطرت السلطة إلى شراء الطبعة كلها من الأسواق، فاستقال شريف بلقاسم رسميا عام 1974، وانعزل عن العمل السياسي إلى حد اليوم، إلا أنه يدلي في بعض الأحيان ببعض المواقف السياسية، وكان قبل وفاته في 23جوان2009 من أشد المعارضين والمنتقدين للرئيس عبد العزيز بوتفليقة .

عبد العزيز بوتفليقة: يلقب ب ” سي عبد القادر”، فهو الوحيد الذي أستمر في الحكم حتى وفاة بومدين عام 1978، فهو من مواليد وجدة، التحق بالثورة في وجدة على إثر إضراب الطلبة عام 1956، وكلفه بومدين عشية إسترجاع الجزائر إستقلالها بالتحري عن السجناء الخمس في أولنوي، وهو الذي نصح بومدين بدعم بن بلة لتولي الرئاسة، وأصبح أول وزير للشباب والرياضة في الجزائرالمستقلة، ثم تولى وزارة الخارجية بعد إغتيال محمد خميستي عام 1963، وبقي في هذا المنصب حتى عام 1979، وكان السبب الرئيسي في إنقلاب بومدين على بن بلة عام 1965 بعد ما رفض محاولة بن بلة إقالته من منصبه كوزير للخارجية، وكان بوتفليقة من أبرز المرشحين لخلافة بومدين، لكن وجد معارضة من الكثير من قيادات المؤسسة العسكرية، وعين مستشارا للرئيس الجديد الشاذلي بن جديد قبل إبعاده نهائيا عن السلطة بعد اتهامه بالتلاعب في أموال وزارة الخارجية، وابتعد عن الأضواء لمدة عشرين سنة، ليعود رئيسا للجمهورية في منتصف عام 1999 .
هذه هي أهم عناصر مجموعة وجدة التي تعد النواة الرئيسية في نظام بومدين، خاصة في سنواته الأولى قبل أن تختلف فيما بينها لأسباب أيديولوجية وشخصية لدرجة أنه لم يبق منها إلا بوتفليقة، ويقول بلعيد عبد السلام أن بومدين لم يكن يتفق مع هذا الأخير في العديد من القضايا، بل حاول تعويض النواة المشكلة من مجموعة وجدة بنواة أخرى تضم كل من بوتفليقة وبلعيد عبد السلام وأحمد طالب الإبراهيمي، ويبدو حسب -بلعيد عبد السلام- أن بومدين أراد أن يواجه بهما العنصر الوحيد المتبقي من مجموعة وجدة، و هو بوتفليقة، خاصة وأن الثلاثة لهم توجهات متناقضة تماما، وهو ما يدخل في إطار مبدأ بومدين بخلق التناقضات بين الأشخاص لدعم سلطته ونفوذه.
وإن عدنا إلى عناصر مجموعة وجدة، نجد أنهم يختلفون في الكثير من الأمور عن زعيمهم بومدين، فهم ينحدرون كلهم من منطقة الغرب الجزائري بإستثناء شريف بلقاسم، إلا أنه عاش في هذه المنطقة، كما ينتمون كلهم أيضا إلى أسر غنية بشكل أو بآخر، وقد التحقوا بالثورة في وجدة بالمغرب الأقصى على إثر إضراب الطلبة عام 1956 بإستثناء أكبرهم سنا قايد أحمد، كما أنهم جميعهم مفرنسين بإستثناء بوتفليقة الذي يتقن اللغتين الفرنسية والعربية، وبشكل أقل شريف بلقاسم، كما يختلفون عن بومدين في التوجه الأيديولوجي، فهم راسماليي التوجه والقناعات الفكرية ومعادين في قرارات أنفسهم للإشتراكية، ويمكن إعتبارهم من أشد المنبهرين بالغرب وثقافته، هذا ما يدفعنا إلى التساؤل حول هذه المفارقة التي عرفتها الجزائر، حيث مورست سياسة إشتراكية ومنادية بالتعريب على أيدي نظام نواته الرئيسية معادية لهذه التوجهات أصلا بإستثناء زعيمها بومدين، وهو ما يدل على أن الأيديولوجيات والقناعات والأفكار لا مكان لها في النظام الجزائري قط، بل ما يربط هؤلاء كلهم هو السلطة والحفاظ عليها، أما الخطب والأيديولوجيات فهي للإستهلاك الشعبي لا أكثر و لاغير .
ونشير أيضا أن مجموعة وجدة هي النواة الرئيسة أيضا في مجلس الثورة، فكيف ذلك، نحن نعلم أن إنقلابيو 19 جوان 1965 جمدوا العمل بدستور 1963، وبكل المؤسسات المنبثقة عنه، ومنها حزب جبهة التحرير الوطني، الذي كان من المفروض أن يمارس السلطة العليا في البلاد بواسطة مكتبه السياسي، الذي يعينه الأمين العام للحزب الذي هو في نفس الوقت رئيسا للجمهورية، لكن الإنقلابيون، ومنهم بومدين، كانوا ضد مؤسسة الحزب الذين يرون فيه أداة بن بلة للسيطرة على أجهزة الدولة، أما هم فيعتمدون على مؤسسة الجيش، ولهذا انتقلت الجزائر بعد إنقلاب 19 جوان 1965 من دولة-الحزب إلى دولة-الجيش، أي الإستناد على الجيش.
لكن لا بد على المؤسسة العسكرية، التي يستند عليها الحكم أن تنبثق عنه قيادة عليا تمتلك الصلاحيات الكاملة في رسم السياسات ومراقبة تنفيذها وإتخاذ القرارات وسن القوانين والمراسيم وغيرها، ولتحقيق ذلك كله أنشأ الإنقلابيون مجلسا للثورة يرأسه هواري بومدين.
تم الإعلان عن تشكيلة مجلس الثورة يوم 25 جويلية عام 1965، ويضم 26 عضوا متبايني الأيديولوجية والرؤية والمواقف والمسار التاريخي والنضالي، لكن عند تفكيكنا وتحليلنا لتركيبة مجلس الثورة في بداياته، وجدنا أنه يتشكل من أربع مجموعات متباينة الأهمية والنفوذ داخل النظام ومنها مجموعة وجدة والقادة العسكريين الكبار ثم أواخر قادة الولايات التاريخية أثناء الثورة ثم بعض السياسيين يتمثلان في أحمد محساس وبشير بومعزة.
فأهم مجموعة في مجلس الثورة هي عناصر مجموعة وجدة ، فهي التي كان يرجع لها القرار الأخير، ويمكن القول أنها تمثل خاصة الخاصة للرئيس هواري بومدين، فهذا الأمر هو الذي دفع الكثير من أعضاء المجلس إلى الإستقالة فيما بعد بدل هذا التعامل التمييزي، ويعد هذا التمييز إلى جانب تزايد نفوذ الضباط الفارين من الجيش الفرنسي أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت قائد الأركان للجيش الطاهر الزبيري إلى تنفيذ محاولة إنقلابية فاشلة ضد بومدين يوم 14 ديسمبر1967، وقد صرح الزبيري فيما بعد أن مطلبه الوحيد من بومدين كان هو إقامة إجتماعات فعلية لمجلس الثورة وعدم الإكتفاء فقط بمجلس الدرجة الأولى، وبتعبير آخر خاصة خاصته، أي مجموعة وجدة .
لم يبق عند وفاة بومدين إلا ثمانية أعضاء في مجلس الثورة من ضمن 26 عضوا تم تعيينهم عام 1965، فقد انسحب الكثير من الأعضاء بسبب رفضهم أن يكونوا مجرد ديكور يغطون على سياسات بومدين، كما توفي بعضهم، لكن ما يستغرب له هو إنسحاب أغلب عناصر مجموعة وجدة، ولم يبق منهم إلا عبد العزيز بوتفليقة، وحسب البعض، ومنهم بلعيد عبد السلام، فإن حتى بوتفليقة دخل في خلاف مع بومدين منذ منتصف السبعينيات بسبب مشكلة الصحراء الغربية، ولعل هذا ما يفسر لنا هذا الإهتمام التلفزيوني الكبير بهذه القضية في عهد حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، كما نشير إلا أن أغلب الإنسحابات تمت في عام 1974، وهو ما يؤكد الإشاعات التي انتشرت بقوة في صيف عام 1974 حول الخلافات الحادة بين رجال السلطة آنذاك، رغم محاولة بومدين تكذيب ذلك في خطابه في تيزي وزو يوم 17 سبتمبر1974، وقوله أن هذه الإشاعات تختفي وراءها المخابرات الدولية وأعداء الجزائر في الخارج المتحالفين مع البعض من أصحاب المصالح في الداخل، الذين شعروا أن مصالحهم مهددة، خاصة بعد ما خيرهم بومدين بين الثروة والثورة في خطابه بقسنطينة يوم 6 جوان 1974 .
نسجل ان مجموعة وجدة غيبت نسبيا في فترة حكم الرئيس بن جديد أين أنتقلت السلطة إلى مايسمى ب”ب ت س” أي “باتنة وتبسة وسوق أهراس”، مما يدل على أن تداول السلطة في الجزائر يتم بين المناطق الحدودية سواء في أقصى الشرق أو أقصى الغرب الجزائري بحكم أن هؤلاء هم الذين شكلوا جيش الحدود الرابض في كل من تونس والمغرب الأقصى في الوقت الذي يستبعد فيه دائما المناطق الأخرى خاصة الوسطى والجنوبية.
