أحوال عربيةدراسات و تحقيقاتنافذة للمحرر

ماذا يعني 11 أيلول بالنسبة للعرب؟

 

                                                 مصطفى قطبي

مثلما يحدث مع الأعياد الوطنية للدول والمناسبات القومية والدينية في كل بلد. ومن بين تلك التواريخ، يحتل شهر سبتمبر موقعا في الذاكرة العربية لما به من أحداث، تبدأ بالفاتح من سبتمبر في ليبيا ولا تنتهي بأيلول الأسود في الأردن. لكن العام الأول من هذا القرن أضاف إلى أيلول تذكارا جديدا، أميركيا بالأساس لكنه يكاد يكون عالميا، ذلك هو الحادي عشر من سبتمبر يوم تفجير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.

 

كانت دلائل ذاك اليوم تشير إلى لعبة خبيثة نفذها مرجفون في الأرض في الولايات المتحدة من أجل وضع العالم العربي والإسلامي تحديدا أمام تهديد خطر حقيقي… اليوم نتعرف على الحادي عشر من سبتمبر كمفجر لما سمي لاحقًا بـ”الربيع العربي” الذي هو جحيم حقيقي نلمس تفاصيله في أكثر من مكان. وهذا لا يحدث بالمصادفة أو الصدفة المحضة، بل إنه ضمن خطط متتابعة تلعب فيها أجهزة عبر تنسيق محكم، ثم تتحرك الأوساط الجاهزة للدور، وهي مجهزة أيضا، وتملك كل احتياجاتها اللوجستية والمادية…

صحيح أن بعض العالم العربي “تغير”، لكنه التغيير الذي قضى على وطن بكامله دون أن نرى إصلاحا، وإنما هدم الأوطان بكل مؤسساتها وقيمها كدولة ونظام وسلطة. فليست ليبيا اليوم سوى بقايا واقع مهدم وليس فيه شكل دولة، ويعيش العراق أيامه الصعبة بعدما نخرته لعبة الاستعمار الأميركي بولادته الإرهابي “داعش” تأسيسا على عدم ترك العراق وشأنه… وها هي سوريا تقاتل بلا هوادة جيوشًا من الإرهاب، بل جملة دول متعددة، فيما تعيش مصر هواجس أمنية لا تحصى، وتكاد تونس أن تتخلص من شرور ولن تتخلص، ويقف الجزائر كالعملاق متربعًا على مجد قائم في وجه تحديات…

 

والسؤال الذي يطرحه كثيرون: ما هي أهم تداعيات أحداث 11 أيلول 2001 على الأمن القومي العربي؟

في مقدمة ذلك: تعزيز الهيمنة الأميركية على المنطقة العربية، حيث اعتبر أن منفذي الهجمات عناصر عربية وإسلامية، وأن من حقها ملاحقة هذه العناصر والقبض عليهم واحتجازهم من دون أن يكون لسلطات بلادهم حق الاعتراض على ذلك، وهذا يشكل أول تجاوز على حقوق سيادة الدول العربية. تلا ذلك تدخل أمريكي في المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي بأنواعه باتجاه ضرورة إجراء تعديلات في هذه المناهج والرسائل الإعلامية يركز على التقليل من التطرق إلى ثقافة المقاومة، وتقليل العداء للغرب والولايات المتحدة بخاصة. كذلك، ونظراً لأهمية المنطقة العربية بالنسبة للولايات المتحدة، عملت الإدارة الأميركية باتجاه تعزيز هذه الهيمنة عليها عبر تدخلاتها تحت ذريعة دعم الديموقراطية وحقوق الإنسان، ثم أدخلت هذه المنطقة ضمن المجال الحيوي لعمل حلف الناتو، كما عملت على تحقيق وجودها العسكري المباشر في منطقة الخليج العربي.

وضمن هذا السياق، اتخذت واشنطن عدة إجراءات على حساب الأمن القومي العربي مثل: وضع منظمات الكفاح المسلح العربية، في قائمة ما تسميه منظمات إرهابية، واللجوء إلى استخدام أسلوب المعونات الاقتصادية والعسكرية لبعض الدول العربية لربطها بسياستها، واتباع استراتيجية التفكيك للبلاد العربية، كالحالة اللبنانية، وتقسيم السودان، وتشجيع الأقليات  في العراق والجزائر، واتباع استراتيجيات العزل والاحتواء والتأديب ضد بعض الدول العربية التي تتمرد على السياسة الأمريكية كما جرى في العراق وليبيا والسودان وسورية، والسعي المتواصل لقبول ”إسرائيل” في المنطقة العربية عبر تحقيق تسوية لمصلحة ”إسرائيل” /تسوية المنتصر/، ومحاولة تذويب النظام العربي في نظم بديلة بعيدة عن العروبة، عن طريق مشروعات إقليمية /شرق أوسطية ومتوسطية وتجمعات أفريقية… وتعريض الأمن المائي العربي للخطر، كتحريك تركيا ضد سورية والعراق وليبيا، وتحريك أثيوبيا ضد السودان ومصر، وتفعيل آلية التجزئة في المنطقة العربية بإثارة الصراعات والنعرات الطائفية والعرقية.

ومن تداعيات أحداث 11 أيلول، تمكين المشروع الإسرائيلي، عبر استخدام مفردات ”إسرائيل” في دمغ نضال الشعب الفلسطيني بالإرهاب، وإطلاق يد آلة الحرب الإسرائيلية في قمع الفلسطينيين وفرض الحصار عليهم هنا وهناك والغريب أن واشنطن تعد هذه الإجراءات العدوانية الإسرائيلية أنها ”دفاع عن النفس” هذا كله ناهيك عن الدعم المالي والعسكري والسياسي لـ”إسرائيل” بشكل هائل.

أما التداعيات الاقتصادية لأحداث 11 أيلول على الأمن القومي العربي فتجسدت في إضعاف المقدرة التشغيلية للاقتصاديات العربية، ما أدى إلى اتساع حجم البطالة لتطول كل الدول العربية تقريباً، وإضعاف القدرة على الإنفاق على القطاع التنموي، وإضعاف القدرة العربية على مجاراة ”إسرائيل” عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً.

خلاصة الكلام: إن السياسات الأميركية المتسببة في وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر لا تزال كما هي دون تغيير، بل في العديد من الحالات باتت أسوأ مما كان يحدث في السابق، وما صفقة القرن التي ترعاها الولايات المتحدة، ويدفع باتجاهها الرئيس الحالي دونالد ترامب، إلا خير دليل على الغطرسة والانحياز الأميركي ضد المصالح العربية والإسلامية، هذا بخلاف غض الطرف عن الانتهاكات الصهيونية المستمرة للأراضي والمقدسات الإسلامية في فلسطين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق