أحوال عربية

-ليبرمان-, بين الإقالة المؤجلة وتداعيات لعنة الطائرة الروسية, وأثرها في التوازن الإقليمي

دهيثم الحلي الحسيني
ــــــــــــــــــــــــــ
“نشرت وسائل الإعلام الإسرائلية, إعلان وزير الحرب الإسرائيلي, زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” اليميني الصهيوني المتطرف, “أفيغدور ليبرمان”، إستقالته من حكومة الإئتلاف اليميني الإسرائيلي, برئاسة زعيم الليكود اليميني, “بنيامين نتنياهو”، مدعيا أنها جاءت إحتاجاجا على قرار وقف إطلاق النار في قطاع غزة, بين الفصائل الفلسطينة و”إسرائيل”.
وفي محاولة منه, إضفاء الموضوعية والمصداقية على قراره, وتسويقه بأنها إستقالة مسببة, وليست إقالة أو طرد قسري, فقد وصف “ليبرمان” الإتفاق, الذي تم التوصل إليه بوساطة مصرية، مع حركة المقاومة “حماس”, بأنه “استسلام للإرهاب لا يمكن الصمت عليه”، في إشارة الى إطلاق حركة حماس, خمسمائة قذيفة صاروخية بإتجاه العمق الإسرائلي.
فضلا عن إشتباك المقاتلين الفلسطينيين, مع القوة المسلحة الإسرائلية, التي إخترقت أراضي قطاع غزة, بمهمة إستخباراتية إستطلاعية, والذي أسفر عن مقتل قائد العملية أو معاونه, وإصابة ضابط آخر بجروح خطيرة, تبعها مهاجمة المقاتلين الفلسطينيين لحافلة عسكرية إسرائلية, تنقل جنودا لمهمة خاصة.
ومع إن العمليات العدوانية الإسرائلية, في الإستخدام المفرط للقوة, وهو عمل ينافي قواعد الإشتباك, والقانون الدولي الإنساني, إزاء سكان الأراضي المحتلة عسكريا, قد اسفرت عن سقوط وإرتقاء الكثير من الشهداء, فضلا عن ضحايا وشهداء مسيرات العودة السلمية, وهو الثمن الطبيعي المستحق والمشروع, في الدفاع عن الأرض والمقدسات, لكنه أيضا, يؤشر حالة التداعي في المنظومة القتالية “الأمنية” الإسرائيلية, وبالتالي تطور مستوى الردع, بالقوة والرعب وكفاءة السلاح, الذي وصلته الفصائل المقاومة, على الجبهتين الشمالية والجنوبية, كونها الساتر المتقدم والأخير, في مواجهة العدو.
ثم غلف اليميني الصهيويني “ليبرمان”, حرجه وفشله, في إدارة موقعه ومهامه, بإسلوبه العدواني المتغطرس, وفق سياساته وتوجهاته “الإيديولوجيه”, القائمة على إرهاب الدولة, والقمع والإبادة العنصرية, لصاحب الأرض والحق التأريخي, الشعب الفلسطيني, داعياً إلى إجراء انتخابات نيابية مبكرة, للكنيست الإسرائيلي.
الحقيقة التي يحاول الإعلام الصهيويني, تغليفها وإنكارها, إن قرار إستقالة “ليبرمان”, كان معلقا منذ واقعة إسقاط الطائرة الروسية أيل20, في تخوم الأجواء السورية, قبالة الساحل السوري, يوم 18 أيلول 2018, إثر شن المقاتلات الإسرائلية, عدوانها السافر, مستهدفة العمق السوري, بحجة إستهدافها لأهداف إيرانية, داخل الأراضي السورية, وهو عمل لا تقره أو تبرر إدعاءه, سائر الأعراف والمواثيق الدولية, فضلا عن مضامين القانون الدولي الإنساني, في وقت الحرب, وفي وقت السلم.
ولغرض الإضاءة على العملية وإستذكارها, لتعلقها بموضوع الورقة, فقد كانت عملية مبيتة, ومخطط لها بشكل متقصد, غايتها تحميل الدفاعات الجوية السورية, المسؤولية عن الهجوم الذي أدى الى إسقاط الطائرة الروسية, التي كان على متنها, نخبة من القادة والخبراء العسكريين, وكبار الضباط الروس, من مقر قيادة القوات المسلحة الروسية, ومن العاملين ضمن قوة الجيش الروسي الميداني, في الأراضي السورية, وهو تواجد شرعي, وفق توافقات مع قيادة الدولة السورية, وموثقة دوليا, ولا تخفى نتائجه, في مجمل مسار الأزمة السورية, وفي تحرير الجغرافية السورية, من نير الإرهاب والتعصب.
غير إن إنكشاف تفاصيل العملية, خاصة من خلال تصريحات الضباط الروس, العاملين ضمن منظومة الدفاع الجوي القطري السورية, قد وضع القيادة الإسرائلية, بحرج وورطة, على مستوى مستقبل التنسيق المشترك الروسي الإسرائلي, وديمومته وإستمراره, ميدانيا في ساحة العمليات السورية, وبالتالي نتائج العملية ومخرجاتها, في مستوى العلاقة البينية بين الدولتين.
والحال أنه لم يعد خافيا, خاصة لكل عارف بأساسيات عمليات الدفاع الجوي, واساليب الرصد والإستمكان الراداري, والإسناد الألكتروني فيها, وفق الإستخدام البديهي, لمقتضيات الحرب الإلكترونية, في هذه العمليات, أن المقاتلات الإسرائلية, قد تعمدت الإحتماء بالطائرة الروسية, وكتلتها الرادارية, لتظهرها وكأنها هدف معادي, على شاشات الرادار, لمنظومة الدفاع الجوي السوري, من خلال تفعيل معدات التمييز IFF, التي رصدت المقاتلات الإسرائلية, وتعيينها كأهداف معادية.
وبعد أن تيقنت طائرات السرب الإسرائلي, أن المضادات الدفاعية السورية, قد إستمكنت الهدف, وصنفته معاديا, وبعد أن أطلقت الصوارخ فعلا بإتجاهه, غادرت المقاتلات الإسرائلية, منطقة الهدف بسرعة, معتمدة على زاوية وسرعة مناورتها العالية, تاركة الطائرة الروسية الضحية, وهي هدف ثقيل وقليل المناورة نسبيا, لا يمكنه مغادرة منطقة الخطر, بعد التعرض عليه, خاصة إن المقاتلات الإسرائيلية, قد لازمته الى الوقت الحرج.
فجاءت إصابة الطائرة الروسية مباشرة, كون الصواريخ السورية المهاجمة, من الجيل القديم, وغير قادرة على المناورة السريعة, في منطقة الهدف المستمكن, لتغير زاويتها بإتجاه الهدف المعادي الحقيقي, الذي أفلت بالمناورة السريعة وفي الوقت الحرج, خاصة بعد إشتغال التوجيه الذاتي للرأس الحربي للصاروخ المنطلق, الذي يستمكن الهدف وينقض عليه طوعيا, وعليه فقد جرى إسقاط الطائرة الروسية, نتيجة الغدر والجبن والصلف الإسرائيلي, في تعمد إسقاط الطائرة الروسية الضحية, والإفلات بعيدا عن التهديد.
وهي حقائق عملية, وليست تحليل مستنتج, قد أعلن عنها, ولو بشكل مقتضب, الضباط الروس الميدانيون, خاصة العاملون ضمن بطريات مقاومة الطائرات, في كتائب الدفاع الجوي للمنظومة السورية, دون الإشارة الى تفاصيل الواقعة, والنوايا المبيتة فيها, وهي أمور لا يخوض فيها عادة, هذا المستوى من الضباط.
وعلى المستويات القيادية في الإتحاد الروسي, فقد حمّل وزير الدفاع الروسي, المرشال “سيرغي شويغو”, نظيره الإسرائيلي “أفيغدور ليبرمان”، وحكومة تل أبيب, المسؤولية الكاملة عن إسقاط الطائرة الروسية, مصرحا أنه رغم ترتيبات التنسيق القائمة مع إسرائيل, فقد جرى إبلاغ قيادة القوات الروسية, قبل دقيقة واحدة فقط من الهجوم الإسرائيلي، ما يحمّل إسرائيل كامل المسؤولية عن إسقاط الطائرة الروسية ومقتل طاقمها, وإن “ممارسات الجيش الإسرائيلي, لا تعكس روح الشراكة الروسية الإسرائيلية ونحتفظ بحقنا في الرد بخطوات مناسبة”.
وبنفس المفردات, أكد المتحدث باسم الدفاع الروسية إن “روسيا ستحتفظ لنفسها بحق الرد المناسب على ممارسات إسرائيل الاستفزازية، التي تسترت مقاتلاتها بطائرة الاستطلاع الروسية، وتسببت في إسقاطها”.
وعلى المستوى السياسي الدبلوماسي, فقد إستدعت الخارجية الروسية يومها, القائمة بأعمال السفير الإسرائيلي في موسكو “كيرن كوهين غات”، معبرة لها عن الغضب الشديد للحكومة الروسية, بخصوص إسقاط الطائرة, وقد بان على السفيرة الحرج الكبير, ولم تستطيع الرد أو التعليق على الموضوع.
وعلى الصعيد الميداني, فقد نشرت صحيفة “الكومسومولسكايا برافدا”, تصريحات لأحد آمري وحدات الدفاع الجوي الروسية, العاملة في الأراضي السورية, قائلا إن طائرات F16 الإسرائيلية المغيرة, قد تسترت خلف طائرة الاستطلاع الروسية IL20، فاندمجت علامات التعريف لكليهما, وبدت كأنه هدف معادي, ومن الطبيعي إن سطح الطائرة الروسية أكبر حجما من المقتلات الإسرائلية, فتوجه صاروخ المنظومة السورية 200 SS نحوها, مبينا إن مرتكبي هذه المأساة هم الإسرائيليون, الذين قاموا بالاستفزاز, ويجب أن يتحملوا المسؤولية عن ذلك.
فيما عبر أحد القادة الميدانيين في القوة الروسية “إن تساهلنا مع بني إسرائيل أطلق لهم العنان, لأننا نسمح لهم باختراق المجال الجوي السيادي لسوريا, كون دفاعاتنا الجوية لا تغطي سوى قواعدنا ومجموعتنا البحرية، لكن بعد هذه المأساة، سنعمد الى إغلاق سماء سوريا, بوجه الإختراقات الجوية الإسرائلية, وسنقوم بالتعامل معها كطائرات معادية، وسيجري تعزيز قدراتنا, لثلاثة أضعاف أنظمة الدفاع الجوي الموجودة حاليا, بهدف إغلاق كامل الفضاء الجوي فوق سوريا.
وعليه فقد جاءت نتائج هذه العملية المبيتة, وخيمة على حكومة اليمين الإسرائيلي, بمؤسستيها السياسية والعسكرية, وقد اثرت سلبا على مستوى التنسيق المشترك, بين القيادتين الروسية والإسرائيلية, ومن بعض نتائجها المباشرة, تجهيز الدفاعات الجوية السورية, بمنظومة أس أس 300, وتعهد القوات الروسية, أنها ستعالج أية أهداف معادية, تستهدف العمق والأجواء السورية مستقبلا, مما حرم على الإسرائليين الإستمرار بعملياتهم العدوانية, وتحت أية ذرائع وتبريرات.
هذه العملية وتداعياتها, يتحمل وزرها وزير الحرب الإسرائلي, أمام رئيسه المباشر, القائد العام للقواتت المسلحة, أو ما يطلق عليه جزافا بجيش الدفاع, ولذا حاول ليبرمان في حينه جاهدا, تحميل المسؤولية الى قيادة القوات الجوية, أو الى الضباط الطيارين المنفذين ميدانيا, غير أن ذلك لم يسعفه, وفق وقائع الحدث تأكيدا.
فقائد القوة الجوية, لا يمكنه أن يتخذ مثل هذا القرار الخطير في غرفة عملياته, وهو قرار ذو طابع سوقي “إستراتيجي”, دون معرفة مباشرة, أو توجيه قيادي مسبق, من مركز القيادة الرئيس HQ, الذي يشغل المسؤولية فيه, القائد العام, رئيس الوزراء نتنياهو, أو نائبه الوزير المتهور ليبرمان.
أما طيارو المقاتلات المنفذون, وعادة لمثل هذه العملية, يكونون من الضباط الأعوان, وليس أرفع رتبة, وبالتالي لا يملكوا صلاحية إتخاذ القرار غير الميداني, بل ترسم لهم تفاصيل العمليات المكلفين بتنفيذها, وتثبت تفاصيلها, في ما يعرف بأوامر الحركات.
وعليه فالمسؤولية يتحملها أما القائد العام شخصيا, وهو رئيس الوزراء نتنياهو, أو نائبه وزير الدفاع ليبرمان, الذي تؤكد سلوكياته وأخلاقياته العنصرية, وطبيعة منهجه المهني, وتوجهاته الصهيونية اليمينية المتطرفة, إنه مسؤول مباشر عن تداعيات العملية, ولا يستبعد أنه قد إتخذ القرار فيها بمعزل عن رئيسه, كون النتائج السياسية الوخيمة مستقبلا, سيتحملها رئيس الوزراء شخصيا.
وقد حاولت القيادة الإسرائلية, معالجة الأزمة مع روسيا, من خلال قصور نظر بائن, وغرور صلف, بأن بعثت بقائد القوة الجوية, ليصور العملية, وكأنها نتيجة ضعف أداء المشغلين السوريين ومستوى تدريبهم, وبعد أن واجهت هذه التبريرات, الرفض من الجانب الروسي, الذي ربما يكون خبراءه وضباطه, من الشهود أو المساهمين في الواقعة, التي من المؤكد لأي متخصص, الجزم انه لو كان البديل في أي جيش آخر, وافضل تدريبا ومهارة, فالنتيجة ستكون ذاتها, لأنها خارج مسؤولية القطعات السورية بشكل مؤكد.
وعندها حاول الإسرائيليون تصوير العملية, وكانها من أخطاء الضباط الطيارين المنفذين, وقلة درايتهم بنتائجها, وتدني خبرتهم وحداثتهم, مما يستدعي الأسف, وتقديم المنفذين للمحاسبة العسكرية, فلم يلق هذا التبرير رضا كذلك, للأسباب التي عرضت تفاصيلها, لذا صار واضحا, وضمن تصريحات معلنة, من قبل الناطقين الرسميين, بلسان الدولة الروسية وخارجيتها, أن روسيا تحمل إسرائل المسؤولية كاملة, وهي في معرض إتخاد خطواتها, للرد المناسب, ومعالجة القضية جذريا, والحيلولة دون تكرارها, أو دون منح الأسباب والظروف لتمكينها, مما ترتب عليها نتائج مستقلية ملموسة, على مديات الأزمنة الراهنة والقريبة والبعيدة.
وفي معرض ملامسة النتائج, في المنظور الراهن والقريب المتحقق, وفي المنظور البعيد المتوقع مستقبلا, سواء في العلاقة البينية, بين الإتحاد الروسي ودولة إسرائل, في مستوى التنسيق والعلاقات السياسية والإقتصادية والعسكرية, أو في مسار الوقائع في الأزمة السورية, وتاثيرها ميدانا في الساحة السورية السياسية, ومستقبل الصراع الداخلي فيها, بين الدولة والمتمردين المسلحين.
وكذا في سير العمليات القتالية العدوانية التعرضية, التي تشنها اداة الحرب الإسرائيلية في سوريا, من خلال دعم الحركات المتطرفة, وتقديم الإسناد الإداري “اللوجستي”, والتسليحي والتدريبي والطبي, وفي الخطط الإسرائلية للسيطرة على الأجواء السورية, وضمانها السيادة الجوية الكاملة عليها, أو الجزئية التي تحقق أهدافها المستقبلية, ونواياها على الأرض.
وبالتالي مقاربة نتائج العملية وتداعياتها, في ديمومة التفوق الإسرائيلي, وفي ميزان القوى في المنطقة, وخاصة على الجبهة الشمالية, ومنع الدولة السورية وقواتها المسلحة, وموارد حلفائها في المقاومة الشعبية, من تعزيز قدراتها الدفاعية, تسليحا وتجهيزا, وفق الحجة الجاهزة, المسوقة أمريكيا والمقبولة أوروبيا, وهي شماعة الوجود الإيراني ضمن الجغرافية السورية, وحتى المسكوت عنها لوقت قريب, من قبل الحليف الروسي, لأسباب موضوعية, تتعلق بالمصالح الدولية وتوافقاتها.
لقد دأبت القيادة الإسرائلية, على تصوير علاقتها بلإتحاد الروسي, على أنها علاقة مصالح إستراتيجية مشتركة, وأن روسيا تشاطرها الرؤية في إدارتها لملف الصراع العربي الإسرايئلي, الذي تحاول إختزاله الى مستوى صراع داخلي, إسرائلي فلسطيني, بين دولة ومتمردين خارجين عليها, تصفهم بالإرهابيين, على مرأى ومسمع من العالم, في الوقت الذي منحتهم القوانين والأعراف الدولية, حق المقاومة شرعا, أسوة بسائر شعوب الأرض تأريخيا.
غير أن ما ترتب من نتائج, بعد التداعيات السياسية والعسكرية, في العلاقات الروسية الإسرائيلية, باتت المعالم ملموسة على الأرض, بعد أن جرى تعزيز القدرات الدفاعية الجوية السورية, والتعهد بإستمرار ذلك بشكل أكثر تطورا, بالتلميح من خلال تسليح القوات السورية بمنظومة أس أس400 مستقبلا, ونشر القوات الروسية لهذه المنطومات, على الأراضي الروسية بالكامل, والتي ستكون في عهدة القوات السورية مستقبلا.
فواقع الحال أن القوات الإسرائيلية, ولقرابة الشهرين, لم تعد تتجرا بالقيام بأية مغامرة, في إختراق الأجواء السورية, أو تهديد الأراضي السورية من الجو, أو بالصوايخ أرض أرض, كما كان دأبها بشكل منظم, ومتكرر إسبوعيا, مستهدفة قدراتها الدفاعية الذاتية, والبنى التحتية, والمنشآت البحثية العلمية, وموارد الإقتصاد السوري عموما, مما خلق شكلا من التوازن العسكري في ميزان القوى, سيكون أثره ملموسا, في مجمل مسار الصراع العربي الإسرائلي, فضلا عن مستقبل القضية المحورية الفلسطينية.
وعليه فإن روسيا, قد تكشفت لها حقيقة مزاعم إسرائيل, بأنها داعية للسلام وراغبة بعلاقة متميزة معها, وهكذا حاول رئيس الوزراء “نتنياهو” إظهار مستوى هذه العلاقة في أكثر من محفل دولي, من خلال تودده لروسيا وزياراته المتكررة لها, والترغيب بمشاريع مشتركة, تكون عائداتها لمصلحة الإقتصاد الروسي, وقد حرص في العرض العسكري في يوم النصر على النازية, على الحضور وفرض نفسه في المنصة الخاصة, بالقرب من الرئيس الروسي بوتين, لإستعراض مستوى العلاقة الحميمة بينهما, غير أن التشريفات الروسية حينها, قد أبعدته وأحرجته, كون المكان مخصص لوزير الدفاع, قائد العرض.
