في الواجهةنافذة للمحرر

ماذا بعد رمضان…؟!

*مصطفى قطبي


كثيراً ما ندعو إلى تجنب جلد الذات، وعدم النظر إلى الأمور بشيء من التشاؤم، ونصر على الاستعانة بالتفاؤل لتجنب بعض بوادر الإحباط التي تطل برأسها هنا أو هناك، ومع ذلك فإن من عدم الحكمة تجاهل الواقع، وما قد يعتريه من ضعف أو تخاذل حيال بعض الأمور المهمة، وعالمنا العربي والإسلامي وهو يودع شهراً كريماً، ويستقبل عيداً سعيداً، حريّ بأن تشمله الفرحة، وتعم ربوعه البهجة، ويملؤه السرور من أدناه إلى أقصاه.
لكن هل تنسجم هذه المشاعر مع معطيات الواقع؟ وهل ينسينا العيد هذا الواقع؟ أم نستفيد منه في محاسبة النفس والاعتراف بالأخطاء والعمل على تجاوز الإحباطات والمعوقات؟ التي تفرض على الواقع العربي والإسلامي من الداخل والخارج.
وحتى تكتمل فرحة العيد لابد لنا من وقفة مع النفس ومع الواقع، بعد أن فقدت أعيادنا أو كادت بهجتها الحقيقية وسرورها الأنيق الذي كنا ننعم به فيما سبق من بواكير العمر وسنواته الأولى، وما نشهده هذه الأيام من فرح طفولي بالعيد، لا يعبر عن فرحة شاملة، بل هي فرحة محدودة نحاول ألا يفقدها الصغار كما فقدها الكبار، الذين يدركون عمق مأساة الواقع العربي والإسلامي، وهي مأساة لها أكثر من وجه، وإن كانت نتائجها واحدة، وابتداء بما يعانيه الفرد في ذاته، وما يفرض عليه من إحباطات في مجالات كثيرة، ومروراً بما تتعرض له الأوطان على أيدي المارقين من أبنائها، ووصولا إلى ما يحاك ضد الأمة من مؤامرات في الخفاء والعلن، كل ذلك لا يبقي لفرحة العيد مكاناً، ولا لبهجته فرصة لتأكيد الوجه المشرق للعيد كما يجب أن يكون.
لعل من أبرز الظواهر التي تستلفت الانتباه بعد شهر رمضان هو التغير والتحول في أخلاق كثير من المسلمين، فإذا بهؤلاء الذين التزموا خلال شهر رمضان بالأخلاق، والأعمال الصالحة، وأداء الصلاة، وتقديم الزكاة، والركوع والسجود قد تغيرت أحوالهم من النقيض إلى النقيض، وإذا بالكذب والنفاق وسوء الأخلاق تصبح هي السمات التي تميز سلوك كثير من المسلمين، وتشكل حياتهم وتطبع أعمالهم، ويتحول الالتزام والانتماء إلى الكسل والتبلد، وإذا بعلاقات المودة والمحبة والسلام التي ميزت سلوك المسلمين تتحول إلى كراهية وبغضاء ونفور بصورة تختلف عنه قبل رمضان.
ويتغافل المسلمون بعد رمضان عن مجاهدة النفس التي حث عليها رسول الله ”صلى الله عليه وسلم” وهو الذي قال: لا يكون الرجل تقياً حتى يحاسب نفسه، وحتى يعلم من أين مطعمه ومشربه. وقال ”يحيى بن معاذ” إن أعداء الإنسان ثلاثة، دنياه وشيطانه ونفسه، فلماذا لا يزهد الدنيا ويخالف الشيطان، ويترك الشهوات.
وقد حث الإسلام قبل وبعد رمضان على الأخلاق الكريمة، فهي أساس الحضارة، ووسيلة للمعاملة فيما بين الناس حيث تلعب الأخلاق دوراً كبيراً في الارتقاء بحياة الناس إلى ما هو أفضل. وانطلاقاً من هذه الحقيقة قال ”صلى الله عليه وسلم”: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وهو الذي حدد رسالته في كلمات يريد منها أن يتعامل الناس بعد رمضان بالخلق الحسن فيما بينهم، إذ أن الأخلاق ترفع من شأن صاحبها، وتشيع الألفة والمحبة بين الجميع، وعندما سئلت السيدة عائشة عن خلق الرسول ”صلى الله عليه وسلم” قالت: ”كان خلقه القرآن”.
ويؤكد ”صلى الله عليه وسلم” على ذلك بقوله: ”ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء”، وقوله ”ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ومن لم يعرف لعالمنا حقه” وقوله ”عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدى إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صادقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً”.
إنها أخلاقيات الإسلام، يريد الله بها أن يكون الإنسان كله خيراً لنفسه وأهله وغيره ومجتمعه حتى يعود النفع على الجميع، ويرتقى الفرد والمجتمع بهذه الفضيلة. وقد شدد الحق ـ تبارك وتعالى ـ على حسن الخلق ولين العريكة والسماحة في القول والرفق والحياء وأدب الحوار. فهل يستوعب المسلمون بعد هذا الشهر، دلالات هذا الحديث، ويدركون أن من لا أخلاق له لا دين له، ولو عرفوا أبعاد هذه المعاني، ووضعوها نصب أعينهم، وطبقوها على أرض الواقع لتغير حالهم، وصلح أمر حكامهم ومحكوميهم، ولكن لأنهم يتغافلون عن هذه الحقائق، فإن أقوالهم تخالف أعمالهم.
ومما يثير الحزن بعد رمضان أن الشارع والبيت والمدرسة تتيح مساحة للسباب والشتائم وهتك الأعراض، وتشهد الوقائع والأحداث على أن الرشوة والفساد يعود بعد رمضان، ويعود الناس إلى جمع المال والصراع على المناصب، وتقديس المظاهر الخارجية ويصبح الكذب والنفاق جزءاً من شخصية الإنسان المسلم، ويتحول الاهتمام لمن هم أكثر ثراء وأقوى نفوذاً، وليس الأرفع قدراً والأكثر علماً وتقوى وصلاحاً، وتسود السلوكيات المتدنية لكثير من المسلمين، وتتفشى الجرائم بينهم، في زمن العولمة حتى أصبحت هذه الجرائم جزءاً لا يتجزأ من حياتهم المعاصرة، حيث تنتشر جرائم القتل والاغتصاب بمعدلات متسارعة، وهو ما يخالف المنظومة القيمية لهذه الأمة، وتنتشر العلاقات المحرمة والشذوذ الجنسي والمخدرات والمسكرات والمفترات.
أما وسائل الإعلام فتتقدم لكي تقدم برامج هزيلة مما أدى إلى شيوع الكلمات المتدنية والمصطلحات المبتذلة، وتتنافس الفضائيات في عرض الصور الفاضحة والكلمات الهابطة لصرف الجماهير عن البرامج الجادة والفقرات البناءة، وتكمن خطورة الفضائيات بعد رمضان في قيامها بتحويل الدين إلى تجارة وحرفة تتكسب من ورائها، فتقوم بتفسير الفتوى حسب الظروف والأهواء مستغلة في ذلك سذاجة العوام من الناس وجهلهم بأمور الدين، فتغرق الجماهير بالأراجيف، وتتخذ من آلام الناس سبيلا لتحقيق مآربها حين تعقد الحوارات الهدامة وبرامج التوك شو ويظهر أصحاب الأقنعة الكاذبة، فيفتون في أدق الأمور، وهم ليسو أهلا للفتوى، ويتكلمون في مسائل حسمتها المجامع الفقهية، وينعكس ذلك على المشاهدين الذين لا يعرفون بأي الآراء يأخذون، وبأي الفتاوى يعملون في ظل تفشي الأمية الدينية، فيقع المسلمون في حيرة واضطراب دون أن يدركوا الحقيقة، فاختلط الحابل بالنابل والهازل بالجاد من خلال البرامج السطحية والمشاهد الهزيلة والعلاقات المحرمة سواء في الأعمال الدرامية أو البرامج الحوارية أو التحقيقات التليفزيونية أو القصص الإخبارية التي تقدم إساءات بالغة للإسلام والمسلمين.
وهذا يعني أننا في حاجة إلى سياسة جديدة بعد رمضان لمواجهة التحديات التي تفرض نفسها على المجتمع لتحصين الجماهير، وحفزهم على الالتزام بالمبادئ والقيم الإسلامية والتعامل مع الأنماط السلوكية والظواهر السلبية بعقل مستنير وفكر خلاق بدلاً من الاهتمام بالقشور والمظاهر. ومما يؤسف له أنه حين نهانا الرسول ”صلى الله عليه وسلم” عن الكذب فإذا به يسري بين الناس سريان النار في الهشيم، وحين أمرنا الله بإتقان العمل فإذا بنا كسالى، ونهانا عن الغش في الميزان، وبخس الناس أشياءهم، ومع ذلك صار الغش والبخس دستوراً في المعاملة بيننا، وأمرنا بغض البصر فإذا بمعظمنا يمدون أعينهم إلى ما نهوا عنه، ولم يتورع فريق منهم عن التحرش بالإناث، وأمرنا بخفض الصوت، فإذا بنا أكثر شعوب العالم صخباً، وضوضاء، وضجيجاً، وأمرنا بالحفاظ على حقوق الجار، فأضعنا هذا الحق، وأمرنا بالنظافة فإذا بشوارعنا تتحول إلى مزابل بعد أن كانت أجمل بلاد الدنيا، وغرقت قنواتنا الفضائية بالبرامج والحوارات الهابطة.
فالإنسان الذي تتحكم فيه السلبية والأنانية وحب السيطرة والتملك، ويصر على محاسبة الآخرين قبل أن يحاسب نفسه، والإنسان الذي تفرض عليه قيود القهر ومصادرة الحرية وانعدام فرص النجاح، فلا يرى سوى الأبواب المغلقة إن أراد أن يحقق ذاته ويسهم في بناء وطنه وخدمة أمته، والإنسان الذي يتعاون مع الشيطان لتدمير منجزات وطنه بالتآمر أو الإرهاب أو الضغينة المذهبية المدمرة للانتماء الوطني والتي تعني ارتهان الذات لجهات خارجية، ليصبح عدواً لبلاده أكثر من أعدائها الخارجيين…
هذا الإنسان وذاك… لن يكون أداة بناء في كل هذه الحالات، إضافة إلى ذلك ما يدور من خلافات طاحنة بين أبناء الوطن الواحد، ليصبح رفاق السلاح بالأمس هم أعداء اليوم بينما العدو الحقيقي يوغل في تنفيذ مخططاته بعد أن مهدت تلك الخلافات الطريق أمامه لابتلاع المزيد من الأراضي المحتلة، وبعد ذلك وقبله تأتي المؤامرات والدسائس التي تحاك ضد الأمة لتحد من طموحاتها وتعرقل مسيرتها نحو أي تقدم منشود.
كل هذه المظاهر السلبية تسهم إسهاما فاعلا في تأخر الأمة عن اللحاق بركب التقدم الذي تحققه دول العالم في مجالات عديدة، وتشغل العربي والمسلم لا عن فرحه العيد فقط، بل وعن نفسه أيضاً، وعن وجوده المرتهن بسلبيات لا تعد ولا تحصى، وفي ظل هذه الظروف الحالكة السواد، كيف له أن يفرح والحزن له بالمرصاد؟ ما لم يتذكر أن ما من ليل إلا وله آخر، وما من ظلام إلا ويليه نور، فما زال المخلصون من أبناء هذه الأمة يعملون ويعملون لانتشالها من كبوتها، ومنحها ما تستحقه من دور إيجابي يسهم في بناء التقدم العالمي، ويعيد لهذه الأمة شيئاً من أمجادها الغابرة، وفراديسها المفقودة، بعيداً عن التخاذل والإحباط، وبعيداً عن التشاؤم والاستسلام لواقع يزخر بكل أسباب الفشل رغم أنه يملك كل مقومات النجاح، وإذا كانت ثمة خطوات في هذه الطريق، فإنها لا بد أن تبدأ بإصلاح الذات، وإصلاح الذات يعني إصلاح المجتمعات وإصلاح المجتمعات يعني إصلاح الأوطان، الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى تقدم الأمة وتطورها وازدهارها.
وكل عام وعيدكم سعيد.
باحث وكاتب صحافي من المغرب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق