كلمة رئيس التحرير

ماهو تأثير انتفاضة فرنسا على الجزائر ؟ ….ماذا يجري في فرنسا ..إنتفاضة .. ثورة .. أو رفض شعبي للسياسة الاقتصادية؟ ..

يكتبها اليوم عبد الحي بوشريط
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخل الحراك المسمى انتفاضة السترات الصفراء فيفرنسا اسبوعه الثالث، دون أن تتمكن الحكومة الفرنسية من لجم المسيرات التي عمت أغلب المدن الكبرى في فرنسا، وأحدثت زلزالا سياسيا في الدولة الأوروبية المحورية الثانية بعد المانيا، التطورات الأخيرة في فرنسا تنذر بتفاقم الوضع إلى مستوى قد يصل إلى تغيير النظام الحاكم في باريس، مع ما ستحمله رياح التغيير هذه إلىالميحط في أوروبا في الضفة الجنوبية للبحرالمتوسط وتحديدا في الجزائر .
تطورات الأحداث التي تشهدها فرنسا خلال الثلاثة أسابيع الماضية، والتي بدأت شرارتها يوم 17 نوفمبر 2018م حينما تجمع الألاف من المتظاهرين في ساحة الشانزليزيه تنديدا ورفضا لرفع أسعار الوقود، تؤكد أن الوضع يتفاقم يوما بعد آخر ، حيث تتفاعل الأحداث وتزداد في كل يوم سبت جديد، ولعل آخرها ما حصل في يوم السبت الموافق 1 ديسمبر 2018 م عندما تطوّر الموقف الى صدامات بين الشرطة والمتظاهرين ما أدّى الى وقوع اصابات وجروح من كلي الطرفين، فقد أفادت الأنباء أن اعمال عنفٍ كبيرة حدثت عندما اصرّ المتظاهرون على الوصول الى ميدان الشانزلزيه ومنعتهم الشرطة من ذلك احترازا.

في الجزائر يترقب السياسيون الأوضاع في البلد الخارجي الأكثر تاثيرا في السياسة الداخلية والخارجية في البلاد، ومن المؤكد أن اهتزازات الوضع في فرنسا ستصل عاجلا أم آجلا إلى الجزائر، وبغض النظر عن احتمال انتقال مثل هذا النوع من الحراك السياسي والاجتماعي من فرنسا إلى الجزائر ، فإن التاثير الأول للإنتفاضة الفرنسية، سيكون تجاهل القيادة السياسية في فرنسا لتطورات الوضع السياسي في الجزائر، قبل اشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية المهمة القادمة وبالتالي فإن التاثير والتدخل الفرنسي في الشأن الداخلي الجزائري سيتراجع على الأقل خلال عدة اسابيع قادمة ، تاركا الساحة للجزائريين ونعني بالجزائريين هنا القيادة السياسية في الجزائر لكي تقرر لوحدها تقريبا مصير السلطة والحكم ، التاثير الثاني الذي قد يغير الأوضاع ويقلبها راسا على عقب يتعلق باحتمال دهور الوضع في عموم القارة الأوروبية مع وجود غليان شعبي في اكثر من بلد أوروبي بسبب السياسات الاقتصادية المتشددة المنتهجة في ايطاليا اسبانيا وحتى المانيا، وهذا سيقودنا لتوقع إحتمال فرار مئات الآلاف من المهاجرين الرسميين والسريين من أوروبا إلى بلدانهم بما فيها الجزائر، ورغم استبعاد هذا السيناريو إلا أنه يبقى قائما في حالتين الأولى وصول القوى اليمينية للسلطة في أوروبا ، أو انتشار للفوضى والاضطرابات في أوروبا .
ومع خروج المظاهرات الغاضبة عن مسارها في باريس، من مجرّد تظاهر سلمي منظّم واحتجاجات منضبطة، الى اعمال شغبٍ وفوضى، ُأحرِقت فيها بعض الممتلكات العامة والخاصة من مباني ومركبات، وأستخدمت الشرطة فيها القنابل الغازية المسيّلة للدموع، وخراطيم المياه الساخنة وحتى الرصاص المطّاطي، مأ أدى الى وقوع اصابات وجروح، بالاضافة الى اعتقال اكثر من 150 عنصرا من المتظاهرين، ان ذلك ولا شك يثير الكثير من الهواجس والمخاوف لدى السلطات الفرنسية، وهو ما عبّر عنه الرئيس الفرنسي نفسه ووزير داخليته، بوصفه لتلك الأحداث بأنها غير متوقّعة، واتهامه لبعض احزاب اليمين المتطرف بالوقوف ورائها.
وأمام ما يجري في باريس هذه الأيام، هل يمكننا القول ان الثورة الفرنسية الأم قد أعلنت عن تجدُّدها بعد قرون من انبثاقها؟! وهي بالتالي حتما ستكون ملهمة للكثير من الثورات المشابهة التي قد تجتاج الدول الاوروبية! فالظروف المتشابهة في اغلب الدول الاوروبية قد تشكّل ارضية مشتركة لتمدد ثورة نوفمبر الفرنسية الجديدة في دول اوروبية اخرى، وبالتالي حدوث الكثير من المظاهرات والاعتصامات، وهل يمكن القول عندئذ أن شتاءً ساخنا سيجتاح اوروبا!، أم أن الحكومة الفرنسية ستتمكن من احتواء الموقف ووقف التصعيد ولو باستقالتها نفسها ارضاءً للجماهير وبالتالي وقف تمدد ثورة السترات الصفراء؟!

مطالب المتظاهرين بدات بسيطة وتعلقت في الأول برفض قرار الحكومة رفع اسعار الوقود، الى المطالبة بإستقالة الحكومة وحتّى المطالبة برحيل ماكرون نفسه!، وهو ما يشير الى دوافع ربما تكون مخفيّة وراء هذه المظاهرات، او انها ستُستغل وتُستثمر لصالح احزاب بعينها، قصد التعجيل بانهاء حكم الرئيس الحالي ماكرون، وفي الجانب الآخر، علينا أن لا نغضّ الطرف على مدى تململ الطبقات المتوسطة من الشعب الفرنسي، التي صارت تحاصرها الظروف المعيشية الصعبة، فهم بالتالي يعبّرون عن رغبتهم الملحّة في تحسين ظروفهم المعيشيّة، امام الارتفاع الكبير في الضرائب والاسعار، ويطالبون حكومتهم بأخذ مطالبهم محمل الجّد، وقد يزيدهم تعنُّت الحكومة وعدم الاستماع الى مطالبهم الإصرارعلى تأجيج الوضع و توسيع شدة التظاهر ورفع سقف المطالب الى الحد الأعلى.