أحوال عربيةدراسات و تحقيقات

ماذا عن التوازن والميزان المائي بين مصر والسودان

مهددات الأمن المائي في دول حوض النيل قراءة في طبيعة الميزان المائي بين السودان ومصر ــــ عمر يحي احمد

اولا : مفهوم الميزان المائي :
ينصرف مفهوم الميزان المائى إلى تعيين كميات المياه الداخلة والخارجة لأى نظام مائى. بعبارة أخرى، يقصد بالميزان المائى “عملية الموازنة والمقارنة بين إجمالى حجم الموارد المائية التقليدية وغير التقليدية المعروض من المياه فى فترة زمنية معينة، وبين إجمالى حجم الاحتياجات المائية اللازمة لسد مختلف الاحتياجات (الطلب على المياه) خلال الفترة الزمنية نفسها. يقصد بالموارد المائية إجمالى ما يتاح للدولة من مصادر المياه التقليدية وغير التقليدية فى فترة زمنية معينة. وتتألف الموارد المائية التقليدية من
المصادر السطحية، وتشمل: الأمطار، والأنهار، والينابيع، والسيول، والوديان، والفيضانات. ثم هناك مصادر المياه الجوفية، سواء المتجددة، أو غير المتجددة. أما الموارد المائية غير التقليدية، فتتألف من: تحلية مياه البحر، وتحلية المياه الجوفية المالحة، ومعالجة مياه الصرف الصحى والصرف الزراعى، ينطلق فهم وتحليل الاحتياجات المائية للدول فى الحاضر والمستقبل من تحليل منظومة الميزان المائى ويأتى الميزان المائى فى ثلاث حالات:
1. حالة التوازن المائى: حينما يتعادل الطلب على المياه مع حجم العرض .
2. حالة الوفرة المائي: حينما يكون حجم الموارد أكبر من حجم الاحتياجات .
3. حالة الندرة المائية : “حالة الفجوة المائية” حينما يكون حجم الموارد أقل من الحجم المطلوب للوفاء بالاحتياجات اللازمة .

الموارد المائية في السودان
يقع السودان في نصف الكرة الشمالي ، في الجزء الشمالي الشرقي من القارة الإفريقية، يمتد السودان بين دائرتي العرض 4 و 22 ، ويمتد من الصحراء الكبرى في الشمال ‘ وحتى الإقليم الاستوائي في الجنوب ، وبين خطي طول 22 و38 شرقا ، لقد حبي الله دولة السودان بأرضي شاسعة، تتوفر فيها الموارد الطبيعية، وثروات معدنية، بدأت خيراتها تظهر ، توجد بالسودان موارد مائية متعددة، متمثلة في الأنهار والمجاري المائية المتنوعة ، إضافة إلي الامطارالغزيره والمياه الجوفية الوفيرة، يجري في السودان أطول انهار العالم نهر النيل .

مصادر المياه في السودان
تتنوع مصادر المياه في السودان بتنوع تضاريسه ومناخاته، وتتكون الموارد المائية في السودان من مياه الأنهار ومياه الأمطار والمياه السطحية والمياه الجوفية حيث تشق أراضي السودان أنهار ووديان وخيران وروافد مائية عديدة ، موسمية ودائمة، أشهرها نهر النيل الذي يشكل أهم ظاهرة جيمورفولوجية في السودان

أولاً : الأمطار في السودان :

تتصف أمطار السودان بأنها تصاعدية تتحكم في حركة الفاصل المداري شمالا وجنوبا بين خط الاستواء ومدار السرطان. باستثناء ساحل البحر الأحمر حيث المطر الشتوي، يقتصر هطول الأمطار على فصل الصيف. وتبلغ أعلى معدلاته في شهر أغسطس حيث يبلغ الفاصل المداري أقصى امتداد له شمالاً. تسود سمات الصحراء في أقصى الشمال حيث يقل المطر السنوي 50ملم وتزيد كمية الأمطار وكذلك طول المطر الزراعي تدريجياً نحو الجنوب حيث يصل المتوسط السنوي للأمطار 1400 ملم وطول الموسم الزراعي في أقصى الجنوب وتعتبر مياه الأمطار هي المصدر الأساسي للمياه السطحية في السودان إذ يبلغ المعدل السنوي في السودان يختلف من 2 ملم في أقصى الشمال فيما يزيد عن 1500 ملم في أقصى الجنوب.

يسود السودان المناخ المداري مما يجعله يؤثر بصورة مباشرة علي مصادر وكمية المياه الذي يتميز بارتفاع درجات الحرارة معظم أيام السنة وتدرجه من جاف جدا في أقصى الشمال إلى شبه الرطب في أقصى الجنوب. تصل درجات الحرارة أقصى معدلاتها في فصل الصيف (مارس – أكتوبر) حيث يصل المعدل اليومي في شهري مايو ويونيو إلى أكثر من 42.9 مئوية في شمال السودان وإلى حوالي 34 في الجنوب. خلال فترة الصيف تنخفض درجات الحرارة في شهري يوليو وأغسطس بمعدل 5 – 8 بسبب هطول الأمطار الأمر الذي يترتب عليه إنخفاض في معدل التبخر ، و في فصل الشتاء (نوفمبر – مارس) تصل درجات الحرارة إلى أدني معدلاتها في ديسمبر ويناير. المتوسط اليومي في الشتاء هو 15.9 مئوية في الشمال 28.8 في الجنوب.
تتراوح معدلات الأمطار السنوية ما يقارب الصفر في أقصى الشمال، حيث تتساقط الأمطار في تلك المناطق مرة كل خمس أو ست سنوات، إلى 500 مليمتر إلى 1000 مليمتر في مناطق الوسط والجنوب الغربي. يشمل ذلك الغابات والمراعي وتبلغ المساحة الإجمالية للغابات والمراعي في السودان نحو 121.8 مليون هكتار، منها حوالي 71 مليون هكتار للغابات، أي ما يعادل 28% من مساحة السودان الكلية

