أمن وإستراتيجية

ماذا تعرف عن المدرسة السوفيتية في المخابرات الـ كا جي بي ؟

تناولنا في مباحث سابقة بعض المدارس الاستخبارية الكبرى كالمدرسة الامريكية والبريطانية , وسنتناول هنا المدرسة الاستخبارية الروسية سواء في العهد الامبراطوري او السوفيتي او الروسي.

استخبارات بمستوى الدولة

تعد روسيا – لاسيما في العهد السوفيتي – بلد مترامي الاطراف بجغرافيا صعبة وقاسية , ومن ضمن المنتصرين في الحرب العالمية الاولى حين كانت امبراطورية , وقد كانت الحرب العالمية الاولى احد اسباب سقوط الامبراطورية بدعم مباشر من الالمان للشيوعيين للقيام بثورة اكتوبر عام 1917, وكانت البرافدا صحيفة الحزب الشيوعي الروسي تطبع وتنشر سراً ضد الامبراطور بأموال من الخارجية الالمانية.
وفي لقاء لادوارد بيرنشتاين عضو الحزب الاشتراكي الديمقراطي الاصلاحي في المانيا بجريدة حزبه في ١٩٢١ كشف انه اطلع على وثيقه تبين استلام البلاشفة الروس من الخارجية الالمانية في مورد واحد ٥٠ مليون مارك ذهبي , حيث كان الالمان يسعون الى اخراج روسيا من الحرب ضدها لما تتمتع به من اعداد بشرية وقوة عسكرية كبيرة.
كانت الامبراطورية الروسية تضم عدة اعراق واقوام وتحيط بها امبراطوريات متصارعة وحروب متكررة ومتنوعة , فكانت حاجتها ماسة الى تأسيس الاستخبارات العسكرية ضمن الجيوش للعمل الخارجي العسكري, اما للأمن الداخلي فقد اسست جهازاً للامن السري .
وكانت الشرطة السرية قوية للغاية حتى ان قيادة مدينة بيتسبيرغ للحزب الشيوعي السري آنذاك كانت مخترقة بشكل كبير بحيث ان اربعة من القادة الخمسة فيها كانوا عملاء للشرطة السرية , وقد تبين لاحقاً ان رومان مالينوفسكي احد الاعضاء الستة الذين مثلوا حزب البلاشفة في مجلس الدوما عام ١٩١٢ انه عميل للشرطة وتم اعدامه لاحقاً اثر ثورة اكتوبر .

البدايات

بعد انتصار الشيوعيين واسقاط الامبراطورية تم تشكيل جهاز استخباري بإسم لجنة امن الدولة KGB , وهو جهاز تأسس عام ١٩١٧, فقد أسس الحكام الجدد لجنة الطوارىء لمكافحة الثورة المضادة والمضاربات التجارية وعمليات التخريب .التي كانت النواة لانبثاق جهاز الاستخبارات المسمى تشيكا , وتولى فليكس ادموندوفيتش دزيرجينسكي قيادة التشيكا , وكانت تتكون من ٦٠٠ عنصر في بداية تشكيلها , وفي نهاية العام اصبح عدد عناصرها قرابة ال٤٠٠٠ عنصر , ثم بدأ الجهاز بالتضخم ليصل الى ٢٨٠ الف عنصر في عام ١٩٢١ , وفي عام ١٩٢٣ تغير الاسم الى المديرية السياسية المشتركة GPU بعد الفضائح والجرائم الكبيرة التي تسبب بها جهاز تشيكا.
وقد أفاد الجهاز الجديد من خبرة الجهاز السابق للشرطة السرية ولكن بعدد اضخم و عنف لا يوصف , وكان هذا الجهاز يمتلك معسكرات اعتقال فيها الاف السجناء وكانت الاعدامات تجري باعداد هائلة , ورغم عدم وجود بيانات حقيقية , لكن التقديرات تتحدث عن ان الجهاز الاستخباري اعدم ما يقارب الربع مليون خلال ٣ سنوات فقط.

جهاز بتعداد دولة

يعتبر ال KGB اضخم جهاز استخباري من حيث العنصر البشري تاريخياً , ووصل عناصره خلال الحرب الباردة الى ملايين المخبرين والمصادر والمتعاونيين عدا الموظفين الرسميين البالغ عددهم ٤٨٠ الف , ولم يسبق ان تضخم جهاز استخباري الى هذا المقدار بشرياً .
ويعود سبب اعتماد ال KGB على تلك الارقام الضخمة الى طبيعة الحكم السياسي , فالاتحاد السوفيتي دولة شمولية تعتمد على الحزب الواحد بلا تنوع سياسي , والانتماء للحزب فيه مصالح , من ثم كان الحزب بكل افراده – وهم بالملايين بمثابة جيش من المخبرين السريين لل KGB , عدا عن افادة الجهاز الاستخباري من المعلومات التي يتحصل عليها من وراء ستار من الاحزاب الشيوعية في العالم .

المميزات

تعتمد الاستخبارات الروسية على مقولة ” امسك بعصى غليضة وتكلم بشكل مؤدب” , وتعتبر الاستخبارات الروسية جهاز مراقب كبير فهي تراقب عشرات بل مئات الشخصيات والاف الناس منذ الحقبة السوفيتية ولازالت فالمراقبة عنصر مهم عندهم شي شبيه بتقارير حزب البعث فهم يكتبون عن كل شيء , فكانت تقارير الاستخبارات الدورية اساس نشاط عنصر الاستخبارات , فكان العنصر والعميل يكتب عن اهله واقاربه ومحل سكنه ومجتمعه .
وتمتاز المدرسة الروسية ب ( العنف . الانتقام . الطاعة . الشك),
العنف :
تعتبر ال KGB من اعنف اجهزة الاستخبارات وتقوم بعمليات عنيفة جداً من اغتيالات سياسية وتفجيرات واستخدام واسع للسموم والتعذيب والتدمير (كما حصل في اقليم الشيشان وغيرها ).
الانتقام :
تشتهر KGB بالانتقام من المعارضين والخونة والمنفكين عنها ولو بعد حين , كاسلوب المافيا في تصفيه الخونة .
الطاعة :
تمتاز ال KGB بأنها شديدة الطاعة للقائد الحاكم وقليلا ما تتآمر عليه.
الشك :
تمتاز ال KGB بانها تراقب الاصدقاء قبل الاعداء , وتميزت الحقبة السوفيتية بمراقبة الجميع في كل المجالات بشكل صارم ليل نهار , ولو احتسبنا عمليات المراقبة في حقبة الحرب الباردة , فإن ما احصته تقارير ال KGB لا يمكن مقارنته حتى بالتكنلوجيا الحديثة , فأي شخص ابتداءاً من الرجل الثاني في الاتحاد السوفيتي كان يخضع للمراقبة , وكانت بعض الارقام تشير الى سبعة الى تسعة مليون مخبر داخلي عملوا او تعاونوا مع جهاز ال KGB , وهو مالم يشهد له التأريخ مثيلاً.

نجاحات واخفاقات

كانت المدرسة السوفيتية رائدة الاختراق الاستخباري في العالم , فكانت تتوغل الى حد قيادة تنظيمات معادية للاتحاد السوفيتي ذاته , كما في “عملية الثقة” اطلقت نهاية عام ١٩٢١ , وكانت شيئاً جديداً في عالم الاستخبارات , حيث التقى عميل الاستخبارات الروسية الكسندر ياكوشيف في استونيا بشخص يدير من برلين منظمة تويد اعادة النظام القيصري والاطاحة بالشيوعية واقنعه بانه يمتلك تنظيم سري في الجيش داخل روسيا مستعد للتعاون والتحق بهم تنظيم اخر من باريس وسرعان ما اصبح هذا التنظيم يضم العشرات من الهاربين والمهاجرين ويأخذ اغلب مساعدات الدول الغربية للاطاحه بالنظام الشيوعي الحاكم وسمي “تنظيم الثقة ” !!
وتمكن التنظيم من خداع اغلب اجهزة استخبارات اوروبا وساق الكثير من عناصر المعارضة الى داخل روسيا بحجه اللقاء بالتنظيم السري وتم اغتيال اخرين في محل هجرتهم . وقد انتج التلفزيون البريطاني مسلسل من ١٢ حلقه عن هذا التنظيم وقيادته عام ١٩٨٣ , واختتمت عمليه الثقة عام ١٩٢٩ بنجاح تام وبقتل المئات من المعارضين.
ومع بداية الحرب الباردة اثر الحرب العالمية الثانية , نشر الجهاز الاستخباري السوفيتي شبكة هائلة من العملاء في الولايات المتحدة واستطاع عملاءه الحصول على سر القنبلة الذرية ، والذي جعل الاتحاد السوفيتي يتحول إلى القطب المعادل للولايات المتحدة كما نقل العملاء السوفيت أسرار كثيرة من الاختراعات الأخرى، مثل المحركات النفاثة، والرادار، ووسائل التشفير .
ونتيجة للنجاحات الهائلة التي حققها الجهاز في الولايات المتحدة، فقد انتشر هناك ذعر عام من وجود العملاء السوفيت، فيما سمي بالذعر الأحمر، وانطلقت حملات قادها السيناتور “جوزيف مكارثي” (فيما عرف بعد ذلك باسم المكارثية) تشكك في نوايا كل شخص يصدر منه أي تعاطف مع الشيوعية، وكانت تشبه حملات التفتيش في العقول التي تقوم بها الدول الشمولية، مما أثار مواطني الولايات المتحدة الذين لم يعتادوا على ذلك، وإن كانت هذه الحملات قد ضعضعت كثيرا من موقف عملاء الجهاز في الولايات المتحدة. وفي بريطانيا، استطاع الجهاز أن يقوم بزرع عملاء داخل جهاز الاستخبارات البريطاني نفسه، حتى إن رئيس قسم الاستخبارات المضادة ضد السوفيت كان عميلاً للجهاز. وظل العملاء السوفيت ينقلون أطنانا من الوثائق البريطانية إلى الجهاز فيما يتعلق بالأسرار العسكرية والسياسية والعلمية.
ومن قصص نجاح الاختراق الشهيرة قصة اليهودي النمساوي ارنولد دويتش الذي عمل للاستخبارات السوفيتية والذي استطاع ان يغزو اوروبا بكبار الجواسيس ومنهم ما يعرف به خمسة كامبريدج , وهم شخصيات من طلاب كامبريدج من ابناء كبار السياسسين البريطانيين ومنهم كيم فيليبي الشهير الذي كاد ان يصل الى منصب اعلى قيادي في الاستخبارات , واعترفت ال KGB بالعملية في معرضها التاريخي عام ١٩٩٠ .
وكان تأثير الاستخبارات السوفيتية كبيراً على دول المنظومة الاشتراكية , فقامت بتأسيس الاجهزة الاستخبارية في الكثير من تلك الدول مثل الاستخبارات البولندية UB , وجهاز K5 في المانيا الشرقية الذي غيِّر لاحقاً الى MfS , والاستخبارات اليوغسلافية UDBA المستنسخة تماما من ال KGB, بالاضافة الى انظمه كثيرة اخرى.
الا ان كل تلك النجاحات صاحبتها حالات فشل كثيرة وخطيرة , فقد فشلت الاستخبارات السوفيتية في التنبؤ بهجوم الالمان علي الاتحاد السوفيتي في الحرب الثانية رغم المؤشرات الكثيرة وكان أمراً كارثياً , كما تلقت خسارة قاسية عام ١٩٤٥ حين فر ضابط استخبارات صغير من سفارة الاتحاد السوفيتي في كندا ومعه اسماء عملائهم في امريكا وكندا , عدا عن ان الفشل الاكبر كان في ضربة انهيار الاتحاد السوفيتي الذي يعتبر معياراً هاماً لفشل ال KGB ايا كانت نجاحاتها.

مابعد البريسترويكا

استطاعت الاستخبارات الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي الخروج من الركام والوصول للمستوى الدولي بتشكيل جهاز الاستخبارات العسكرية الخارجية في روسيا الاتحادية المعروف اختصارًا باسم “GRU”، والذي صار يعد أحد أقوى الأجهزة الاستخباراتية في العالم فقد تمكن خلال فترة قصيرة من ان يكون مثار اهتمام العالم باعتباره وكالة الإستخبارات السرية الأكثر قوة من بين كل وكالات الاسخبارات الأخرى في العالم , وكان الجميع يجهل ذلك قبل أن تقوم كل من هولندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا وأستراليا بالكشف عن مسؤولية هذا الجهاز عن مئات الهجمات الإلكترونية التي حدثت خلال السنوات الأخيرة و خاصة تلك التي استهدفت أراضيها , ولايزال الهلع الامريكي قائماً بسبب الدور الغامض الذي لعبه هذا الجهاز في الانتخابات الامريكية وصعود ترامب .
وقد نجح الجهاز ببراعة في دعم السياسة الخارجية لروسيا الساعية الى ان تكون راعية لنظام دولي خاص بها خارج نظام ومعايير الغرب , ولاتزال الاستخبارات الروسية لاترحم وتنتقم كما في حادث قتل سكريبال عام ٢٠١٨ هو يبين اسلوب الاستخبارات الروسية القديم الجديد في الانتقام في انها لاتتهاون مع الخونة , الا ان الجهاز صار يعطي اولويات لملفاته بدلاً من ان يوزعها في كل قارات العالم مع الابقاء على السيطرة الخفية لدول الاتحاد السابق .
واصبح الجهاز متقدماً في التكنلوجياً عن الغرب بمراحل في مجال التجسس وتطور منظومات الامن السيبراني وامن الفضاء , واصبح الرادار الروسي ذو كفاءة عالية يواكب كفاءة صواريخ الدفاع الجوي الشهيرة اس ٣٠٠ واس ٤٠٠ , ومع كل ذلك لازالت القاعدة الذهبية للجهاز كما هي “تحمل عصاً غليضة وتتكلم بلغة مودبة “.
———–
خلاصة
———–
تعطينا دراسة المدارس الاستخبارية العالمية المحترفة صورة واضحة عن التلاعب بالعقول واختراق الدول والمجتمعات وتحريك القوى في العالم بحيث يكتشف تنظيم او حركة ثورية بعد حين انه مخترق وانه يظن انه كان يتحرك بإرادته فيما تكون الحقيقة ان الدوائر الاستخبارية قد تكون اخترقته حد النخاع , والله الموفق .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق