المغرب الكبير

ليبيا بين الإرادة الدولية والإرادة المسلوبة

إبراهيم قدورة
ـــــــــــــــــــ
النظرة الفاحصة إلى خارطة الأحداث الدولية، لا يفوتها الصراع الظاهر بين القوى الداعمة للأطراف المتناحرة، وما يجمع هذه القوى من مصالح تدفعها للتحالف إذا تناغمت وإلى الاختلاف إذا تضاربت، وإلى التفاهم إذا رأت في الاختلاف خسارة. هذه الصراعات في المناطق الساخنة وبدرجات متفاوته ممكن تحديدها في الخارطة الدولية حيث بدأت بأفغانستان ولازالت تتزايد وامتدت إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في كل المناطق المعنية تجد أطرافا مستفيدة من استمرار تواجد هذه المناطق ساخنة، والأغرب أن هناك أطرافا متواجدة في كل الصراعات بشكل مباشر وغير مباشر، ومن هذه الأطراف على سبيل المثال الولايات المتحدة الأمريكية فهي متواجدة في معظم الأحيان بشكل مباشر بما تملك من قدرات تكنولوجية متفوقة، ومبررات هذا التواجد هو الأمن القومي الأمريكي كما يقول المسؤولون الأمريكيون مؤكدين وباستمرار أن أمن إسرائيل في قمة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية وهو جزء من أمن أمريكا القومي.

إذاً، هناك قوى دولية تتحرك جميعها لإعادة ترتيب الأوراق في كل المناطق بما يتماشى مع الأسس الأمنية التى تضمن أمن واستقرار منطقة بعينها، هذه القوى الدولية تعمل على برمجة نزاعات تنتهي بتضعيف أو إنهاء بعض الكيانات التي قد تشكل خطرا، وليس بالضرورة أن يكون خطرا عسكريا، فمثلاً منطقة الخليج شرعت في نزاع هدّام وإضعاف اقتصادي مبرمج سيقعدها عاجزة على التنافس مع قوى الاقتصاد العالمي، ليس هذا فقط فتركيا وإيران والسعودية كلها مستهدفة لبرنامج تطويع ينتهي بسلب إرادتها الاقتصادية والسياسية أيضا. واضح أن الهدف هو ضمان وجود دولة وكيان قوي محاط بدول أو كيانات هشة مسلوبة الإرادة تسعى للاستعانة بإرادة الأقوى في المنطقة.

في عبارات أوضح، هناك صراع إرادة يتحول فيها مسلوب الإرادة إلى أداة مُسخّرة لخدمة جهة بعينها، أي ما يجري الآن هو تطبيق منهجي لصورة أخرى للاستعمار غير المُكلف، ليبيا ليست استثناء فقد تعرضت إلى سلب إرادة حينما قوضت دولة الاستقلال على أيدي طيش عسكري أنتج دكتاتورية ظالمة أتت على الأخضر واليابس وأضحت إرادتها السياسية رهينة إرهابى يحكم بنزعاته وأهوائه وجنونه، سلب إرادة الشعب لعقود من الزمن إلى أن أتى اليوم الذي استرد فيه الشعب إرادته في فبراير العام 2011م، ولكن نظرا لوجود فراغ سياسي مكن لقوى آيديولوجية وأخرى ذات أطماع اقتصادية أن تتغلغل وتسرق الثورة، وعملت قوى أخرى ليست صاحبة مصلحة في التغيير على تقويضها ودفعها لمسار آخر.

بعد أكثر من سبع سنوات انتظرت فيه القوى الدولية ما ستؤول إليه ليبيا وبتدخلات حذرة تجنبت فيها المواجهة المباشرة مع عناصر الأزمة الليبية، وبعد أن تأكد لدى هذه القوة أن الإرادة قد سُلبت من الليبيين بالكامل، وأن الوقت قد حان لصنع إرادة أخرى تكيفها القوة الدولية لخدمة مصالحها، بعد كل هذه السنين حان وقت التدخل المباشر، وبدأت تكشف عن معالم الصورة عبر تقارير أممية وتحذيرات جدية لضربات محددة معروفه تلجم المجموعات المسلحة التي قارب طيفها أن يغيب.

في هذا الوقت الذي غُيبت فيه إرادة الشعب، هل يستطيع هذا المخاض الذي تشهده ليبيا أن ينتج قادة سياسيين منتخبين يعملون على صنع إرادة لهم من خلال التعاطي مع الإرادة الدولية؟ أم أن الأيام والمليشيات ومن يدعمها سينجح في استطالة عمر النهب المبرمج لخيرات ليبيا؟