يقع السودان في المنطقة المدارية وتتنوع فيه الأقاليم المناخية الممطرة على النحو التالي:
1. المناخ الصحراوي الحار في شمال السودان.
2. مناخ البحر الأبيض المتوسط على ساحل البحر الأحمر ومنطقة جبل مرة في غرب السودان .
3. المناخ شبه الصحراوي في شمال أواسط السودان .
4. مناخ السافانا الفقيرة في جنوب أواسط وغرب السودان .
5. مناخ السافانا الغنية في التخوم الجنوبية للسودان .
يتسم المناخ المداري بارتفاع درجة الحرارة في معظم أيام السنة، خاصة في الصيف ويتدرج من مناخ جاف جدا في أقصى الشمال، إلى حار ماطر في الصيف ومعتدل في الشتاء في مناطق السافانا في الوسط وشبه رطب في أقصى جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، وحار جاف صيفا، ممطر بارد شتاء على ساحل البحر الأحمر ومنطقة جبل مرة .
ثانياً : الأنهار في السودان

1. : نهر النيل
يمتد إلى حوالي 1700 كيلومتر من الجنوب إلى الشمال كما يغطي حوض النيل وروافده في السودان حوالي 2.5 مليون هكتار وتشمل روافد النيل: النيل الأبيض النيل الأزرق عطبرة ستيت الدندر بحر العرب الرهد يجمع نهر النيل مياهه من مصدرين رئيسيين هما :
1. البحيرات الاستوائية ذات الأمطار طوال العام
2. الهضبة الإثيوبية ذات الأمطار الموسمية، والتي تمثل الرافد الرئيسي الأول

تقع على النيل شمال الخرطوم شلالات النيل الستة التي تبدأ بالشلال الثاني في حلفا ( الشلال الأول في أسوان بمصر وتنتهي بشلال السبلوقة شمال الخرطوم. وعليه وبحيرات (صناعية) مثل بحيرة النوبة في أقصى شمال السودان وغيرها من البحيرات الصناعية خلف السدود والخزانات.

تقدر حصة السودان من مياه النيل بـ 18.5 مليار متر مكعب في العام يستغل السودان منها حاليا حوالي 12.2 مليار متر مكعب في العام بينما تبلغ الكمية الإجمالية لنهر النيل ورافديه الرئيسين، النيل الأزرق والنيل الأبيض وأنهار عطبرة والرهد والدندر حوالي 50 مليار متر مكعب ، يتميز نهر النيل وروافده بموارد مائية هائلة تغطي حوالي 25000 كلم مربع ويقدر الإيراد السنوي لنهر النيل بحوالي 58.9 مليار متر مكعب يساهم فيها النيل الأزرق بحوالي 58.9% ويلعب النيل دورا حيويا في حياة السكان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي علاقات السودان الخارجية خاصة مع دول حوض النيل

تستغل مياه النيل وروافده في الري وتوليد الكهرباء من خزانات الرصيرص وسنار وخشم القربة وفي الملاحة وصيد الأسماك اتفاقية مياه النيل لعام 1959 منحت مصر 55.5 مليار متر مكعب سنويا من مياه النيل والسودان 18.5 مليار متر مكعب ومن المؤمل أن يضيف مشروع قناة جونقليفي جنوب البلاد والتي توقف العمل بها لظروف أمنية حوالي 2.4 مليار إلى نصيب كل من الدولتين. بالإضافة لمنظومة النيل يزخر السودان بالعديد من البحيرات الداخلية والأودية الموسمية التي تلعب دوراً هاماً في حياة السكان الاقتصادية، خاصة في شرق البلاد وغرب البلاد

2 : النيل الأبيض:
يتجه النيل الأبيض إلى الخرطوم قاطعا 848كم وهو قليل العمق واسع المجرى إذ يبلغ 300-500م ويزيد عند منتصفه إلى 8500م ، ويساهم النيل الأبيض بحوالي 2/7 من مياه النيل وهو المورد الرئيسي للمياه أثناء شهور الربيع وأوائل الصيف يتقابل النيل الأبيض مع النيل الأزرق عند الخرطوم ، والنيل الأزرق يتميز بسرعة تدفقه .

ثالثاً : الأنهار الموسمية في السودان :

بالسودان عدد من الأنهار والأودية الموسمية مثل :
1. نهر القاش
2. خور طوكر
3. نهر عذبرة
4. خور أبو حبل
5. خور بركة
6. بحر العرب

هنالك أنهار جافة كوادي هور ووادي الملك ووادي المقدم، إلى جانب عدد من البحيرات مثل بحيرة أبيض والبرك والمستنقعات والخيران الموسمية الصغيرة التي تفيض بالمياه أثناء الموسم المطير في الصيف. تتجمع في هذه المجاري الموسمية وفي أودية السهول الوسطى وعددها حوالي 40 وادي وكميتها السنوية من المياه حوالي 6.7مليار متر مكعب، والمياه المتجمعة في الحفائر (مستنقعات صناعية) وعددها 840 حفير تحتوي على 26 مليون متر مكعب من المياه .

رابعاً : المياه الجوفية في السودان

تنتشر المياه الجوفية في أكثر من 50% من مساحة السودان. ويقدر مخزونها بنحو 15,200 مليار متر مكعب، إلي 39,755 مليار متر مكعب يأتي حوالي 28% منها من حوض النوبة و20% من حوض أم روابة في ولاية شمال كردفان

تتوزع المياه الجوفية بين حوضين جوفيين رئيسيين هما :
1. الحوض النوبي الرسوبي في شمال غرب السودان .
2. حوض تكوينات أم روابة في جنوب وسط السودان.
أما تكوينات الصخور الصلبة والتي تتركز في الشرق وغرب الوسط وجنوب غرب البلاد فإنها تمثل حوضاً جوفياً فقيراً. توجد كمية كبيرة من المخزون المائي تحت الطبقات السطحية لأرض السودان وتوزع كالأتي :
-;—;– الحجر الرملي النوبي (305 مليار متر مكعب) .
-;—;– أم روابة بمخزون(22 مليار متر مكعب) .
-;—;– الجزيرة بمخزون (38 مليار متر مكعب) .
-;—;– كما تحمل طبقات الترسبات الطينية مخزون مائي يعادل (مليار متر مكعب ) .

الحفائر والآبار :
تمثل أحد أهم مصادر المياه في السودان ويمكن تقسيمها إلي الولايات الأتية :
1. ولاية غرب دارفور شهدت تنفيذ 9 حفائر بسعة(695,000) متر مكعب .
2. ولاية جنوب دارفور شهدت تنفيذ 6 حفائر وتأهيل سد واحد لتوفر سعة قدرها(552,000) متر مكعب .
3. بينما تم تنفيذ حفيرين في ولاية شرق دارفور بسعة (430,139 ) متر مكعب .
4. ولاية شمال دارفور أنجزت 8 حفائر بسعة (461,000) متر مكعب .
5. ولاية شمال كردفان فقد تم تنفيذ 23 حفيراً بسعة (1,746,008) مترمكعب، و5 سدود بسعة (9,388,800) مترمكعب، ليبلغ إجمالي المياه في هذه الولاية (11,134,808) متر مكعب .
6. ولاية النيل الأبيض تم تنفيذ 50 حفيراً بسعة (2,342,000) متر مكعب، وسدين بسعة (3,500,000) متر مكعب ليبلغ إجمالي المياه في النيل الأبيض (5,542,000) مترمكعب
7. ولاية الجزيرة فقد تم تنفيذ 15 حفيراً بسعة (510,436) متر مكعب، بينما شهدت ولاية سنار تنفيذ 22 حفيراً بسعة (881,013) متر مكعب، وسدين بسعة (3,500,000) متر مكعب، ليبلغ إجمالي مياه ولاية سنار (4,381,013) متر مكعب .
8. ولاية النيل الأزرق تم تنفيذ 24 حفيراً بسعة (1,077,930) متر مكعب، وسدين بسعة (1,000,000) متر مكعب، ليكون مجمل المياه في النيل الأزرق (2,077,930) متر مكعب .
9. ولاية القضارف فقد نفذ فيها 15 حفيراً بسعة (1,139,681) متر مكعب، وفي ولاية كسلا تم تنفيذ 11 حفيراً بسعة (963,200) متر مكعب، وسد واحد بسعة (5,400,000) متر مكعب، ليبلغ مجمل المياه في كسلا (6,363,200) متر مكعب .
10. ولاية البحر الأحمر فقد تم تنفيذ 4 حفائر بسعة (181,000) متر مكعب .
11. ولاية الخرطوم كان عدد المشاريع المنفذة 16 حفيراً بسعة (709,413) متر مكعب، وسدين بسعة (2,300,000) متر مكعب، ليكون إجمالي حصاد المياه في الخرطوم (3,009,413) متر مكعب .
12. ولاية نهر النيل فقد تم إنجاز 5 حفائر بسعة (395,300) متر مكعب، وسد واحد بسعة (3,091,200) متر مكعب، ليبلغ إجمالي حصاد نهر النيل من المياه (3,486,500) متر مكعب .
13. الولاية الشمالية تم تنفيذ 5 حفائر بسعة (859,200) متر مكعب، لتكون الجملة الكلية للحفائر 231 حفيرا في كل الولايات بسعة (14,503,221) متر مكعب، والجملة الكلية للسدود المنفذة 16 سداً في كل الولايات بسعة بلغت (27,880,000) متر مكعب، وهكذا تكون جملة المشاريع التي نفذتها وحدة تنفيذ السدود في جميع ولايات السودان حتى تاريخ 30 يونيو 2013م، هي 247 مشروعاً، وفرت من المياه مقداراً بلغ (42,383,221) متر مكعب.

نفذت وحدة تنفيذ السدود عدة برامج وخطط في مجال المياه شملت برنامج رئاسة الجمهورية لتنفيذ مشروعات حصاد مياه بولاية شمال كردفان وخططاً سنوية لمشروعات حصاد المياه بجميع ولايات السودان، هذه المشروعات التي نفذتها الوحدة خلال هذه الفترة بلغت حوالي 204 مشروع وفرت سعة إجمالية مقدارها أكثر من33 مليون متر مكعب من المياه، توزعت تفاصيلها على 190 حفيراً كبيراً كانت سعتها 11.9 مليون متر مكعب، و14 سداً وفرت سعة إضافية مقدارها 22.8 مليون متر مكعب ،ومايجدر ذكره أن نسبة التنفيذ في الحفائر خلال هذه الفترة بلغت 74% وفي السدود بلغت نسبة التنفيذ 20% .

الموارد المائية الحالية والمستقبلية فى مصر:

أ) مياه النيل:

يمثل نهر النيل شريان الحياة الرئيسى لمصر، وتعتبر مياهه المورد الأساسى للمياه السطحية العذبة فيها. إذ تعتمد مصر على مياهه اعتمادا يكاد يكون كليا فى الاستعمالات الزراعية والصناعية والمنزلية، حيث لا تلبى موارد مصر المائية من مصادرها الداخلية إلا 5% فقط من احتياجاتها من المياه العذبة سنويا، بينما تحصل على 95% من حاجاتها إلى المياه من نهر النيل. لذلك، فإن أى نقص فى كمية المياه التى ترد إلى مصر من نهر النيل تؤثر تأثيرا سلبيا ومباشرا فى إنتاجها الزراعى والصناعى. ولذلك، تعتبر حصتها من المياه هى الحد الأدنى المطلوب، وذلك على عكس جميع دول حوض النيل الأخرى التى تسقط عليها الأمطار بغزارة، وتتوافر لديها كميات هائلة من المياه الجوفية، ولديها أنهار أخرى إن علاقة مصر بنهر النيل تعكس إلى حد بعيد الخصائص المميزة لهذا النهر، والتى يكاد ينفرد بها عن غيره من الأنهار الدولية الأخرى. فالدارس لجغرافية النهر وطبوغرافيته يستطيع أن يلاحظ من بين أمور عدة الأمرين الآتيين:

الأول: أن هذا النهر قد سيطر سيطرة كاملة وحتى اليوم تقريبا على اقتصادات وحياة مصر
أما الأمر الثانى، فمفاده أن الدولة الأولى المستفيدة من هذا النهر، وهى أيضا مصر، لا يوجد على إقليمها أى من منابعه، مما حتم عليها أن تكون دوما على علاقة خاصة مع باقى الدول الأخرى التى توجد فيها هذه المنابع التى يمر بها النهر لمسافات طويلة، قبل أن يدخل الحدود المصرية .

