الحدث الجزائري رأي

ماوراء أزمة البرلمان في الجزائر؟

رابح لونيسي
ـــــــــــــــ

دخلت أزمة المجلس الشعبي الوطني في الجزائر ومحاولات الضغط على رئيسه السعيد بوحجة لدفعه للإستقالة أسبوعها الثالث، وقد عرف بوحجة كيف يفشل كل محاولات خصومه بحكم قدرته على توظيف الآليات القانونية والدستورية التي تمنع تنحيته، فالدستور والقانون العضوي والنظام الداخلي للمجلس يقول صراحة أنه لايمكن إستبدال رئيس المجلس إلا في حالتي الوفاة أو الإستقالة، ويستحيل سحب الثقة بتوقيعات للنواب، مما جعل أويحيى يدلي بتصريح خطير، ويدفع به لتجاوز النصوص القانونية والدستورية وعدم الإعتراف بها والإكتفاء بشرعية الواقع، ويبدو أن هذا ما يسعى إليه النظام منذ فترة، وهو تجاوز الدستور وتحكيم قانون الغاب والقوة، فقد كانت الجزائر حتى في عهد الأحادية تحاول إعطاء صبغة قانونية ودستورية لأي حركة أو تعسف سلطوي، ولو بتأويل النصوص حسب رغباتها مستعينة بفقهاء القانون كما وقع مثلا عند وقف المسار الإنتخابي في 1991، لكن يلاحظ إصرار بوحجة على القول بأنه لايتنحى إلا بعد تلقيه أمرا من رئيس الجمهورية الذي وضعه على رأس الغرفة السفلى -حسبه-، لكن دستوريا وقانونيا غير مسموح لرئيس الجمهورية القيام بذلك علانية، فالدستور يمنع رئيس الجمهورية تنصيب أو إقالة رئيس المجلس الشعبي الوطني، لكن لماذا يصر بوحجة على القول أن الوحيد الذي يمكن إقالته هو رئيس الجمهورية؟.
يبدو أن بوحجة بصدد توجيه رسائل إلى الشعب الجزائري، والتي تحتاج إلى تفكيكها، فهو يريد الإيحاء لنا بتصريحاته هذه بأن كل شيء في يد الرئيس، بالرغم من أن دستوريا ليس الرئيس هو الذي يعين رئيس المجلس الشعبي الوطني، بل هم النواب المنتخبين شعبيا، ومادام لايسمح بتعويض رئيس المجلس إلا في حالة الإستقالة أو الوفاة، فإن لم يحصل ذلك معناه يواصل عهدته حتى النهاية، ويسحبها أو يجددها له الشعب بواسطة النواب في إنتخابات تشريعية جديدة، فلايمكن تفسير كلام بوحجة إلا بأن الرئيس لا يحترم الدستور إطلاقا، ويفعل مايريد، وهو صاحب سلطة مطلقة في البلاد، فهو يعين الجميع بما فيهم الذين من المفروض أن يكون منصبهم نابع من إنتخابات مثل بوحجة مثلا، فمادام كذلك، فكل مايقع في البلاد يتحمل الرئيس مسؤوليته وحده، فلا داعي لتحميل الآخرين ذلك، ومقابل ذلك فبوحجة يصرح بولائه للرئيس، لكن كلامه يحمل دلالات أخرى، ونشير أن هناك محاولات لتغليط الرأي العام بأنه يقصد بالرئيس هو أن بوتفليقة رئيسا لحزب جبهة التحرير الوطني، فله الحق في إقالته، لكن هذا ليس صحيح، وإلا فكل رئيس حزب بإمكانه إقالة أي نائب في المجلس الشعبي الوطني الذي هو منتخب من الشعب، وليس من رئيس الحزب.
لكن مايؤسف له عدم تلقف النخب السياسية هذه الرسائل، فتطرح بشكل جدي مسألة فصل السلطات، نعتقد أنه بدلا من التركيز فقط على القضية ذاتها وتطوراتها وإنعكاساتها، يجب أيضا على نخبنا السياسية إستغلالها لإعادة طرح مبدأ فصل السلطات والتوازن فيما بينها، والتي تعد مبدأ أساسيا من مباديء الدولة الحديثة الديمقراطية التي تضمن للشعب حقوقه والسير الفعال لمؤسساته، وكي لاتطغى أي مؤسسة على المؤسسات الأخري كما يحدث في جزائر اليوم أين السلطة التنفيذية المتمثلة في مؤسسة الرئاسة تطغى على كل المؤسسات الأخرى، بل يمكن لنا أنها ألغتها تماما، فالسلطة القضائية تسير في الكثير من الأحيان بإيعازات فوقية، وهذا نراه يوميا خاصة في قضايا الفساد، أما السلطة التشريعية فلا تأثير لها، والدليل ما يقع اليوم، أعتقد أن هذا ما يريد بوحجة الإيحاء به من خلال تصريحاته التي يجب تفكيكها، لكن لانناقش مسألة صدقه من عدمه، ولو أننا نستبعد الصدق، لأنه ساهم حتى هو في وصولنا إلى هذا الوضع، فمايؤسف له أن سياسيينا يتذكرون بعض المباديء الديمقراطية، وينتقدون السلطة بعد إقالتهم، فلانستبعد كما قلنا آنفا أن تصريحات بوحجة تدخل في إطار إستراتيجية جناح يستغل ذلك لضرب جناح الرئيس ومنع عهدة خامسة، لكن ليس معناه أن هذا الجناح يؤمن فعلا بمبدأ الفصل بين السلطات، فهو فقط جناح يسعى لتعويض رئيس برئيس آخر، فعلى قوى المعارضة إستغلال الوضع والإستفادة من كل هذه التناقضات داخل النظام للضغط سلميا من أجل نقل الجزائر إلى دولة ديمقراطية حقيقة وفعلية بكل مبادئها ومؤسساتها، ومنها مبدأ فصل السلطات إن كانت فعلا هذه المعارضة تؤمن بذلك، وليست مجرد توابع لتكتلات وأجنحة داخل النظام.
نعتقد أن بوحجة مجرد قطعة داخل لعبة تستهدف إضعاف مجموعة الرئيس وكل المطالبين بالعهدة الخامسة، ويمكن أن تتخذ هذه القضية كسلاح من الرافضين للعهدة الخامسة كسلاح في مواجهتهم لها وللرئيس ذاته، لكن لانعلم من سينتصر في الأخير لأننا تعودنا على إنتصار مجموعة الرئيس دائما في كل هذه الصراعات منذ 2004 بإستخدامه عدة أسلحة، ومنها توظيف أحداث التسعينيات ضد بعض الرافضين له، ومنها أيضا توزيع الريوع، وتستخدم بشكل فعال سياسة كسب دعم قوى خارجية كبرى مثل أمريكا، وخاصة فرنسا التي يزور رئيسها الجزائر عشية كل إنتخابات رئاسية، ويتم ذلك بإعطائها مصالح إقتصادية كبرى على حساب مصالح الجزائر، لكن هذه المرة بدأت بعض دول شمال المتوسط ترى أن عهدة أخرى لبوتفليقة يمكن أن تهدد أمنها وإستقرارها، لكن يمكن أن تغير موقفها في حالة قبضها ثمنا عاليا جدا، فللأسف الصراع حول السلطة في الجزائر والإستقواء بقوى خارجية كانت دائما على حساب مصالح الدولة الجزائرية وشعبها.
لايمكن لأي متتبع النفي بأن ما يقع في الجزائر في الأشهر الأخيرة في كل المؤسسات له علاقة وطيدة بالإنتخابات الرئاسية في 2019، فكل من يشك فيه بأنه لايريد عهدة خامسة للرئيس تتم إقالته بشكل أو بآخر وبطرق وغطاءات متعددة، لكن وجود هذه التصرفات التي وراءها في أغلب الأحيان مجموعة الرئيس معناه هناك جناح من صناع القرار من يعول على مرشح آخر بدله، لكنه لم يظهر بعد، وهي نفس الظاهرة نعرفها تقريبا عند كل موعد للرئاسيات، فكلنا نتذكر ما وقع في صيف 2003 الذي كان تمهيدا لترشيح بن فليس الذي لقي دعما من بعض صناع القرار، وعلى رأسهم قائد الأركان العامة للجيش آنذك محمد لعماري، ونفس الأمر في 2014 أين تمت إقالات لكل من رفض عهدة جديدة لبوتفليقة الذي كان مريضا جدا، فالذين يدعمون هذه العهدة هم في