رأي

لماذا يعادي الغرب كل قائد عربي قوي ؟ 3

صلاح المختار

نصل الان الى قضية العراق وتوضيح خطة تصفية القائد القوي والمعتمد على قواعد شعبية منظمة لاتسمح باجهاض الانتقال الثوري او احتواءه ، فلقد سجل كتاب المقاومة العراقية منذ غزو العراق وحتى الان ملاحظات اساسية مبنية على ما جرى فعلا من احداث وتفاعلات بلورت تلك الملاحظات :

1-لقد كان الهدف الاول لغزو العراق من حيث التسلسل الزمني والذي لايمكن تنفيذ بقية اهدافه الا بتحقيقه هو انهاء القائد الشهيد صدام،ولهذا رأينا كافة الاجهزة الامنية خصوصا الامريكية والايرانية تخصص اغلب جهدها لاسره ،والسبب هو ان بقاء القائد صدام حيا ويقود المقاومة العراقية وانصارها سوف يجعل المهمة الامريكية مستحيلة. وبالفعل فان اسر القائد الشهيد ادى مع توجيه ضربات مكملة للضربات السابقة المدمرة للحزب الى الحاق اضرار فادحة بالتنظيم.ولكن المفاجئة التي صدمت الاحتلال هي ان الرفيق نائب امين سر القطر عزة ابراهيم استلم المسؤولية الاولى وشرع في اعادة بناء الحزب وقام قبل ذلك بانشاء منظمات مقاومة من العسكريين وقوى الامن والجهاز الحزبي،ونفذت عمليات نوعية كانت صدمة لامريكا ومخابراتها.

لقد اعيد بناء الحزب وتوسعت تشكيلات المقاومة المسلحة وتصاعدت حرب التحرير الشعبية حتى وصلت العمليات عددا افزع الادارة الامريكية وهدم معنويات قوات الاحتلال ،فطبقا للمصادر الامريكية فان عدد عمليات المقاومة في الفترة بين 2004و2006 بلغ ما بين 200 الى 300 عملية في اليوم استهدفت قوات الاحتلال،وهذا الرقم مذهل ولا سابقة له في تاريخ حركات التحرر العربية والعالمية. وهنا برزت ضرورة اساسية للتخلص من الرفيق عزة ابراهيم لكن البعث كان اقوى فاحبط تلك المحاولات واجهضها واحدة بعد الاخرى فتبلورت حقيقة ميدانية وهي ان وجود البعث تحت قيادة الرفيق عزة ابراهيم هو العقبة الاساسية التي تمنع تقسيم العراق وانهاء هويته الوطنية،وهو ما جعل من الضروري تفتيت البعث .

2-ومن بين تلك الخطوات تنسيق المخابرات الامريكية مع مخابرات عربية ابرزها المخابرات السورية من اجل شق البعث واستغلت المخابرات السورية وجود مئات الكوادر والاف البعثيين العراقيين فيها بعد الغزو من اجل تحقيق هذا الهدف وبالفعل رتبت عملية تأمر مخابراتية في سوريا كان هدفها التخلص من قيادة الرفيق عزة ابراهيم كمقدمة لانهاء البعث بتحويله الى هيكل مجرد من المضمون البعثي العقائدي والستراتيجي ،لكن وعي الحزب وجماهيره ومناضلية احبط المخطط الامريكي- الاسدي .

3-وعندما تلاشت فصائل من المقاومة العراقية بقي البعث وحلفاءه ومقاومته في ساحة العراق بصفته القوة الجماهيرية الوحيدة التي تمثل كافة مكونات العراق تبلورت قناعة عامة تؤكد بان اي حل لازمة العراق مستحيل من دون دور اساسي للبعث وحلفاءه وان من يريد حقا حلا شاملا وجذريا عليه التفاوض معه مباشرة والا لن يكون هناك اي حل وطني وسليم لكوارث العراق، ورغم القناعة الاخرى بان كافة الكتل الصغيرة غير مؤهلة لتحقيق حل شامل الا ان امريكا اعتمدت عليها مباشرة في سلوك لايمكن تفسيره الا على انه اصرار على تقسيم العراق ،ولجأت الى ما يلي لتنفيذه:

أ-تأسيس ودعم احزاب وكتل صغيرة جدا ولا وجود جماهيري لها وتوفير المال والمقرات والصحف والفضائيات لها وتشجيع الانتهازيين ومن يطلب المال على الانخراط فيها ، والهدف كان تفتيت القوى الشعبية وتوزيعها على عشرات التنظيمات التي يمكن بسهولة احتواءها وهذا لايتم الا بسرقة الجماهير من القوة المركزية وهي البعث لمنع بقاءه قوة جبارة قادرة على تحقيق ما تقرره،وذلك شرط مسبق لاستبعاد الحل الجذري والشامل لكوارث العراق.

ب-الضغط المباشر على الانظمة العربية لمنعها من التحاور مع البعث او دعمه لتجريد البعث من القدرات الاعلامية والدعم المطلوب لتحرير العراق خصوصا الضغط على تيارات في بعض الدول الخليجية اقتنعت بان دعم البعث شرط ضروري لانهاء الخطر الايراني في العراق وعلى دول الخليج العربي.

ج-البحث وبالابرة في حلقات معينة عمن قد يرتد او يخون من عراقيين وعرب لاستخدامه ضد مركز الحزب ثم على قائد الحزب بطرق مموهة .

د-القيام بحركات مخابراتية تحت غطاء التفاوض مع البعث ومع الكتل الوطنية الاخرى هدفها كشف حقيقة قدرات تلك القوى وما تخطط له وكشف كوادرها الانشط …الخ .

4- لكن البعث تمكن من افشال تلك الخطوات واسقطها واحدة بعد الاخر ى، فماذا بقي للمخابرات الامريكية والايرانية والموساد ؟ كان طبيعيا اللجوء لوسائل اخرى مختلفة ومنها :

أ-كان يجب تحطيم بنية الحزب التنظيمية والنفسية عن طريق التركيز على افشال عمل بعض اكثر كوادره نشاطا وفاعلية في الميدان عن طريق شيطنتها لاجل انهاءها او اضعاف دورها طبقا لما خطط .

ب-وهدف الفقرة ( أ ) هو تجريد الحزب من حزام الامان الاول له بالتخلص من كوادر البعث الذين يقودون العمل الجماهيري العام اعلاميا ونقابيا وثقافيا وتنظيميا خصوصا بعد وصول هذا العمل مرحلة ممتازة ارهبت الاعداء كافة .

ج-وبما ان الحزب خلية نحل عضوية الترابط ويعتمد على جهود كل الرفاق فان التخلص من الكوادر الاكثر نشاطا سوف يخلق فراغا ويحدث ثغرة او ثغرات .

د- لابد من التركيز على اضعاف الكادر المتقدم او اشغاله بقضايا جانبية لانه تمهيد لضرب القلب وهو الرفيق الامين العام للحزب والقائد الاعلى للجهاد والتحرير وتنصيب قيادة هزيلة على شاكلة عبدالله الاحمر الامين العام المساعد في تنظيم حافظ اسد وبشار كي تبدأ عملية افراغ الحزب من مناضليه وهويته وعقيدته ، وهذه الخطة تتقنها المخابرات الامريكية والايرانية حيث رأينا ذلك بعد سوريا في اليمن عندما اجبر الحوثيون كوادر في حزب المؤتمر بعد اغتيال رئيسه علي عبدالله صالح رحمه الله من قبل الحوثيين على العمل تحت قيادتهم وبأسم حزب المؤتمر ،وهو ما تفعله الان في العراق عبر ما يسمى ( سنة ايران ) ،وكما حاولت المخابرات الايرانية دعم مجموعة عراقية للتحدث باسم البعث في العراق ،وكما يحصل في لبنان في قضية (سنة حزب الله) الذين وضعت طهران لهم دور انهاء سعد الحريري او اضعافه ..الخ، فالمهم بالنسبة لاجهزة المخابرات هو استخدام الاسم لخداع البسطاء او تجنيد الانتهازيين ولكن مع التشدد في تصفية عقيدة الحزب وهويته ومناضليه الحقيقيين .

ه- شهدت مرحلة ما بعد الاحتلال بروز مجاميع تهاجم البعث كله وتركز على الكوادر الاكثر نشاطا واستخدام منصات الاعلام العربي والعالمي لتحقيق ذلك ، ولكن انطلاقة البعث الجبارة وعزلها لتلك المجاميع المخابراتية ادت لظهور اشكال جديدة من العمل المعادي للبعث خصوصا منذ عام 2015 تمثلت في شكلين اساسيين : فقد ظهرت عناصر تهاجم البعث وقائده عزة ابراهيم والكادر الذي يتولى مسؤولية العمل الاعلامي والسياسي والجماهيري ولكنها تستخدم اسم القائد الشهيد صدام حسين وتدعي الدفاع عنه في عمل مخابراتي هدفه شق الحزب !وبعد انكشاف هذه اللعبة ظهرت لعبة مخابراتية جديدة وهي تركيز الهجمات الشرسة على بعض الكادر المتقدم البارز وبنفس الوقت ادعاء انها مع نهج الرفيق عزة ابراهيم!وهذه اللعبة كسابقتها مكشوفة لسبب واضح وهو انه ليس بعثيا من يهاجم كوادر البعث مهما تستر باسم الحزب.وتوضح وبلا لبس جوهر الخطة : لكي تكون الضربة الاخيرة غير منظورة لابد من تصفية حراس البعث تدريجيا وعندها يصبح الطريق ممهدا للخطوة النهائية وهي ضرب القائد عزة ابراهيم مثلما ضرب رفيقه واقرب الناس له الشهيد صدام .

وفي ضوء ما تقدم يمكن تأكيد حقيقة واضحة :ان سنام خطة اجتثاث البعث هي انهاء القائد عزة ابراهيم وتلك الخطوة لو حدثت لاسامح الله لمهدت لاستعمار العراق لعدة عقود .والتخلص من اي قائد ثوري يأخذ شكلين : فاما ان توجه له ضربة مباشرة بانقلاب عسكري او عمل عنفي مباشر او ان يجرد من نطاق حمايته ودعمه بضرب الكادر القريب منه فتسهل عملية التخلص منه .

5-هنا نصل الى مجموعة بديهيات لابد من الانتباه لها :

أ-ان الغرب الاستعماري والصهيونية واسرائيل الشرقية ليس من مصلحتها بروز قائد عربي قوي ومتنور ولديه مشروع نهضوي عصري سواء كان اشتراكيا او رأسماليا،مادام الهدف هو منع العرب من النهوض والتوحد ، فما ان يبرز قائد قوي حتى تبدأ عملية اعادة ترتيب البيت الداخلي بصورة عقلانية وينهض البلد وهو ما رأيناه في النمور الاسيوية التي نهضت وفقا لنمط الانتاج الراسمالي بينما نهض العراق تحت قيادة صدام حسين ومصر تحت قيادة عبدالناصر وفقا لمنطلقات تحررية وتقدمية.

ب-هناك من يقع في فخ مشاعره المضطربة عاطفيا فلا يرى امكانية ان يبرز قائد بورجوازي او حتى اقطاعي التفكير لكنه عصري ومتنور وهذ خلل في التفكير فالقادة يظهرون في كل المعسكرات المتعادية والحربين العالميتين الاولى والثانية كان لها قادة في الطرفين ،وعقد المقارنات بين هؤلاء القادة لايسيء للقائد الوطني او التقدمي منهم ولا يعني امتداح البورجوازي او الاقطاعي التفكير باي حال من الاحوال لان المقارنة لاتعني مساواة الوطني بغيره وانما الكشف عن قدرات من يتولون قيادة دول او احزاب. ورفض الاعتراف بوجود قادة اقوياء ومتنورين في المعسكرات المتقابلة فخ يضلل الفرد ذاته، مثلا ماو تسي تونج او جيفارا او كاسترو ، او موشي دايان ونتنياهو وتشرشل وستالين ..الخ قادة سواء كنا معهم او ضدهم ، ولذلك فتفسير المقارنة على انها امتداح لطرف لايستحق ذلك ليس الا نوع من قصور الوعي .وبهذا المعنى فان القول بان محمد بن سلمان يقود مشروعا تنويريا في السعودية ليس مدحا ولاذما له،كما انه ليس مساواة له بعبدالناصر او صدام فلكل منهم هويته ونهجه وكل منهم ظهر في فترة مختلفة كثيرا عن فترة الاخرين وبالتالي تختلف المعايير في التقييم .

والغريب ان من ينزعجون عند وصف بن سلمان بأنه قائد يتجاهلون امرين مهمين جدا :الاول ان وصف القائد ليس مديحا ولا ذما وانما تقريرا لواقعة موجودة فبن سلمان قائد السعودية الفعلي الان ،والثاني ان بن سلمان يتعرض لهجمات شاملة من الغرب والصهيونية واكثر مما يتعرض له من اسرائيل الشرقية رغم كل تقربه من الغرب،فهل لهذا الهجوم الشامل من معنى غير ان الغرب والصهيونية ضد بن سلمان لان لديه مشروعا تنويريا ؟واذا اعترفنا بما سبق فلصالح من مهاجمته الان مع ان ذلك دعم للمخطط الغربي الصهيوني؟ اكرر : بصفتي بعثيا اشتراكيا ثابت الهوية منذ ستين عاما مقتنع بان الاولوية الان لطرد اسرائيل الشرقية وليس لمهاجمة اي نظام عربي .وازاحة بن سلمان نتيجتها الحتمية هي نشر الفوضى الشاملة في السعودية كما حصل في العراق واليمن وليبيا ولهذا لايشرف اي وطني عربي تكرار نفس خطيئة المعارضة العراقية التي حرضت على ،ووقفت مع ،غزو العراق بدافع الحقد الاسود نكاية بالنظام الوطني وهذه هي النتيجة الكارثية للاحقاد : عراق مدمر وكوارث تترى .