والواقع أن هذا الإجمال العام، فيما يتعلق بأهمية مياه النيل بالنسبة إلى مصر، يمكن تفصيله -بعض الشىء- على النحو التالى :
1. إن نهر النيل يعتبر المصدر الأول -إن لم يكن الأوحد- لماء الوادى فى مصر قديما وحديثا، ولا يوجد أى مصدر آخر للمياه يمكن مقارنته به.
2. إن مياه النيل لا تستمد أهميتها من حقيقة كونها المورد الوحيد تقريبا للرى فى مجال الزراعة (نحو 85 – 90% من الموارد المائية المتاحة لمصر يوجه إلى الإنتاج الزراعى) فقط، بل وأيضا من استخداماتها فى الأغراض الأخرى، كالملاحة الداخلية التجارية منها والسياحية ولتوليد الطاقة الكهربائية، إلى جانب استخدامها على نطاق واسع فى العمليات الصناعية.
3. إنه بالنظر إلى ضخامة إسهام نهر النيل كمصدر للمياه فى مصر، بالمقارنة بباقى المصادر الأخرى، فإن معنى ذلك أنه سيظل يمثل الركيزة الأساسية لأية خطط مستقبلية، سواء فى مجال التنمية الزراعية أو الصناعية أو الاقتصادية بوجه عام، خاصة إذا ما استمر الحال على ما هو عليه الآن، سواء بالنسبة لسياسات عدم الترشيد أو للزيادة السكانية المطردة. ولعلنا نستطيع، فى ضوء ما سبق، أن نخلص إلى القول إن ثمة مصلحة مؤكدة لمصر فى مياه النيل. أن هذا الاستنتاج يصدق على الماضى كما يصدق على الحاضر. أما عن احتمالات المستقبل، فإنها تزيده تأكيدا. وهذه المصلحة هى من الأهمية بحيث لا تكاد تدانيها أية مصلحة لأية دولة أخرى من دول حوض النيل، حتى ليمكن القول إن دول الحوض الأخرى ليس لها سوى مصالح محدودة أو هامشية فيما يتعلق بمياه النيل، ما دام حديثنا منصرفا إلى مجال الرى الزراعى. ولا يكاد يستثنى من ذلك -وفى حدود معينة- سوى السودان .

تتمثل الموارد المائية المتوافرة من مياه النيل فى حصة مصر السنوية من تلك المياه، والتى تبلغ 55,5 مليار م3 مكعب، حسب نصوص اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه النيل المبرمة بين مصر والسودان عام 1959. حيث تعتمد مصر على المخزون فى بحيرة ناصر أمام السد العالى، حيث تقدر سعة التخزين بنحو 164 مليار م3 عند أعلى مناسيب التخزين، منها 90 مليار م3 للتخزين الحى الذى يمكن مصر من الحصول على حصتها السنوية من مياه النيل. ولئن كان هذا القدر من مياه النيل هو المتاح لمصر حاليا، فإن الاتفاق نفسه قد حث الدولتين المتعاقدتين على زيادة حصتيهما من مياه النيل بتنفيذ مشروعات تقليل الفاقد فى مناطق المستنقعات بجنوب السودان، وهى مشروعات بحرى الجبل والزراف مشروع قناة جونجلى: مرحلة أولى: 2 مليار .
مرحلة ثانية: 1,5 مليار = 3,5 مليار وبحر الغزال، ونهر السوباط ومشار (2 مليار)، والتى من شأنها -إذا تم تنفيذها- زيادة حصة كل من الدولتين بمقدار 9 مليارات من الأمتار المكعبة سنويا، الأمر الذى يعنى أن نصيب مصر من مياه النيل الممكن إتاحته فى المستقبل يبلغ 64,5 مليار م3 بيد أن تنفيذ مشروعات تقليل الفاقد من مياه النيل قد توقف منذ نوفمبر 1983 بسبب الحرب الأهلية فى جنوب السودان

ب) الأمطار والسيول:

يتراوح متوسط معدل الأمطار الشتوية التى تسقط على الأجزاء الشمالية من مصر بين 200مم عند الإسكندرية، و 75مم عند بورسعيد، ويقل كلما اتجه جنوبا ليصل إلى نحو 25مم عند القاهرة. وهى كميات قليلة لا يمكن الاعتماد عليها كمورد ثابت للمياه. وبينما تبلغ جملة كميات الأمطار على الساحل الشمالى والدلتا فى المتوسط سنويا نحو مليار م3، فإن نصف هذا القدر فقط يستفاد به فى توفير جزء من احتياجات الزراعة. فإن السيول التى تسببها العواصف المطرية قصيرة الزمن تسبب خطرا بيئيا على مناطق البحر الأحمر وجنوب سيناء. وقد أوضحت بعض الدراسات فى هذا الشأن إمكانية حصاد هذه المياه والاستفادة منها، إما بشحن الخزانات الجوفية المحلية، أو لأغراض الشرب والرى مباشرة، وذلك للحد من آثارها المدمرة. وتقدر كميات الأمطار والسيول معا التى يمكن استغلالها بنحو مليار م3 سنويا .

ج) المياه الجوفية:
-;—;– المياه الجوفية فى الصحارى وسيناء:

يشمل حوض الحجر الرملى النوبى مناطق الواحات بالوادى الجديد، ومنطقة شرق العوينات، وحلايب، وشلاتين. ويقدر المخزون بهذا الخزان بعشرات المليارات من الأمتار المكعبة من المياه العذبة. ونظرا لأن هذا الخزان عميق وغير متجدد، فإن الكمية التى يمكن استغلالها تتوقف على تكاليف رفع المياه واستخدام الطاقة وتكاليف إنشاء الآبار العميقة، بحيث يمكن الحصول على عائد اقتصادى يتناسب مع هذه التكاليف. ولئن كانت كميات السحب الحالى تبلغ فى متوسطها نحو 0.57 مليار م3، منها 0.48 مليار بالصحراء الغربية والباقى بسيناء، فإن السحب الاقتصادى لا يزال يتيح كميات أخرى من الاستخدام، تبلغ -حسب تقديرات وزارة الموارد المائية والرى حتى عام 2017- نحو 3.2 مليار م3 سنويا.

-;—;– المياه الجوفية بالوادى والدلتا:

وهي مصدرها المياه المتسربة من النيل وشبكة الرى ومن الأراضى الزراعية، وبلغ المستخدم منها نحو 4,8 مليار م3 سنويا، وهذا فى حدود السحب الآمن للخزان الذى يبلغ نحو 7,5 مليار م3.

-;—;– إعادة استخدام مياه الصرف الزراعى:
حيث يصل حجم إعادة الاستخدام الحالى إلى نحو 12,8مليار م3 سنويا. ويتضمن هذا الكم ما يعاد استخدامه فى الوجه البحرى، وقدره 4,9 مليار م3 سنويا. كما يتضمن قدرا آخر يعاد استخدامه من المصارف مباشرة بواسطة المزارعين، يقدر بنحو 2,8 مليار م3 سنويا. علاوة على العائد من مصارف الوجه القبلى إلى نهر النيل مباشرة، وقدره 4.1 مليار م3 سنويا، وكميات مياه الصرف المعاد استخدامها بالخلط بمياه ترع الوجه القبلى والفيوم وتقدر بمليار م3 سنويا

-;—;– إعادة استخدام مياه الصرف الصحى المعالجة:

بدأ استخدام مياه الصرف الصحى بغرض رى الأراضى الزراعية فى مصر منذ عام 1915، حيث تمت زراعة 2500 فدان بمنطقة الجبل الأصفر شمال شرق القاهرة. وبزيارة عدد محطات المعالجة، يتم فى الوقت الحالى استخدام مياه الصرف الصحى فى مناطق مختلفة من الوادى بأسيوط والتبين وحلوان. وتبلغ كمية مياه الصرف الصحى التى تتم معالجتها نحو 07 مليار م3، منها 0,263 مليار م3 تعالج ثانوية بالقاهرة الكبرى، والباقى وقدره 1,437 مليار م3 يعالج معالجة أولية فقط، وذلك حسب القياسات الواردة من الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحى

-;—;– تحلية مياه البحر والمياه المحلا :

تعتبر تكلفة هذا النوع من الموارد المائية عالية بالمقارنة بالموارد الأخرى. ولكننا إذا أخذنا فى الاعتبار البدائل المطروحة لتغذية المناطق النائية بالمياه العذبة، مثل نقل مياه النيل فى خطوط مواسير أو إقامة سدود مياه السيول، فسوف تتضح إمكانية الانتفاع بالتكنولوجيات الحديثة لتحلية مياه البحر فى أغراض الشرب والصناعة والتشجير.

احتياجات السودان المائية الحالية والمستقبلية

احتياجات الزراعية
تبلغ نسبة مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في السودان42 % من إجمالي مساحتة ، وتقدر بحوالي 1,052,520 كيلو متر مربع‘ وهي تفوق بذلك مساحة دولة مصر ، وبينما تبلغ جملة مساحة الأراضي الزراعية في العالم العربي ما يوازي 5% (700 ألف كيلومتر مربع) من جملة مساحتة البالغة حوالي 14 مليون كيلو متر مربع، نجد إن نسبة الأراضي الصالحة للزراعة في السودان تفوق مجموع الأراضي الزراعية في العالم العربي قاطبة
يبلغ إجمالي اﻷ-;—;–راضي الزراعية حوالي 250 مليون فدان، بواقع 42% من مساحة السودان، إضافة إلى 200 مليون فدان مراعي وغابات طبيعية.وتبلغ المساحة المزروعة فعلياً 40 مليون فدان، تمثل 16% من مساحة السودان، ويعتمد 18% من الاراضي المزروعة على مياه اﻷ-;—;–مطار.

الزراعة المطرية
تقدر كمية الأمطار التي تصل إلى الأراضي السودانية القابلة للزراعة المطرية بحوالي 140 مليار متر مكعب يمكن استخدامها مباشرة أو من الآبار بحيث يمكن زراعة ما لا يقل عن 30 مليون فدان بفرض أن الفدان يحتاج إلى حوالي 3000 متر مكعب من الماء.
الزراعة المروية
يستخدم السودان حوالي 14.5 مليار متر مكعب فقط من المياه المقررة له حسب اتفاقية المياه بين مصر والسودان لسنة 1959. وهي تخطط لاستخدام ما يكمل من حصتها من السد العالي (والبالغة 18.5مليار متر مكعب) وكذلك ما سيأتيها من قناة جونجلي عند الانتهاء منها (حوالي 2.3 مليار متر مكعب) لري حوالي 1.7 مليون فدان جديدة منها 500 ألف فدان في مناطق النيل الأزرق و620 ألف فدان في أعالي وعطبرة و210 ألف فدان في مناطق النيل الأبيض و200 ألف فدان حول النيل الأزرق (بالضخ) و200 ألف فدان في بحر الجبل .

وفيما عدا أراضي الجزيرة والمناقل وخشم القربة التي تحصل على مياهها من الخزانات المقامة على النيل الأزرق والعبطرة والبالغ مساحتها الكلية 2.550 مليون فدان، فإن جميع الأراضي الأخرى تحصل على مياهها بطريق الضخ. وبالإضافة إلى الأراضي السابقة، توجد أراضي الحياض القديمة التي توارثتها الأجيال والتي تقع حول النيل الرئيسي في منطقة النوبة والتي تبلغ مساحتها 70 ألف فدان.
.
على أن هذا التوسع سيكون رهنا بتنفيذ مشروعات الخزانات التي ستزيد من سعة التخزين المتاحة للسودان في الوقت الحاضر والمقدرة بحوالي 8.1 مليار متر مكعب هي كالاتي: خزاني سنار (600 مليون متر مكعب) و الرصيرص (2.7 مليار متر مكعب) على النيل الأزرق، وخزان خشم القرية (1.3 مليار متر مكعب) على العطبرة، وجبل الأولياء (3.5 مليار متر مكعب) على النيل الرئيسي.
الاحتياجات المستقبلية للزراعة المروية :
من اهم المشروعات المقترحة فهي تعلية الرصيرص إلى ارتفاع 790 مترا وزيادة سعة تخزينه إلى 6.5 مليار متر مكعب بزيادة قدرها 4 مليار متر مكعب، وإقامة خزان بأعالي الستيت (العطبرة) بسعة 1.6 مليار متر مكعب، وخزان مروي على النيل الرئيسي بالنوبة بسعة 1.6 مليار متر مكعب كمرحلة أولى تزاد إلى 7 مليار متر مكعب في مراحل لاحقة. ومن الجدير بالذكر أن السودان يجابه مشكلة إطماء خزاناته وخاصة تلك المقامة على النيل الأزرق والعطبرة، ويفقد خزان خشن القرية على العطبرة حوالي 40 مليون مكعب من سعته كل عام نتيجة تجمع الطمي فيه. كما يجاب خزان الرصيرص على النيل المشكلة نفسها فقد امتلأت ثلاثة أرباع سعته التخزينية الميته في السنوات العشر التي تلت بناؤه في سنة 1966. وسيكون لتعلية الخزان المقترحة وزيادة سعته التخزينية أثرا مؤقتا على حل هذه المشكلة وضمان استمرار تدفق الماء منه كما كان مخططا له وحتى سنة 2010.
وللسودان مشروعات طويلة الأمد لزيادة المساحة المروية بمياه النيل واضافة 3.4 مليون فدان أخرى في مناطق النيل الأزرق وروافده (1.6 مليون فدان) وحول النيل الرئيسي بمديريات الشمال (1.5 مليون فدان) وبحر الجبل (300 ألف فدان). وهذه الزيادة ستحتاج إلى تدبير 16 مليار متر مكعب اضافية من الماء وهو أمر يصعب تصور تحقيقه في المستقبل المنظور حتى ولو اقيمت كل مشروعات أعالي النيل التي وردت في مشروع التخزين المستمر الذي اقترحته مصر وأقرته سنة 1949، والتي خطط لها أن تعطي حوالي 16 مليار متر مكعب في السنة تقسم مناصفة بين مصر والسودان
وقد أظهرت دراسة المكتب أنه لا توجد أراضي في حوض النيل الأزرق تمكن زراعتها وانما توجد أراضي في الهضاب المحيطة يمكن توصيل الماء إليها وزراعتها وعلى الأخص منطقة حول بحيرة تانا وحول رافدي الانجار والفنشا وعلى الحدود الاثيوبية – السودانية. وتقع هذه الأراضي بين منسوبي 335 و920 مترا فوق سطح البحر. وتصل جملة الأراضي التي ذكرها التقرير إلى أكثر قليلا من المليون فدان يحتاج ريها إلى حوالي 6مليار متر مكعب في السنة.
احتياجات الثروة الحيوانية:

تستهلك الثروة الحيوانية حوالي 300 مليون متر مكعب ومن المتوقع ان ترتفع هذه النسبة الي 700 مليون متر مكعب

الاحتياجات المائية الحالية والمستقبلية فى مصر:

يقدم هذا الجزء تقييما للاستخدامات المائية المصرية، الحالية والمستقبلية، لقطاعات الزراعة، والشرب، والصناعة، والسياحة، والثروة السمكية، والنقل النهرى، وتوليد الطاقة الكهرومائية. والجدير بالذكر أن معظم بيانات الاستخدامات المائية هى بيانات تقديرية، وذلك لعدم وجود قاعدة بيانات مبنية على قياسات دقيقة.

أ) احتياجات القطاع الزراعى:

كانت الزراعة فى مصر، وستظل لفترة طويلة قادمة، هى عصب الاقتصاد القومى، فهى تمثل 16% من إجمالى الناتج القومى الإجمالى (طبقا لتقديرات 96 / 1997). وتمثل قيمة الصادرات من قطاع الزراعة نحو ثلث حجم الصادرات بما يزيد على خمسة مليارات جنيه مصرى، كما تمثل العمالة الزراعية نحو 37.6% من حجم العمالة المصرية.وتقع مصر ضمن المناطق الجافة وشبه الجافة من العالم. ولذا، فإن الزراعة تعتمد اعتمادا كليا على مياه الرى التى تتطلب كثيرا من الجهد والعلم والعمل فى تدبيرها، وإحكام توزيعها، وحسن استخدامها دون زيادة أو تقتير، للوفاء بمتطلبات الزراعة فى مراحلها المختلفة. وقد بلغ إجمالى المياه المستخدمة فى الزراعة نحو 52.13 مليار م3، حسب إحصاء عام 1997. ولئن كانت الجهود التى بذلتها الدولة حتى الآن قد مكنت من زيادة مساحة الأراضى المروية من 6 ملايين فدان فى عام 1980 إلى 7,8 مليون فدان فى عام 96 / 1997، فإن سياسة الدولة تقتضى باستمرار التوسع الزراعى الأفقى بخطى واسعة لتلاحق الزيادة المطردة فى عدد السكان، فتمتص كثيرا من الكثافة السكانية فى الأرض القديمة، وتفى بمتطلبات الغذاء لملايين الأفواه الجديدة كل عام.

جاءت وثيقة القرن الحادى والعشرين مترجمة لهذه السياسة، وأوصت باستصلاح واستزراع 3,4 مليون فدان حتى عام 2017. وتبلغ الموارد المائية اللازم تدبيرها للوفاء بمتطلبات الرى لهذه المساحات نحو 20,4 مليار م3، قدرت على أساس أن الاحتياجات المائية للفدان تتراوح بين 5200م3 بأراضى الوجه البحرى، و7000 م3 للفدان فى أراضى الوجه القبلى، باعتبار أن نظام الرى المستخدم هو الرى المتطور بالرش والتنقيط، مع عدم زراعة المحاصيل العالية الاستهلاك للمياه.

ب) احتياجات مياه الشرب:

يقصد باحتياجات مياه الشرب كافة الاستخدامات المائية اللازمة لتلبية الأغراض المنزلية والاستخدام الآدمى، شاملة العناية بالحدائق الخاصة، والأغراض التجارية، والتخزين المنزلى لمقاومة الحرائق، وغيرها من الاستخدامات الشخصية. كما تتضمن الاحتياجات المائية لبعض الصناعات الصغيرة المنتشرة بالمدن والقرى.ولقد بلغت احتياجات الشرب فى عام 1997 نحو 4,54 مليار م3، وتقدر الاحتياجات المستقبلية لمياه الشرب فى عام 2017 بنحو 6,6 مليار م3، منها 1,36 مليار م3 تمثل الاستهلاك الفعلى لمياه الشرب. أما الباقى، فيتسرب من شبكة التوزيع إلى باطن الأرض، أو يعود إلى الشبكة بعد المعالجة ليعاد استخدامه.وقد تم تقدير احتياجات مياه الشرب لعام 2017، فى ضوء تقدير تعداد السكان عام 2017 ، ب- 89,6 مليون نسمة، واختير معدل استهلاك الفرد ليكون 120 لترا/ فرد/ يوم، واعتبر أن كفاءة شبكة التوزيع سوف ترتفع إلى نسبة 60% .

ج) احتياجات الصناعة:

تشكل احتياجات القطاع الصناعى جزءا لا يمكن إغفاله عند وضع السياسة المائية لمصر. وتبلغ الاستخدامات الحالية لقطاع الصناعة نحو 7,4 مليار م3 سنويا من المياه. وباتباع الأسلوب نفسه المستخدم لحساب الاحتياجات المائية لأغراض الشرب، يمكن توقع الاحتياجات المائية لأغراض الصناعة، وذلك بفرض أن المعدل المتوسط للنمو الصناعى يبلغ 4% سنويا. ومع افتراض أن أنماط الاستهلاك المائى الصناعى سوف تختلف خلال الحقبة القادمة، حيث إن استخدام التقنيات الحديثة فى الصناعة ونوعية الصناعات ذاتها سوف تحد من الإسراف فى استهلاك المياه، وبالتالى فإن معدل الاحتياجات المائية سوف يصل إلى 85% من قيمته الحالية. ولذلك، فإنه من المتوقع أن تبلغ الاحتياجات المائية الصناعية نحو 10,6 مليار م3 سنويا عام 2017 .

د) الاحتياجات الأخرى:

لا تقف الاستخدامات المائية عند حد الاستهلاك الزراعى والمنزلى والصناعى، ولكنها تتعداها إلى عدة استخدامات أخرى، أغلبها غير مستهلكة للمياه. وأهم هذه الاستخدامات هى الملاحة، وتوليد الطاقة الكهربائية، بالإضافة إلى الاحتياجات البيئية والترفيهية. كذلك، فإن الحفاظ على التوازن الملحى فى الأرض الزراعية المصرية يتطلب صرف كميات من المصارف إلى البحر تصل إلى 50% من تصرفاتها للتخلص من الحمل الملحى المتراكم عند مصبات المصارف الرئيسية فى البحر والبحيرات الشمالية. كما يعتبر صرف المخلفات الزراعية والصناعية والمنزلية استخداما مستهلكا للمياه، من حيث إهدار نوعيتها.

وبعد هذا العرض، يمكن مقارنة الاحتياجات المائية لعامى 1997 و2017 بالموارد اللازمة للوفاء بهذه الاحتياجات فى هذين العامين ويلاحظ أن عام 2017 سيشهد عجزا فى الميزان المائى المصرى مقداره مليار م3 تقريبا، وذلك بافتراض إضافة تسعة مليارات من الأمتار المكعبة إلى الإيراد المائى، من خلال إنجاز المرحلة الأولى لمشروع جونجلى (2 مليار م3)، وتطبيق نظم الرى الحديثة (4 مليار م3)، وتطوير التركيب المحصولى (3 مليار م3)، الأمر الذى يعنى أن العجز المائى قد يصل إلى عشرة مليارات م3 فى حالة عدم إنجاز تلك المشروعات. بيد أنه تجدر الإشارة إلى أن هناك بعض الدراسات التى أعدت فى نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، قد تنبأت بظهور عجز فى الميزان المائى المصرى بحلول عام 2000. حيث تنطلق الدراسة من التنبؤ بقرب حدوث أزمة مياه فى مصر بسبب تواتر الزيادة السكانية مع التقدم الصناعى المرتقب، فضلا عن التوسع الزراعى الأفقى والرأسى لتحقيق الاكتفاء الذاتى غذائيا. ومن ثم، فإن دراسته ترى أنه إذا كان نصيب الفرد من الموارد المائية فى عام 1986 يبلغ 1110 م3، فإنه سوف ينخفض عام 2000 إلى نحو 865 م3 للفرد. وقد ذهبت دراسته إلى درجة عالية من التشاؤم، حينما تصورت أن عام 2000 سيشهد عجزا مائيا قدره 31 مليار م3 عن الاحتياجات المثلى، وأن الأمر سيزداد سوءا فى ظل استمرار نمط استهلاك المياه الحالى الذى يتسم بالإسراف .

ويتفق مع الدراسة السابقة، فيما يتعلق بظهور عجز فى الميزان المائى المصرى عام 2000، التقرير الذى قدمته لجنة الإنتاج الزراعى والرى فى مجلس الشورى المصرى عام 1992 عن تطور الميزان المائى. ذهب التقرير إلى تأكيد على وجود تزايد فى الطلب على المياه منذ عام 1980 للوفاء بالاحتياجات المائية المختلفة. ورغم ذلك، فإن الميزان المائى المصرى قد سجل فائضا فى جميع السنوات المرصودة فى التقرير حتى عام 1992، فى حين تسجل توقعات عام 2000 عجزا طفيفا يقدر بنحو مليار م3 .

مقدار الاستخدامات المائية وصل إلى 59,2 مليار م3، وبلغ نصيب الزراعة منه84%.وبعد تحليل الموقف المائى وضعت تلك الدراسة تصورا للرؤى والسياسات المستقبلية لإمكانية مواجهة الاحتياجات المائية المتزايدة فى المستقبل،

أما بالنسبة لعام 2025، فقد عرضت الدارسات ثلاثة بدائل :

البديل الأول: هو تحسين كفاءة الرى الحقلى لتصل إلى 75%، وتحسين كفاءة شبكات توزيع مياه الشرب لتصل إلى 90%.
البديل الثانى: هو بقاء الكفاءة الحقلية عند مستواها المنخفض، وهو الأمر الذى يستدعى التوسع فى إعادة استخدام مياه الصرف.
البديل الثالث: هو وسط بين البديلين الأول والثانى، حيث يفترض رفع كفاءة الرى الحقلى لتصل إلى 65%، ورفع كفاءة شبكات توزيع مياه الشرب لتصل إلى 80%، وعدم استكمال تنفيذ مشروعات أعالى النيل قبل عام 2025، فيما عدا المرحلة الأولى من قناة جونجلى. كما تم فرض التوسع فى استخدام المياه الجوفية العميقة ليصل السحب منها إلى 3,5 مليار م3 / السنة، والتوسع فى إعادة استخدام مياه الصرف ليصل إلى 8 مليارات م3 سنويا، مع استخدام 2,5 مليار م3 / السنة من مياه الصرف الصحى المعالجة .

وصلت الدراسة إلى درجة كبيرة من التفاؤل، حينما تصورت أن الميزان المائى المصرى سيظل يحقق فائضا مائيا حتى عام 2025، وهو الأمر الذى عارضه بشدة تقرير البنك الدولى الصادر فى عام 1992، والذى تلى تلك الدراسة. حيث أشار ذلك التقرير إلى أن الميزان المائى المصرى سوف يحقق فائضا حتى عام 2000، ومن ثم، يبدأ يسجل عجزا كبيرا فى عام 2025 يصل إلى 30 مليار م3/ السنة، وعندها يقل نصيب الفرد إلى 637 م3/ السنة، ثم يصل العجز إلى 62 مليار م3/ السنة عام 2051، وعندها يصبح نصيب الفرد 617 م3/ السنة .