الحقيقة أصحاب مصالح استفادوا كثيرا في عهد الرئيس، خاصة الأوليغارشيا المالية التي تغولت في دواليب الدولة وبداخل المجلس الشعبي الوطني، وهي التي تختفي، وتسيطر على أحزاب المولاة، ومنها حزب جبهة التحرير الوطني، فكانت وراء التوقيع لإقالة بوحجة، أما الذين يرفضون عهدة خامسة للرئيس فهم صنفين، فبعضهم يخشون على الإستقرار في الجزائر في حالة مواصلته الحكم أين جمدت كل الحياة السياسية، ويوجد أخرون يعلمون جيدا أن الرغبة في العهدة الخامسة، بل حتى العهدة الحالية هدفها هو مواصلة وضع أسس خلافة بوتفليقة من أشد المقربين منه، بل من الأسرة ذاتها، بل يمكن الحديث بكل صراحة بوجود مشروع توريث السلطة في الجزائر، فهؤلاء الرافضين لهذا المشروع يستندون على عدة دراسات حول أحداث الربيع العربي الذي تحول إلى خريف دموي، والتي سجلت أن كل محاولة توريث للسلطة معناه إندلاع إضطرابات، فكل دول ما سمي ب”الربيع العربي” كانت تعرف مشاريع التوريث بدون إستثناء، هذا يجرنا إلى القول أن قضية بوحجة دافعها سياسي، ولم تكن مسألة إقالته للأمين العام للمجلس الشعبي الوطني إلا مجرد ذريعة لا أكثر ولا أقل، ويبدو أيضا أن بعض دول الضفة الشمالية، ومنها فرنسا أصبحت ترفض عهدة خامسة للرئيس خوفا من عدم الإستقرار في الجزائر، وما ينجر عن ذلك من تأثيرات أمنية كبيرة على هذه الدول كتزايد الهجرات الغير شرعية أو إعادة الجماعات الإرهابية إنتشارها.
نعتقد أن هذا الرفض الفرنسي هي التي تختفي وراء سوء العلاقات الأخيرة بين الجزائر وفرنسا، ومنها التصريحات الأخيرة للسفير الفرنسي السابق ومدير مخابراتها السابق برنارد باجولي الذي ينفذ مهمة سرية بالضغط على الجزائر مقابل الحصول على إمتيازات أكبر إن أرادت مجموعة الرئيس دعما فرنسيا لعهدة خامسة، كما أن فرنسا غاضبة -حسب ما يبدو- من إعطاء مجموعة الرئيس مصالح أكبر لأمريكا، خاصة في مجال الطاقة بهدف سياسة الضغط على فرنسا، فهناك مشروع قانون للمحروقات بصدد الإعداد، ومن المفروض أن يصادق عليه البرلمان في الثلاثي الأول من عام 2019، أي عشية الدخول في حملة إنتخابية للرئاسيات، وهو ما ينذر بتمديد أزمة البرلمان، ممايسمح للرئيس بالتشريع بأوامر، ومنها تمرير قانون المالية ل2019، وكذلك تمرير هذا القانون الجديد للمحروقات دون ضجة وشوشرة بعد ما أجهض تمرير نفس المشروع تقريبا في 2005 في عهد تولي شكيب خليل وزارة الطاقة.
أما الذين يعولون على حل المجلس الشعبي الوطني، فهم لايعرفون بأن السلطة في الجزائر لاتغامر بذلك بعد ماضمنت مجلسا ضعيفا يأتمر بأوامرها، فلنشر ان أغلب المحتجين على بوحجة هم نواب تحصلوا على منصبهم بشرائه بالملايير أثناء الإنتخايبات التشريعية السابقة بهدف ضمان الحصانة التي تمنع مساءلتهم في قضايا الفساد التي غرقوا فيها، فهل من المعقول أن يقبل هؤلاء على ممارسات ستؤدي إلى حل هذا المجلس؟، فهؤلاء في الحقيقة لايتحركون إلا خدمة لمجموعة الرئيس بحكم أن الأوليغارشيا المالية، ومنهم بالأخص الكمبرادور-أي إستيراد-إستيراد يشكلون القوة الرئيسية المدعمة للرئيس بوتفليقة، كما أن مصالحها مرتبطة ببقائه هو أو أحد مقربيه على رأس الدولة الجزائرية، كما أن حل المجلس الشعبي الوطني ليس معناه غياب تام للسلطة التشريعية، مما يسمح بالتمديد للرئيس كما يعتقد البعض، فالبرلمان يضم غرفتين، فحل الغرفة السفلى ليس معناه غياب تام للسلطة التشريعية، لأن الغرفة العليا الممثلة في مجلس الأمة قائم ويتجدد نصفيا، فهذ المسألة الأخيرة نتركها لفقهاء القانون الدستوري لتوضيحها أكثر.