فقد عادت مجموعة وجدة بقوة بعد تولي بوتفليقة السلطة منذ 1999 من خلال الفرع البوتفليقي في الوقت الذي أنتهت فيه الفروع الأخرى نسبيا، فعندما نقول مثلا أن بوتفليقة عنصر رئيسي في مجموعة وجدة، فمعناه أنه له جيش من الأتباع والموالين له، ونفس الأمر لشريف بلقاسم أو مدغري أو قايد احمد، لكن هؤلاء ألخيرين ضعفوا بحكم إنسحابهم في السبعينيات على عكس بوتفليقة، فكل المقربين منه، والذين يشكلون نواة سلطته اليوم أو ما يسمى ب”مجموعة الرئيس” هم من الفرع البوتفليقي في مجموعة وجدة الذين ترقوا في المناصب طيلة سنوات، وهي تخطط اليوم للإستيلاء التام على دواليب السلطة في الجزائر معتمدة على العلاقات العائلية والقبلية وشبكة من رجالات المال وذوي النفوذ إضافة إلى شبكة علاقات خارجية ، وكل مايحدث في الجزائر اليوم هي محاولة هذا الفرع لتوريث الجزائر لها على أساس العصبية القبلية، فلا يمكن لنا فهم مستقبل الجزائر وصراعاتها بمعزل عن ما كتبه بن خلدون عن العصبية القبلية، فنحن لم نخرج بعد من هذا العصر الخلدوني، فكما نقل العاهل السعودي بن سلمان حكم السعودية من إخوته الذي توفوا كلهم إلى أسرته الصغيرة ممثلة في ولي العهد إبنه محمد بن سلمان أو لعل خالد بن سلمان بعد ما وقعت قضية مقتل الصحفي خاشقجي، فنحن أيضا في الجزائر سيتم نقل السلطة من مجموعة وجدة إلى الفرع البوتفليقي لهذه المجموعة، فكل الصراع اليوم يكمن هنا.
وسيظهر ذلك بجلاء من مدى توظيف بوتفليقة للقبلية والمال منذ توليه السلطة في 1999، فالرئيس 1999 عبد العزيز بوتفليقة يعرف جيدا دواليب النظام الجزائري، مادام أنه من صانعيه عام 1962، ولهذا تمكن من تفكيك النظام وإعادة هيكلته حسب رغبته، فامتلك نفوذا كبيرا بداخله، وذلك رغم إشاعته بأنه لا يريد أن يكون ثلاث أرباع الرئيس، وقد عملت عدة ظروف لصالح النفوذ الشخصي الكبير له على دواليب السلطة والقرار، ومنها تقاعد الكثير، إن لم نقل أغلب القادة العسكريين الكبار الذين شاركوا بشكل أو بآخر في الثورة المسلحة، وهذا ما دفع مؤسسة الجيش وقادتها إلى الإبتعاد عن السياسة والإهتمام بتحويل مؤسسة الجيش إلى مؤسسة إحترافية، وقد كانت لأحداث التسعينيات تأثيرا كبيرا على هذا القرار، كما كان للإرتفاع الكبير لأسعار النفط ووجود ريع نفطي كبير جدا دور أيضا في شراء ذمم المعارضة والكثير من الصحف وإسكاتها بأساليب توزيع الريع، كما أسكت بهذه الوسيلة الريعية كل من يحاول الوقوف في وجهه .
ومورست نفس السياسة مع الشعب، فالمناطق المعارضة له تتعرض للتهميش الإقتصادي والإجتماعي عكس المناطق المؤيدة له، ولهذا يمكن لنا القول أن لشخصية الرئيس وللمال دور كبير جدا في التأثير على صناعة القرار في عهد عبد العزيز بوتفليقة، كما تدعم في ذلك كله بأحزاب التحالف التي ارتبطت المصالح الريعية للكثير من مناضليها وقادتها بدعم بوتفليقة وسياساته وعدم معارضتها له.
ولهذا يمكن لنا القول أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قد أوجد مجالا كبيرا للتحرك والمناورة داخل النظام، وهي ميزة لم يحظ بها أي رئيس جزائري منذ إسترجاع الإستقلال بما فيها الرئيس هواري بومدين .
كما يمكن لنا القول أن العقيدة أو بتعبير آخر الأيديولوجية، قد غابت نهائيا في الممارسة السياسية أثناء فترة حكم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، و لا نجد إلا بعض المحاولات لتوظيف الأيديولوجية الوطنية، بالإضافة إلى الدين لإكتساب القاعدة الإسلامية لصالح النظام، بل استخدم النظام بعض علماء الدين في المشرق، كما استخدم رئيس الحكومة السابق عبد العزيز بلخادم القريب من الإسلاميين لأهداف إنتخابية بحتة وإكتساب القاعدة الإنتخابية للجبهة الإسلامية للإنقاذ، بل يمكن لنا القول أن النظام أثناء هذه الفترة قد أخذ أهداف التيارات الإسلامية في طابعها الشكلي والمظهري دون المضمون لتطبيقها، وذلك من خلال الإهتمام بالأشكال والمظاهر الدينية، مثل الآذان في التلفزة وبناء المسجد الأعظم بالعاصمة، وفتح قناة تلفزيونية للقرآن الكريم، والإهتمام بالزوايا التي يغدق عليها بأموال كثيرة مقابل ضمان أصوات ودعم أتباعها، والهدف من ذلك هو إكتساب شرعية دينية، هذا من جهة ومن جهة أخرى يستهدف من تشجيع ظاهرة التدين في المجتمع كسلاح نفسي لمواجهة الأزمات الإجتماعية والإقتصادية الحادة التي يعاني منها المجتمع الجزائري .
لكن عرف عهد الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة سيطرة مطلقة لعامل الغنيمة بتوزيع الريع النفطي الذي ارتفع بشكل كبير لم تعرفه الجزائر طيلة تاريخها، فوظف هذا الريع لشراء الذمم ومنها ذمم المعارضة .
وقد أدى ذلك إلى تراجع المعارضة السياسية بفعل شراء ذممها، فكان لذلك تأثيرا كبيرا على الوضع السياسي في الجزائر، حيث أدى ذلك إلى فراغ سياسي رهيب، وتراجعت ثقة الجزائريين في كل رجال السياسة والأحزاب والمنظمات والأيديولوجيات التي أصبحت لا معنى لها لدى الجزائري، الذي أصبح يشك في كل صاحب أيديولوجية أو حزب بأنه يستخدم ذلك للوصول إلى الريع، وهذا هو ما يشكل أكبر خطر على مستقبل الجزائر.
أما على صعيد منطق القبيلة، فإننا يجب علينا أن نشير أنه في الجزائر عادة ما تتداول المناطق الحدودية المناصب السياسية، فكما سادت مناطق باتنة-تبسة-سوق أهراس في عهد بن جديد، فقد سادت مناطق تلمسان )أقصى الحدود الغربية للجزائر( في عهد الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، لكن يبدو أن الجهوية قد أخذت أبعادا خطيرة في السنوات الأخيرة بسبب ضعف الدولة والتوزيع الغير العادل للريع بين المناطق وتراجع العامل الأيديولوجي والعقائدي وكذلك الأزمة الإقتصادية، مما دفع الكثير إلى الإحتماء بعصبيتهم القبلية والجهوية بدل الإنخراط في الأحزاب وتنظيمات المجتمع المدني التي فقدت إستقلاليتها وأصبحت جد ضعيفة .
تعيش الجزائر اليوم في مفترق الطرق بحكم الفشل الذريع في إحداث قطيعة مع ممارسات لاتختلف عن العصور الوسطى، بل بالعكس أدت بنا سياسات بوتفليقة إلى إنسداد خطير ينذر بما لايحمد عقباه، فهي لاتخرج عن ثلاث سيناريوهات إما إنتقال ديمقراطي سلمي أو إستبداد جملوكي متطرف، كما يمكن جدا أن تذهب الجزائر مهب الريح، وتتفكك بحكم السياسات المتداولة اليوم، فمن غير المستبعد ان الفرع البوتفليقي لمجموعة وجدة هو الذي يختفي وراء الحملة التشويهية ضد بعض مناطق البلاد، ومنها خاصة منطقة القبائل مستخدمين وسائط التواصل الإجتماعي، لأن الوجدويون بقوا أوفياء لنفس الأسلوب الذي أستخدم منذ 1962 في إطار سياسة فرق تسد، وما يستغربه الملاحظ أنه لم يتحرك أحد لإيقاف هؤلاء المدونين الذين كانوا يهددون الوحدة الوطنية، لكن تحركت كل الآلة ضد مدونين آخرين لم يمسوا إطلاقا الوحدة الوطنية، بل تحدثوا عن شخصيات نافذة في السلطة بغض النظر عن صحة أو كذب ما نقلوه، وسنعود إلى مختلف هذه السيناريوهات في مقالة قادمة.

البروفسور رابح لونيسي