المغرب الكبير

ليبيا ..انسحاب حفتر من اجتماع باليرمو،، والدور المرسوم للمؤسسة العسكرية..

.

محمد الامين
ــــــــــــــــــــ

قرار خليفة حفتر بعدم المشاركة في مؤتمر باليرمو كان يمكن أن يمرّ مرورا عاديا ودونما ضجة تُذكَر.. وكان يمكن أيضا أن يُحمَد ويُعتَبر ترفُّعًا عن المماحكات والمناورات لولا أن الرجل يعتبر نفسه سياسيّا ويحسبُ نفسه طرفا من زمرة أطراف اللعبة السياسية..

كان يمكن له أن يحتفظ بدور الرمز أو القوة الوازنة أو المُحّكّمة لولا أن تعبيره الصريح عن أغراضه وأهدافه وطموحاته قد زجّ به ضمن أتون التنافس على السلطة.. هذا لا يعني في شيء أنه ليس من حق حفتر أو أي ليبي ممارسة العمل السياسي أو التطلّع إلى مواقع قيادية تنفيذية.. فهذا من حق أي مواطن ليبي خالٍ من الموانع الشرعية والقانونية والصحية.. المشكلة أن عدم المشاركة في محفل دولي يُراد له أن يسهم في صناعة الحل لمشكلة البلد يعتبر عمليا شكلا من أشكال عرقلة الحلّ..

خليفة حفتر يعلم أهمية المؤسسة العسكرية في معادلة الحل، لكنة في واقع الحال يخلط خلطا شديدا بين أهدافه الشخصية ومهام الجيش الذي يقوده بحكم الأمر الواقع.. نعلم حق العلم أن مشكلة ليبيا لن يحلّها حفتر ولا أمثاله.. ونعلم بنفس القدر أن الحل ليس في باليرمو ولا في باريس.. لكن تفويت أي طرف سياسي لأية فرصة أو إفشالها أو عرقلتها لا يمكن إلا أن يسحب من رصيده، ويجعله في خانة المتقاعسين والمعرقلين..

المسألة الأهم هنا هي أن المؤسسة العسكرية سوف تجد نفسها في مهبّ تجاذبات خطيرة، وهي المهزوزة أصلاً لأسباب كثيرة. ومن العبث بمكان أن يعتقد حفتر أنه المعبّر الوحيد عن مؤسسة الجيش الليبي أو الموجّه الوحيد لمواقفه.. فالجيش الليبي الذي يقود حفتر جزءا منه هو جسم مسيّسٌ بامتياز ومن المبكر جداّ الحديث عن ولائه المطلق لقيادة أو اصطفافه وراء شخص أو مجموعة أشخاص.. ففي صفوف الجيش الحالي أناسٌ فقدوا أهاليهم وبيوتهم وأحبّتهم، وخسروا مواقعهم ومكاسبهم،، وهذا حوّلهم إلى أصحاب قضية معنيّين بالشأن السياسي ومُلمّين بمختلف ملابسات المشهد وتفاعلاته..هؤلاء يحلمون بحياة مستقرة وسلام ببلدهم، فلماذا يحكم عليهم حفتر بنزاع ابدي يموتون فيه ويهلكون عن آخرهم من أجل أحلامه بالسلطة…!!

لا بدّ أن يدرك خليفة حفتر وكافة شخوص المشهد أن حضور المؤتمرات والمحافل والاجتماعات والتعاطي مع المبادرات والبحث عن المخارج لأزمة البلد ليس منّة منهم ولا فضلا ولا شأناً شخصيا.. فهُم ملزمون بذلك –أولاً- لادعائهم تبنّي قضايا الليبيين.. وهم ملزمون –ثانيًا- لأنهم جزء من مشاكل البلد، وهم من صنعوا الأزمة وأسهموا في تأجيجها وكبّدوا الشعب خسائر لن تمّحي ولن تزول مفاعليها بسرعة..

خليفة حفتر له انجازات تُحمدُ له وتُذكَر، لكنه ليس من حقّه ولا بمقدوره أن يزج بالعسكريين الليبيين في مغامرات عبثية.. وليس من حقّه أن يتلاعب بمواقفه كما يشاء ويتقلّب كما يريد، لأن ما سينجرّ عن ذلك يهمّ المؤسسة العسكرية بأسرها، ويهمّ سمعتها واحترامها، ويهمّ مستقبلها ومستقبل الوطن..

المؤسسة العسكرية الليبية كانت دوما زاهدة في العمل السياسي، ولازمت موقع الدفاع عن الثغور والأراضي الوطنية دون أطماع ولا أحلام، ولا يمكن بحال ارتهانها لأحلام فردية، ولا لنوازع وتطلعات سلطوية.. وللحديث بقية.