وفرض الواقع السياسي المعاصر, الوضع الجديد بين الدولتين, بأن روسيا لم تعد تعتبر إسرائيل شريكا مؤتمنا, أو صديقا مقربا, خاصة تصميم المؤسسة العسكرية الروسية على تسديدها الدين, الذي عادة لا يتركه الروسي لغريمه, مهما طال زمنه, معتبرة الواقعة, إهانة مقصودة للعسكرية الروسية وتأريخها المشرف, ولنفس الأسباب, فإن الزعامات الحزبية السياسية الروسية, مصممة على منع اي تقرب أو تحسن للعلاقة بين الطرفين, مهما كانت توسلات الطرف الإسرائيلي ووعوده.
والحال أن السياسة الروسية ودبلوماسية الإقتصاد والتعاون الإستراتيجي, باتت رافضة الغدر الإسرائيلي, ومفضلة العلاقات التأريخية المشرفة, مع الكثير من الدول العربية الصديقة, التي كانت تقليديا, حليفا مقربا من الإتحاد السوفيتي السابق, مثل سوريا ومصر والجزائر والعراق, كما أنها طورت علاقاتها مع الأقطار العربية الأخرى, كالدول الخليجية العربية, والمملكتين المغربية والأردنية.
وذلك يمنح المنظومة العربية, عامل قوة لبدائلها السياسية والإقتصادية, خاصة في ظل الدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل, وتاييدها لوجهات نظرها بالمطلق, كونها شريكا ومشجعا لها في كافة توجهاتها العدوانية, خاصة في تسويف القضية الفلسطينية, ووأد حلولها المتاحة العادلة, وقتل حقوق الشعب الفلسطيني, في أرضه ومقدساته, بحيث لم تعد الإدارة الأمريكية طرفا في الحل, بل أس الماساة برمتها.
وفي معرض المزاج الروسي العام, إزاء إسرائيل ونواياها العدوانية, ومستوى قدراتها التسليحية, وفي تعاطف معلن, مع حقوق الشعب الفلسطيني ومظلوميته, وحقه في الدفاع عن أرضه وكيانه ووجوده, فقد سخر القادة العسكريون الروس, من فعالية أداء “القبة الحديدية” الإسرائيلية, التي تتفاخر فيها آلة الحرب الإسرائلية, غير أنها لم تتمكن من تقاطع سوى 20 بالمائة, من مجموع القذائف الصاروخية, بدائية الصنع, التي هاجمت بها حركة المقاومة الفلسطينية حماس, العمق الإسرائيلي المتأخم لقطاع غزة, في آخر مواجهة مسلحة بين الطرفين, يوم 13 ت1.
ونشرت التصريحات بسخرية, وكالة “سبوتنك” الروسية، بالقول “في القصف الصاروخي على إسرائيل, الصواريخ الفلسطينية تخرم القبة الصهيونية, مما أثار شكوكا حول فعالية الدفاع الإسرائيلي المضاد للصواريخ”, في تلميح لمقارنتها بمنظومات الأس أس, التي جهزت بها سوريا بمنظومة 300, وتنشر القوات الروسية, منظومة 400 على أراضيها, والتي جرى التصريح بأنها ستكون ضمن القوات السورية مستقبلا.
وهكذا يبدو إن الوزير الصهيويني “ليبرمان”, يتحمل المسؤولية عن هذه العملية المبيتة, من خلال موقعه الحكومي أولا, وكذا من خلال توجهاته الإيديولوجية المعلنة, التي تنسجم منطقيا مع هذه الإدانة, فهو زعيم لحزب “إسرائل بيتنا” الصهيويني اليميني المتطرف, وهو عرّاب الدولة القومية اليهودية في إسرائيل, الذي ينكر حقوق الشعب الفلسطيني في وطنه, وحتى في وجوده كشعب, داعيا الى عمليات النقل العنصري “الترانسفير”, خارج وطنه, وإبادة منظمة لهذا الشعب, بإستخدام سائر وسائل القوة المفرطة, وإرهاب الدولة.
ويدعو “ليبرمان”, الى شن حروب تدميرية ضد الأقطار العربية, وخاصة التي تشكل جسم القدرات العربية الدفاعية, فقد دعا الى تدمير السد العالي, لإغراق جنوب مصر, ومنعها من إمكانية مواجهة إسرائيل, في حرب تفتعل لهذا الغرض, فضلا عن دعواته الى توسيع دائرة الصراع العربي الإسرائيلي, ليكون بحجم مواجهة عالمية أكبر, بين الغرب والعالم الإسلامي عموما, والتي يخطط لها, بدعم من دوائر الصهيوينية العالمية, وشريكها اليمين الغربي المتطرف, الذي بات يقترب من تسلم مواقع متقدمة, في الحكومات والمجالس النيابية الغربية, مما يتطلب برؤيته, تثبيت الهدف الوطني والأمني لدولة إسرائيل, القومية اليهودية, في الانضمام إلى الناتو والاتحاد الأوروبي, لسحب دولهم لهذه المواجهة العالمية المستقبلية.
وضمن رؤاه الضيقة والعدوانية, يعي ليبرمان, إن الإتحاد الروسي كلاعب دولي كبير, وكقطب عالمي واعد, وريث للدولة السوفيتية العظمى, سيكون له اليد الطولى, في النزاعات الإقليمية والدولية, وفي فرض مساراتها, ضمن رؤاه التي تتوافق مع حقوق الشعوب وتطلعاتهم, لتحقيق الأمن والسلم العالمي, ولأجل أن يجعل من الإتحاد الروسي, شريكا ومشاركا في الحرب الكونية التي يخطط لها, ضمن مواجهة غربية إزاء العالم الإسلامي, يدعو ليبرمان الى تحسين وتطوير العلاقات الروسية الإسرائيلية.
وهذا الهدف المحوري لمستقبل دولة إسرائيل, هو ما عمل عليه “ليبرمان” جاهدا, في موقعه الحكومي كوزير للخارجية, ثم لوزارة الحرب الإسرائلية, فهو يرى أن هذه العلاقات الإسرائلية, بمستوياتها الرفيعة مع روسيا, وفي كافة جوانب التنسيق الإستراتيجي وتشابكها, تدعم المصالح الحيوية لدولة إسرائيل، وقد دعى منتدى الدبلوماسية في إسرائيل, وبترحيب من اللوبي اليميني الصهيويني داخل روسيا, إلى تعيينه بمنصب المندوب المنسق, للحوار الإستراتيجي مع الكرملين, غير أن الأحداث قد جاءت, بغير ما تشتهيه سفنهم.
وفي مخرجات القضية, فقد باتت إستقالة الوزير الصهيويني المتطرف “ليبرمان”, أمر حتمي, إن لم يعفى ويطرد من مسؤوليته قسرا, إذ بخلافه سيتحمل القائد العام ورئيس الوزراء نتنياهو, للمسؤولية حصرا, بينما في حالة الإقالة, سينأى بنفسه إزاء خصومه, في المعركة الإنتخابية القادمة, وفي ملاحقات الكتل السياسية, أو وسائل الإعلام له, وربما ستكون مستقبلا, سببا لنهاية حياته السياسية.
غير أن توقيت الإستقالة كان مؤجلا, كي لا تبدو إعترافا ضمنيا أمام روسيا, بمقصرية الحكومة الإسرائلية ومسؤوليتها, من خلال أحد أعضائها, في حادثة إسقاط الطائرة الضحية, فتم إقتناص الظرف الراهن, بعد توقيع إتفاق الهدنة مع حماس, والتي إضطرت لها إسرائيل مرغمة, نتيجة المعادلة الجديدة, التي فرضتها فصائل المقاومة, في الجبهتين الشمالية والجنوبية, والتي بدت هي الأخرى, مدعومة من قبل القطب الروسي, وعليه فلابد أن يقيل رئيس الوزراء وزيره المتهور, قبل سقوط الحكومة, كي تكون طوق النجاة, لمستقبله السياسي.