وقد تبنت إحدى الدراسات، الصادرة فى عام 1992، نفس النظرة التشاؤمية التى تبناها تقرير البنك الدولى السابق، حيث اتفقت معطيات تلك الدراسة مع بيانات تقرير البنك الدولى. وقد ذهبت الدراسة إلى الاعتقاد بأن معدلات الزيادة فى الاحتياجات المائية تفوق ما يمكن إضافته من موارد، ومن ثم، تنبأت بحدوث عجز يقدر بـ 30 مليار م3 فى عام 2025، يرتفع إلى 62,26 مليار م3 فى عام 2051، وذلك بافتراض أن يصل عدد سكان مصر إلى 86 مليون نسمة، ثم إلى 120 مليون نسمة فى عامى 2025 و 2051 على الترتيب وقد أكدت دراسة أخرى صادرة فى عام 1996 نفس ما انتهت إليه الدراسة السابقة من تقديرات العجز المائى المتوقع فى مصر بيد أن التقديرات المذكورة فى الدراستين السابقتين لم تلق قبولا من جانب مدرسة الرى المصرية. ففى أكتوبر 1997، أعدت وزارة الموارد المائية والرى المصرية تقريرا (مسودة) لاستراتيجية الموارد المائية حتى عام 2017 وتقدم هذه المسودة الميزان المائى لعام 1995 – 1996، وكذلك الميزان المائى لعام 2017، حسب عدة بدائل، البديل الأول: استصلاح 1,53 مليون فدان، الثانى: استصلاح 2,25 مليون فدان، الثالث: استصلاح 3,4 مليون فدان.

وقد أكدت المسودة أن عام 1995 قد شهد توازنا مائيا بين الإيرادات والاحتياجات، وأن العجز المائى المتوقع فى عام 2017 سوف لن يزيد على مليارى م3، وذلك بعد استصلاح 3,4 مليون فدان (البديل الثالث) بيد أنه يلاحظ أن تلك البيانات قد اعتمدت على عوائد المرحلة الأولى لقناة جونجلى (2 مليار)وقد تضمنت الدراسة، التى أعدها د. محمود أبو زيد عام 1993، مقارنة بين الميزان المائى فى مصر لعامى 1990 و2000، وانتهت الدراسة إلى تأكيد وجود فائض مائى فى كل من العامين المذكورين كما طرح د. محمود أبو زيد دراسة أخرى عام 2000، عرض فيها الإيراد المائى لعامى 1995 و2017 بنحو 67,47 مليار م3، و87.90 مليار م3 على الترتيب، وهو ما يعنى أن تقديرات الموارد المائية لعام 1995 فى تلك الدراسة تقل عما جاء فى مسودة الاستراتيجية المائية. ولكن، إذا تمت إضافة استخدامات المزارعين لمياه الصرف الزراعى، وكميات مياه الصرف التى تصب على النيل وفرعيه بإجمالى مقداره 8 مليارات م3 تقريبا، فستتطابق تقديرات الموارد المائية مع ما جاء فى الاستراتيجية. ومن المخطط توفير نحو 20.43 مليار م3 من المياه للوفاء باحتياجات التنمية حتى عام 2017. وجدير بالذكر أنه فى هذه الورقة تم احتساب ما يمكن توفيره من ترشيد الاستخدامات وتطوير الرى كرصيد مائى وأخيرا، طرحت الدراسة، الصادرة عن منتدى العالم الثالث فى إطار المشروع البحثى: “مصر 2020″، التصورات المستقبلية لمختلف القوى السياسية والاجتماعية فى مصر حول الميزان المائى المصرى حتى عام 2020. حيث تضمنت الدراسة رؤية للوضع المائى من منظور السيناريوهات السياسية الخمسة التى اقترحها مشروع مصر 2020، وهى: التيار المرجعى، والرأسمالية الجديدة، والإسلامى، والاشتراكية الجديدة، وأخيرا التيار الشعبى.

ومسودة استراتيجية الموارد المائية لمصر الصادرة عن وزارة الموارد المائية، وخطة الوزارة حول: الملامح الرئيسية للسياسة المائية نحو عام 2017، وخطة قطاع مياه النيل حول: الملامح الرئيسية لاستراتيجية مصر المائية حتى عام 2020. وقد رأت تلك الدراسات أنه يمكن الخروج من أزمة محدودية الموارد المائية باتباع أساليب واقعية، يمكن من خلالها زيادة الكميات المتاحة من موارد المياه، سواء من خلال الشروع فى تنفيذ مشروعات تقليل الفاقد فى أعالى النيل، أو تكثيف استخدام المياه الجوفية، فضلا عن زيادة كميات المياه الناتجة عن إعادة الاستخدام الزراعى والصناعى والصحى. كما طرحت تلك الدراسات أساليب واقعية لترشيد الاستهلاك المائى، أهمها تعميم نظم الرى الحديثة.
وصلت مصر إلى مرحلة تفرض فيها كمية المياه محددات على نموها الاقتصادى، فحصة الفرد من المياه تنخفض باستمرار، حيث تقدر الحصة الحالية بأقل من 800 م3 للفرد في العام، وهو رقم، حسب المعايير الدولية، يوازى “حد الفقر المائى” لأية دولة. هذا الرقم يمكن أن ينحدر إلى 500 م3 للفرد في السنة بحلول عام 2025، مما يشير إلى “ندرة فى المياه” فى مصر. أما نوعية المياه، فإن المعطيات تشير إلى وجود هبوط سريع فى نوعية المياه السطحية والجوفية .

تشير الإحصاءات الواردة فى تقرير التنمية البشرية، الصادر عام 2009 عن البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة، إلى أن نسبة السكان المتمتعين بالحصول المستدام على خدمات الصرف الصحى المحسن في مصر لم تتجاوز 70% من إجمالى السكان، وأن نسبة السكان المتمتعين بالحصول المستدام على مصدر مياه محسنة قد بلغ 98% من إجمالى السكان بتقديرات العام المذكور نفسه
ـــــــــــــــ
الاستاذ عمر يحي ، جامعة الزعيم الازهري ، كلية العلوم السياسية و الدراسات الاستراتيجية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق